من الممكن القول ان هذه المجلة تمثل أحد الصروح الصحافية القليلة التي لا تزال محتفظة بكيانها وأهدافها التي جبلت عليها منذ البداية. وهي مجلة أدبية تاريخية اجتماعية تصدر في موعدها الشهري حتى الآن. أسسها في القاهرة جرجي زيدان وإميل زيدان. تولى جرجي زيدان في بداية أمرها مسؤولية تحريرها .
وهو أديب صحافي ولد في بيروت وتعلم بها، ثم رحل إلى مصر، له مؤلفات هامة كثيرة. توفي بالقاهرة عام 1914م. وقد تولى والداه مهمة التحرير من بعده، ثم آل أمرها إلى مؤسسة دار الهلال بعد تنظيم الصحافة في مصر وهي من أشهر المجلات المصرية وأكثرها توزيعاً ومن أطولها عمراً حتى الآن. لها دور كبير ومشهود له لدى غالبية الكتاب والأدباء الذين نهلوا من معينها ومعارفها.
انتهجت المجلة خطاً تفرع إلى خمسة أبواب هي باب أشهر الحوادث وأعظم الرجال حيث لا يخلو جزء ـ كما جاء في الافتتاحية ـ من تاريخ حادثة شهيرة أو رجل عظيم، باب المقالات المخصص لكتاب المجلة ونخبة من الكتاب المعاصرين. ثم باب الروايات تندرج فيه الروايات التاريخية والأدبية الخالية من الحوادث الأجنبية والمسميات الأعجمية.
وكذلك باب تاريخ الشهر وهو يشتمل على مجريات الشهر الغابر في سائر أنحاء العالم خاصة مصر وسوريا. وأخيراً باب «منتخبات من الأخبار والتقريظ» الانتقاد وغير ذلك.
ولقد سميت المجلة باسم الهلال لعدة أسباب منها التبرك بالهلال العثماني، والإشارة إلى ظهورها مطلع كل شهر، وتفاؤلاً بنموها مع الزمن حتى تتدرج في مدارج الكمال وتصبح بدراً كاملاً.
تضمن باب أشهر الحوادث وأعظم الرجال جزئين، الأول عن العثمانيين وكيفية تأسيس دولتهم وتاريخهم عبر العصور، وقد أوضح المقال معلومات هامة وتفاصيل معتبرة عن السلاطين مثل سليمان الأكبر القانوني والسلطان محمود الثاني، وعن كيفية استتباب الأمر لهم على رفعة العالم الإسلامي.
أما الجزء الثاني من هذا الباب فقد تناول الحديث عن قائدين روميين عظيمين أحدهما يدعى يوليوس قيصر والآخر يدعى بومبيوس. ولم يكن اختيار هذين الاسمين من فراغ، لأن يوليوس سحق فرنسا وجرمانيا وبريطانيا بكل ملايينهم. أما مومبيوس فقد غزا خمس عشرة مملكة وقهر ثمانمئة مدينة، لكن الدولة الرومانية لم تسع نفوذ وجسارة الاثنين معاً فنشبت بينهما الحروب والخلافات الدموية، ما أثر على تماسك الامبراطورية الرومانية.
وفي باب المقالات طالعنا موضوعاً بعنوان «الجرائد العربية في العالم» وهو عبارة عن نبذة من أوائل الجرائد العربية التي أشرقت على الناطقين بلغة الضاد، مثل الوقائع المصرية وحديقة الأخبار في سوريا وجريدة الرائد التونسي لولاية تونس، إضافة إلى «الجوائب» التي أنشأها العالم الشيخ أحمد فارس الشدياق في الأستانة .
وغيرها من الصحف التي رسمت تاريخ الصحافة العربية. والواضح من قيام مجلة الهلال بهذا التوثيق الصحافي وتتبع آثارها وأفضالها حرصها الشديد على إبراز الجوانب المضيئة والمشرفة للمساهمات الصحافية العربية.
أما باب «تاريخ الشهر» فقد تناول الأخبار المصرية والحوادث الأجنبية، الأولى عن الخلافات التي وقعت بين مجلس الملة القبطية والبطريرك عند تجديد انتخاب أعضاء المجلس ونوابه. والمقال المخصص لهذا الخبر ترك تفاصيل الاختلافات واهتم بتاريخ الطائفة القبطية ودورها المميز في تاريخ مصر القديم والجديد، ويبدو أن كاتب المقال أراد بهذا السرد التاريخي دعوة أعضاء المجلس إلى نبذ خلافاتهم وتعزيز الاحساس بواجبهم الوطني تجاه الدولة المصرية.
الموضوع الثاني في باب الحوادث المصرية كان عبارة عن تأبين مؤثر عن فاجعة مؤسس جريدة الأهرام سليم بك تقلا الذي وافته المنية قبل صدور العدد الأول من الهلال بقليل. وقد كان المقال مليئاً بعبارات كثيرة التأسي، وأخرى في الصفات الكريمة التي تمتع بها تقلاً، فضلاً عن تاريخه المعروف في إنشاء الجرائد السياسية.
فصل الحوادث الأجنبية تحدث عن الخلاف الذي وقع بين سفير الدولة الانجليزية وسلطان مراكش بسبب بعض بنود المعاهدة التجارية بينهما.
أيضاً وردت الأخبار عن سقوط وزارة المحافظين في انجلترا، ثم خبر عن مرض الكوليرا وضرورة وضع البلاد خطة لعدم تسلله إلى مصر، وغيرها من الأخبار التي حصلت في الشهر الماضي لصدور العدد.
باب «متفرقات» تناول تفاصيل معيشة غلادستون الذي تولى رئاسة الوزارة الحرة عقب سقوط وزارة المحافظين في انجلترا. وأورد الباب خبراً عن شاب إيطالي اخترع قنبلة إذا انفجرت تطلق ضوءاً يساوي ضوء مئة ألف شمعة.
ويختص باب «منتخبات» أهم الأخبار الواردة في مختلف الجرائد والمجلات، منها وفاة الفارسة الأميركية الشهيرة ماريا مورغان عن عمر يناهز الرابعة والستين بعد حياة حافلة بالمواهب الرياضية والثقافية والذهنية ونقل هذا الخبر عن جريدة «المقتطف» أما جريدة «الاتحاد المصري» فقد نُقل عنها خبر راتب رئيس جمهورية سويسرا .
وهو أربعة عشر ألف فرنك سنوياً وهو أقل من راتب أحد القضاة في مصر. بالإضافة إلى عدة أخبار طريفة تراوحت ما بين العلمي والطبي والظواهر الخارقة.
مجدي أبوزيد