من المساجد الصغيرة في القرية إلى الاسبلة والمساجد الكبيرة في حي مصر القديمة والجمالية تنقلت الذكريات الرمضانية للأديب جمال الغيطاني الذي جاء من قرية جهينة في صعيد مصر ليعيش جزءاً كبيراً من حياته بين أحياء مصر القديمة والفاطمية في حي الجمالية القريب من حي الحسين نشأ وتربى الأديب جمال الغيطاني فأشبعت عيناه ونما عقله على التراث المصري الأصيل عمل مع والده في تجارة السجاد فأتاح له ذلك التنقل في ربوع مصر وعرف وخبر أجود أنواع السجاد.
ولأنه عاشق للتراث ومؤمن بضرورة التنقيب والبحث في الماضي ومزجه أو الاستفادة منه في الحاضر فقد قرأ وسمع الكثير عن تراث العرب فأخرج لنا عدداً من الروايات والأعمال الجيدة، مثل الزيني بركات تجليات وحكايات الغريب وغيرها وعن شهر رمضان يقول الغيطاني:
رمضان بالنسبة لي مجموعة من الذكريات العطرة المرتبطة بتاريخ مصر والأمة العربية كلها وأهم ذكرياتي تلك هي أيام معركة أكتوبر المجيد، وبالأخص اليوم الثاني من المعركة وكان يوافق الحادي عشر من أيام رمضان، حيث صدرت تعليمات القيادة المصرية لكل الرجال على جبهة القتال وكنت واحداً منهم، بضرورة الإفطار حتى نستطيع تحمل حرارة الجو وقسوة أحداث المعركة.
ولكننا جميعاً رفضنا الانصياع لهذا الأمر وقررنا خوض المعركة صائمين تحكمنا وتحثنا روح التحدي والإرادة والإيمان بالله فكانت الله أكبر تزيل لدينا أي أحساس بالتعب وتدفع في عروقنا قوة لم أشعر بها في حياتي، ولم يشعر أي فرد منا برغبة في الطعام أو الشراب حتى أننا كنا نضطر أحياناً إلي الصوم حتى ساعات متأخرة من الليل ولم يكن يكل جهدنا أو يتطرق التعب إلي أجسادنا.
* احتفالية شعبية
ويعود الغيطاني إلى مرحلة الطفولة داخل حي الجمالية، حيث كان يعيش مع أسرته فيقول : رمضان في هذا الحي أشبه باحتفالية شعبية رائعة فلن أنسي تجمع الأطفال حول المساجد انتظاراً لانطلاق الأذان بعدها ننطلق جميعاً نحو شوارع الحي كلُ في طريقه إلي بيته لتناول طعام الإفطار ولا يفوتني أيضاً منظر موائد الرحمن الممتدة في كل مكان تنتظر كل فقير أو عابر سبيل، ثم نتجمع نحن الأطفال بعد الإفطار حاملين الفوانيس المصنوعة من المعدن وبداخل كل منها شمعة تضيئه.
وندور في الشوارع ونغني وحوي يا وحوي ولكم أتمنى لو عدت صغيراً حتى أعيش هذه الأيام مرة أخرى وأستعيض عن ذلك الآن بزيارة هذه الأماكن وخاصة حي الأزهر والحسين وقهوة الفيشاوي فللمكان وعبق الأزمنة الماضية تأثيرها وروحانياتها الشديدة على النفس وهذه الزيارات لابد منها حتى نشعر بالشهر الكريم.
والحنين والشوق إلى هذه الأيام الأولى لا ينتهي فلهذه لهذه الأماكن سحر خاص في نفسي وكتاباتي فعلى مدى جل عمري الذي عشته في أحياء القاهرة الفاطمية لم تفارق عيناي الطقوس الشعبية والمساجد وظلال الأزمنة المنقضية، وقد أتاح هذا لوعيي وخيالي الانطلاق إلى آفاق بعيدة.
ويؤكد الغيطاني انه من الصعب أن تذهب من القلب أو العقل ذكريات شهر رمضان، فهي ـ كما يقول ـ في عروقنا تجري مجري الدم وننتظرها كل عام تشحذ نفوسنا وتقوي داخلنا ارتباطنا بالخالق.
وأضاف مظاهر رمضان كما عرفتها مازالت متواجدة في بعض الأحياء القديمة بل إن الفنادق الكبيرة تحرص على تقليد هذه المظاهر، ورغم تأثير وسائل المدنية الحديثة على بعض مظاهر هذا الشهر، إلا أن تأثير المكان والعادات يبقى طاغياً فأينما وليت وجهي فثمة مئذنة، قبة، لوحة خط، زخارف نواصي مثقلة بالحنين وأنفاس الغابرين، وذلك الشجن الذي يلف أوقات ما قبل الغروب وكل هذا أثرى فكرنا وإبداعنا الأدبي.
