نكمل اليوم مشوارنا مع عبد الله عبد الرحمن، ونرشف «فنجان قهوة» مع ذاكرته الثرية ورصيده المعرفي الموسوعي، وننتقل عبر رصيده المهني الذي ـ يستحق عليه دون مبالغة؛ تأليف كتاب خاص عنه ـ فهو أحد سدنة التراث الإماراتي، وهو المُسطّر بحروف تضيء بالحب «فنجان قهوة»، هذا الأثر التراثي التوثيقي الذي سيبقى خالداً ما مر الزمان.
إضافة لعشرات من البحوث والكتب التراثية الإماراتية التي أغنت المكتبة الوطنية، ولنتعرف على بقية الحكاية من فم راويها عبد الله عبد الرحمن:
* من أشهر الزوايا التي كتبتها «كلمة حق» هل تحدثنا عنها؟
ـ قبل «كلمة حق» كان في الاتحاد زاوية شهيرة بعنوان «غواص» كتبتها فترة طويلة، وكانت زاوية نقدية، لاذعة ولقيت اقبالا كبيرا من الجميع. ثم زواية «بين السطور» التي كتبتها لمدة ستة شهور، ثم زاوية «كلمة» التي كانت مثار جدل، وكثيرا ما ترد عليها ردودا انشرها بالكامل، وفي هذه الاثناء التحق بالاتحاد حبيب الصايغ وغسان طهبوب وكانت الجريدة خلية عمل لا تهدأ.
ونشرت تغطيات لوقائع سياسية ووطنية كبيرة منها مسيرات التأييد التي خرجت في كل انحاء الامارات تأييدا للشيخ زايد «رحمه الله» وتأكيدا على الاتحاد والتكامل الوحدوي، كان المناخ كله مناسبا للعمل الصحافي، وفي أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات كان سقف الحرية عالياً، وشهدت تلك الفترة بروز مجلة «الأزمنة العربية» ولأن المناخ كان ملائما للعمل الصحافي الذي كان يحظى بتقدير واحترام من المجتمع والمسؤولين كان لهذه الزاوية صدى كبير.
وكان المسؤولون يتصلون بي للرد أو التصحيح، وأحيانا يأخذونني في جولات ميدانية لنفي أو تأكيد ما جاء في الزاوية، في الوقت نفسه كنت أكتب «واحة الاتحاد» وهي استراحة اسبوعية تفرد لها نصف الصفحة الأخيرة يتبادلها عدة اشخاص، وانجزت الكثير من التحقيقات ـ خاصة الميدانية ـ التي اشتهرت بها منذ اواخر السبعينات متتخصصا بشكل اكبر في شوؤن وشجون المناطق النائية وتنوعت الكتابات والانتاج الصحافي خاصة مع زيادة الوعي والخبرة والتواصل مع الثقافة والسياسة.
* رحلة إلى لندن
* كيف بدأت علاقتك بالتاريخ والذاكرة الشفاهية؟
ـ أوفدت من الجريدة الى لندن لدراسة اللغة الانجليزية وكانت الاتحاد قد فتحت لها مكتبا هناك في مبنى جريدة التايمز، وطوال ثلاث سنوات بقيت مترددا على بريطانيا، وكنت اكتب «كلمة حق» أسبوعيا، وفي هذه الرحلة استفدت كثيرا وقرأت الكثير من الكتب عن تاريخ الامارات وكنت اتردد باستمرار على الارشيف البريطاني.
حيث وجدت أن هناك فجوة في تاريخ الإمارات، وهي الفترة الواقعة ما بين أواخر القرن التاسع عشر وحتى مرحلة ما قبل الطفرة او ظهور النفط، وهذه الفترة تعتمد على الروايات الشعبية ولا يوجد حولها سوى قلة من المخطوطات التي تركها الاباء والاجداد، واستقر في ذهني أن اقوم بشي ما تجاه ذلك.
عدت الى الامارات وعملت قليلا في الترجمة الى ان أسست قسم المنوعات وترأسته لمدة ثلاث سنوات، ثم صدر ملحق الاتحاد اليومي (8 صفحات) وكان عملا شاقاً، في هذه الفترة كانت أبو ظبي تعيش جوا من الحرية والحراك الثقافي وزاد عدد المواطنين في الجريدة وكلهم يحملون هموما واهتمامات ثقافية مثل:
عبد الحميد احمد، علي ابو الريش، عادل الراشد، عبد الرحمن حسن، أحمد راشد ثاني ومحمد يوسف وشباب من البحرين وعمان واشرف على الملحق الثقافي علي ابو الريش ثم عبد الحميد احمد، وفي عام 1984 انتقلت الى دبي مرة أخرى ومع صدور ملحق الاتحاد اليومي عملت «فنجان قهوة» فلقيت صدى كبيرا لدى الناس فنقلت الى الاتحاد الاسبوعي في الصفحة الأخيرة.
* هل تذكر أول من التقيته من المعمرين في «فنجان قهوة»؟
ـ بالطبع أذكره جيدا وهو عبد الرحمن البكر والد الدكتور محمد عبد الرحمن البكر وزير العدل سابقا، وكان صاحب ذاكرة خصبة ولديه ذكريات عن رأس الخيمة والامارات اضافة الى انه رجل مؤثر في صنع القرار في رأس الخيمة.
ثم التقيت الشيخ «مجرن الكندي» المطوع الذي كان يُدرّس الشيخ زايد «رحمه الله» وأول رئيس للقضاء الشرعي في أبوظبي ـ أي قبل المرحوم الشيخ أحمد عبد العزيز مبارك ـ الذي وثقت قصة حياته أيضاً في أيام العزاء في ثلاث صفحات متتالية، وكان لحلقة مجرن الكندي صدى في مجلس الشيخ زايد فاتصل عبد الله النويس وطلب مني نقلها الى التلفزيون.
وفي اليوم التالي جاءني المخرج عبد الله النقي ومعه فريق العمل وسجلنا الحلقة الأولى من برنامج «سوالف من الماضي» حيث كنت أعده وأقدمه، بعد ذلك توطدت علاقتي بتلفزيوني ابوظبي ودبي، واذاعتيهما، فقدمت برامج متنوعة منها:
معا على الهواء، اللقاء المفتوح، شعاع من الماضي، مشاهدينا الاعزاء اهلا، مجالس التلفزيون وغيرها كثير، ومن خلال التاريخ امتد اهمامي الى الآثار والتنقيبات التي تجري للبحث عنها، وما قبل التاريخ والعصور القديمة بتسلسل، وقد دفعني ذلك الى عمل ذاكرة المكان في الامارات تحت عنوان «موسوعة الوطن» بعد أن اوقفت فنجان قهوة الذي استمر خمس سنوات متواصلة.
* موسوعة الوطن
* لعل البعض يتذكر صفحتك «موسوعة الوطن» هلا حدثتنا عنها قليلاً؟
** كانت صفحة «من دفاتر الوطن» ضمن محاولاتي التراثية التاريخية المنوعة، أما «موسوعة الوطن» فهي قراءة لذاكرة الأمكنة، واستدعى ذلك تنقلي وترحالي المتواصل في شتى بقاع الأرض الإماراتية، بصحاريها وجزرها وقراها ومناطقها المترامية الأطراف.
وفي بعض الأحيان كنتُ أقيم لأيام متتالية في بعض الجزر التي لم تطأها قدم إنسان من قبل أو هُجِرت في أزمنة سابقة، ولعل جزيرة «غاغة» التي تقع في الطرف البحري بيننا وبين قطر؛ خير مثال على هذا التجوال، فهي من الجزر المهمة التي كانت مأهولة سابقاً ولم أجد عنها شيئاً في النصوص التراثية أو البحثية التي تمت عن الإمارات.
والحال كذلك بالنسبة لجزيرة «أم الحطب» وعشرات من الجزر المجهولة، وتطلب ذلك سنوات طويلة من البحث والتقصي والعمل المضني، وقمتُ بتصوير هذه الأمكنة والجزر تصويراً تلفزيونياً محفوظ لغاية اليوم في تلفزيون أبوظبي، ولم تتم منتجة هذه الأشرطة ـ رغم أهميتها وقيمتها التاريخية والسياسية، والأمر يعود لإدارة التلفزيون ـ واستغرق التصوير عشرات الساعات.
وفي مناطق أخرى صوّرت أفلاماً عديدة عن الصيد بالصقور، ومن تلك المناطق «راس غميص» التي يتم فيها وفي غيرها من المناطق النائية، عمليات صيد الصقور المهاجرة في المواسم بطريقة «الكوخة»، وقد أصدرتُ عن هذه العملية ومناطقها وطرقها كتاباً صدر عن ندوة الثقافة والعلوم، وأنجزتُ عنها ـ أيضا ـ فيلما وثائقياً، وكنتُ أقطع بعض الطرق المؤدية إلى الجبال سيراً على الأقدام للوصول إلى بعض الأمكنة التاريخية والأثرية، ولم يظهر كتاب «موسوعة الوطن» لغاية اليوم وهو جاهز ومنقح بالكامل.
* لكَ تجربة أيضاً في مجال الغوص؟
ـ في مجال الغوص خرجتُ في رحلات متعددة مع رجال غوص «معمرين» وشباب، وهو ما استدعى مني توثيق كتاب يتحدث عن طرق الغوص والمواسم ومكامن اللؤلؤ، وانجزتُ عن الغوص فيلمين، فاز أحدهما بجائزة في مهرجان التلفزيون الأول بدبي وهو من إخراج عبد الله النقي، وتم تصوير الفيلم عن رحلة مع فرج المحيربي أحد أقدم الغواصين في الدولة ورئيس جمعية الإمارات للغوص.
كما أخرجتُ فيلماً آخر عن الغوص برفقة علي السويدي أحد المهتمين بقضايا البيئة والمغاصات البحرية الإماراتية، وقد أنجزتُ عبر هذه الرحلات كتاباً متكاملاً ـ إلى حد كبير ـ عن الغوص في الإمارات يقع في 15 فصلاً وهو جاهز للطبع، ويهدف الكتاب إلى نقل خبرة الغوص من الأجيال السابقة إلى الأجيال الحالية ويعرفها على مغاصات اللؤلؤ وطرق الغوص وبيئة الأعماق والمواسم، والكثير من المعلومات الموثقة بالصور.
كما أني أعددتُ كتاباً كنتُ أنشره كحلقات في الملحق الثقافي في جريدة «الاتحاد» ويتحدث عن كل الأساطير والحكايات والأشعار والأمثال التي قيلت في الغوص والبحر في المنطقة، ولم يظهر الكتاب لغاية الآن.
* بخل معرفي!
* كيف تقيم تجربة كتّاب الإمارات القدامى في الصحف والمجلات العربية؟
ـ ذات مرة طلبت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة للجامعة العربية من وزارة الإعلام والثقافة الإماراتية، إعداد دراسة عن جيل رواد الصحافة في الإمارات، فكلفت الوزارة إدارة جريدة «الاتحاد» التي كلفتني بدورها بإعداد هذه الدراسة.
فأثارتني الفكرة بصورة كبيرة، فأجريت تنقيباً وبحثاً شاملاً عن الموضوع، فأصبح لدي كم هائل من المعلومات، وكان من ضمن ذلك الجرائد والمجلات الأولى التي تصل للمنطقة كالفتح والمنار وأم القرى، وكتابات أبناء الإمارات في هذه الدوريات، فوجدتُ كتابات تعود إلى بدايات القرن العشرين لشخصيات أدبية محلية مثل:
إبراهيم المدفع، مبارك الناخي، وعبد الله المطوع وعشرات غيرهم، وكان ضمن ذلك بعض ردود الأفعال من قبلهم تجاه تلك الإصدارات، ومن ضمنها قصيدة لمبارك العقيلي تعود إلى سنة 1927م تاريخ إصدار مجلة «الكويت» لعبد العزيز الرشيد الذي يعتبر مؤسس أول مجلة خليجية.
وضم البحث رسائل ومقالات كتّاب الإمارات الأوائل اضافة الى المحاولات البدائية الريادية الصحافية مثل صحيفة عمان و«صوت العصافير» عام 1927م، وإصدارات مثل «النخي» وغيرها من الصحف والمجلات الأولى في الدولة كالشروق والمجمع وأخبار دبي والخليج والفجر والاتحاد.
وكانت كتابات ناضجة في ذلك الوقت وذات فكر راقٍ، وهو موجود كدراسة كاملة لم أجد الوقت لطباعتها، وأنا مستعد لإفادة الباحثين والمهتمين بهذا الشأن وأقدم لهم هذه المعلومات بكل رحابة صدر، وأود أن أنوّه إلى أن ظاهرة «البخل المعرفي» منتشرة بين العديد من الباحثين والمؤرخين ـ وأستثني منهم المؤرخ الدكتور فالح حنظل الذي مدّ يد المساعدة العلمية والبحثية للعشرات في الدولة ـ وأعتقد أن التاريخ والمعلومة يجب أن يكونا في متناول الجميع.
* صدى السنين
* هل تعتقد أنك لقيتَ الدعم الكافي لمواصلة بحوثك التراثية؟
ـ رغم الأبحاث والدراسات المتواصلة التي أجريتها ـ بعد التقاعد ـ في مجال التراث والتاريخ والميثولوجيا الإماراتية؛ إلا أني لم ألقَ تشجيعاً من قبل الجهات المعنية بمعنى التفرغ لمثل هذا النوع من البحث والعمل، وعلى سبيل المثال فقد أنجزتُ كتاب «مدخل إلى دراسة تراث الإمارات» مع د. عبد الله الطابور وهو يُدرّس ضمن المساق الجامعي، كما أنجزتُ كتاباً مشترك عن حياة سالم بن علي العويس وفيلماً وثائقياً عنه، إلا أن كل ذلك لم يلقَ الدعم الكافي من الجهات المعنية.
ومن ضمن البرامج التي أعددتها وقدمتها أيضاً، برنامج «صدى السنين» عن العديد من الشخصيات الإماراتية التي تركت أثرها في الحياة الثقافية والتراثية والفنية في الدولة، وسعيتُ لإنجاز العديد من المشاريع التي لم ترَ النور لأني كنتُ بمفردي فيها، وكما يقال «يد واحدة لا تصفق»، ومع هذا ـ ولجمع شتات هذا النتاج المتفرق هنا وهناك ـ أسست مؤسسة «الذاكرة للمعلومات» عام 1990م، وبعد أن أنفقتُ كثيراً على هذه المؤسسة.
وبعد أن حلمتُ بتوثيق تراث وذاكرة الإمارات القديمة، لم استطع المواصلة ـ لضيق ذات اليد ـ ومن تلك المشاريع أيضاً «شركة الزمن للإنتاج الفني» التي تخصصت بنفس المجال التوثيقي، ولم أستطع المواصلة أيضاً، وقبل عدة سنوات أسستُ مجلة «ليوا» لحساب مركز الوثائق والدراسات ثم مجلة انشور المتخصصة في التأمين في مدينة دبي للإعلام.
ومن ثم أسستُ ـ بعد هذا العمر، يعلّق ساخراً ـ مؤسسة «ميديا لوجي» للاستشارات الإعلامية والدراسات، وما زلتُ مستمراً فيها، وأنجزتُ ضمن عملي في حقل التراث؛ توثيق متحف دبي بالكامل، كما قمت بإنجاز متحف «بيت العمارة التقليدية» الذي يوثق لكل ما يخص العمارة التقليدية الإماراتية من مواد بناء وزخرفة وتصاميم.
حوار: محمد الأنصاري
