يعتبر الكاتب الاسباني المعروف خوان غويتسلو من أكثر الأوروبيين معرفة بالعالم العربي. وهذا العالم شكل على الدوام محور كتاباته وبحوثه وصولا الى عمق التاريخ الاسباني الأندلسي. وغويتسلو الذي يعيش جزءا من وقته في كل عام في المغرب، متنقلا بين طنجة ومراكش يعرف أيضا ساحة جمعة الفنا، وسط عاصمة الجنوب المغربي(مراكش). معرفة جيدة. ولقد كتب عنها نصوصا عديدة هنا واحد منها.

..ان المرور في ساحة «جمعة الفنا» يفرض نفسه فرضا ليس فقط على الغريب الذي يزور مراكش، بل كذلك على المراكشيين أيضا وربما بشكل يومي.. وفي هذا المكان يمكن للمرء إذا شاء ان يتعلم أولى مبادئ ممارسة السحر، ولهذا السبب نجد الكثير من الفقهاء يملأون المكان.

لكننا نجد فيه أيضا عددا كبيرا من الدجالين. وفي هذه الساحة يمكننا ان نشاهد، في الوقت نفسه، عددا كبيرا من أهل الاستعراض والألعاب السحرية، وصانعي الأحجية التي «تفيد من شر بأس المصير وتعزز من تأثير الأولياء تعزيزا كبيرا».

إذا نظرنا إلى الساحة من نقطة عالية، من أعلى منارة الكتيبة على سبيل المثال، ستبدو الساحة حيزا ليس له شكل هندسي محدد. فهي في الوقت ذاته مستديرة وهي مربعة وهي مخمسة. انها تدور وتتبدل باستمرار، مجنونة الحضور. انها تعيش حياتها الى حد الإفراط وليس لهذه الساحة على أية حال تاريخ ميلاد محدد.

فهي لم تقم أبدا ولم يخطط لقيامها احد. ولم يفتتها كائن من الكائنات. والحال ان ثمة صورا لها التقطت عند بدايات الاستعمار الاستيطاني ترينا إياها ساحة مفتوحة ذات حركة فوضوية..تماما مثلما هي حالها اليوم. انها تتحرك وتعيش حقبا عدة في وقت واحد، وتمارس علاقات متعددة على المستوى الزمني.

أما ما هو ثابت، ما يشكل لها حدودها، فهو المحطة المجاورة لها. فالواقع انه بالقرب من «جمعة الفنا» تقع محطة السفر الأكثر شهرة في الجنوب المغربي. إليها تأتي العربات من كل الأسواق ومن كل القرى والدوارات ومن مدن المنطقة. فيها ينزل المسافرون الذين سرعان ما يضيعون وسط الزحام والحركة الدائمة.

والمشهد هنا دائم ومفتوح متغير ومتنوع. وثمة هنا وسط هذا كله شيء رائع يذكرنا بالطفولة نفسها. حيث ان المرء لا يسعه ان يمر من دون ان يتوقف، لأن لا شيء هنا يشبه شيئاً آخر. وهذا التنوع بين اللعب والجد، هذا الجنون الدائم والمستخدم غالبا باحتيال يجذبان المرء ويسليانه حتى لوقوعه ضحيتهما.

من المستحيل على المرء هنا ان يفلت من براثن الساحة ومباهجها العديدة فالمطاعم قائمة الى اليسار الى جانب المقاهي والنزل الصغيرة، والى اليمين الباعة والتجار من كل صنف ولون. وفي الجهة المقابلة لديك المدينة أو الأسواق. ولكنك لكي تصل إليها يتعين عليك أولا ان تجتاز الساحة في كل اتجاهات وفي أي اتجاه..

لقد أمضيت هنا أياماً وليالي وأنا اسمع، أشم وأتذوق، وذلك لأن مصانع العطور تطلع من كل مكان مع روائح التوابل والبخور والطبخ. والحق ان مراكش لها روائحها الخاصة بها هي عطور الحنين الى الماضي البعيد والبقالون هنا يتغنون في رص الجرابات الملأى بأنواع عديدة من التوابل التي يمكن العثور عليها في كل مكان في المغرب. ان لديهم كل الأنواع وهم يهتمون بها اهتماما جماليا عبر توزيعها بشكل يكشف اختلاط الألوان وتزاوجها: الزعفران مثلا إلى جانب الخيار المكبوس، والحنة في محاذاة الفلفل الأحمر.

التجمع، التجاور والتجاوز هي هنا معنى الساحة وشعارها فهي ساحة الفنا (العدم)،ساحة العبث والوهم. فيها تحكى أكثر الحكايات غرابة، ويمثل أكثر الروايات خيالا. ومن المؤكد أن الواحد منا يمكنه ان يمضي هنا أياما بطولها ولياليها، دون ان يسأم، الوضع أشبه بعيد ريفي.. بيد ان التنظيم هزيل جدا ناهيك بأن هم الربح المادي بات يطغى على الجميع.

لكنك لن تسأم هذا أبدا شرط ان تفهم اللغة العربية المغربية لأن الحكايات التي تروى هنا بهذه اللغة جميلة مليئة بالألغاز، فن الحكاية يصل هنا الى ذروته ونحن نعرف ان تقاليد الحكواتية لا تزال منغرزة عميقا في مخيلة المغاربة جميعا. لذا ليس غريبا ان تنتمي هذه الساحة برمتها الى حكواتية المخيلة.

ثمة أمامي هنا رجل في نحو الأربعين، قصير القامة غير حليق خفيف السترة قصير السروال قدماه حافيتان. يدور الرجل داخل حلقة محكومة من حوله ومن حول زميل له يدق بتواصل على آلة الجميري وهي عبارة عن طبل محلي صغير. انه يخاطب السماء ويقف في وجه متفرج يحدق به ويقول «صلى على نبينا محمد» فيقول الآخر «صلى الله عليه وسلم» قلها ثانية «صلى الله عليه وعلى كل مسلم وسلم» انك تعجبني .. حسنا.. انظروا إليه انه يحسن الكلام الآن. شكرا لله.

أمس وهذا الصباح لم يكن ينطق بكلمة .اجل.. لا كلمة وها انذا جعلته يتكلم أمامكم الآن «هنا يصمت الرجل الآخر ولا يحاول التعليق.. إما الأول فيلتفت الى الجميع قائلا: هيا ضعوا أيديكم في جيوبكم. على صاحبنا ان يحافظ على قدرته على الكلام ليدفع كل واحد منكم درهما ويقضى الأمر!»

بعض المتفرجين يناول الرجل بعض الدراهم أما هو فأنه بغتة يتوقف عن الدوران ويقعد على الأرض وسط الحلقة مغمضا عينيه ويقول صارخا «الموت الموت اليوم أو لا يقام لكل الناس .انه باهظ الكلفة.. باهظ الكلفة.. اتبعوني يا أصحاب الكلام والطيبة. احسبوا معي سعر الموت:

أنت تحتاج خمسة لتعطيها للمستشفى التي تقتلك، وخمسة للغسيل وخمسة للنقل وستة للحمل وألفاً للقبر. حسنا يا خلق الله يا عباد الله.. صار على المرء ان يكون غنيا حتى يموت اما الإنسان الفقير الذي نسيته الحياة ولم تنتبه إليه فسيبقى صامدا. لأنه لا يملك ما يدفع به ثمن القبر وما تبقى. إذن إياكم ان تموتوا بسرعة. انتظروا الربيع.. انتظروا موسم الحصاد..انتظروا الكنز الذي به وعدنا الأجداد.

يا إخوتي ان الحياة تمضي بنا وتمضي.. لكنها لا تمضي هكذا بالنسبة إلي . انا في الأصل ابن عائلة كانت غنية ومرتاحة. كنا نأكل اللحم مرتين في الأسبوع. فأتى الموت يحصد الأم والأب وها انذا أمامكم احكي الحكايات. أعيش بفضل ما تعطونني من دراهم.. الدراهم الحارة المليئة بالجنون. اذن هيا مدوا أيديكم الى جيوبكم.. وباركوا خادمكم المطيع..».

في هذا الوقت يكون شريكه منهمكا في حركات رقص سخيفة يقوم بها. ولا سيما حين يتوقف بعض السياح الأجانب ليلتقطوا الصور. وإذ تلتقط الصور يركض الرجلان نحو السواح مطالبين بأجر التصوير. وهذه ممارسة جديدة في مراكش في أيامنا هذه. فالسائح يجب ان يدفع انه قادر على الدفع...الى يمين الحكواتية ثمة شاب يدعي انه من الصحراء «صحراوي» قائلا انه أتى من الجنوب يحمل معه دواء معجزة يخلص المرء من كل أنواع البرد:

برودة الدم، برودة القلب، برودة العضلات، برودة الرأس.. ولكن على وجه الخصوص البرودة الجنسية. ان صاحبنا اذ يقول هذا يملأ كلامه بعبارات ذات شكل علمي ويقول: «انا لست مثل الآخرين. انا لست من الدجالين الذين يحلفون كذبا.. باسم الله والقرآن والنبي. أنا لست في حاجة الى ان احلف. حسبكم تناول دوائي، واحدا عند شروق الشمس وواحدا عند المغيب، وسترون النتيجة فورا.. ستستعيدون قوة الماضي ورجولة مولاي إسماعيل».

والسعر! فقط عشرة دراهم لـ «خلاصة الترياق» هذه .. عشرة دراهم مقابل السعادة والصحة وأيضا وخاصة مقابل ما يحلم به كل واحد منكم: القدرة على الحب. وإذ يبتسم هنا فإن ابتسامته تتوجه مباشرة الى عدد من رجال وربما نساء عجائز. كانوا بالفعل قد بدأوا يمدون أيديهم الى الجيوب.