تتعدد خامات ومواد وأشكال ووظائف الفنون والحرف والمشغولات اليدوية من بلد إلى آخر، ومن زمن إلى آخر أيضاً، ذلك لأن جملة من المسببات الموضوعية، الطبيعية والإنسانية، تلعب دوراً رئيساً في تحديد شكل وخامات ووظائف هذه الفنون والحرف والمشغولات مكانياً وزمانياً، مرد ذلك التداخل الجميل والحميمي قائم بين حاجة الإنسان المادية والروحية، وبين الفن والحرفة، فالحرفة ترضي حاجة استعمالية يومية للإنسان، والفن يرضي حاجة جمالية مواكبة للأولى، أو هكذا يجب أن يكون.
في الفنون والحرف الإسلامية، تجلت بشكل واضح وجلي، هذه المعادلة التي وسمت غالبية الفنون الشرقية أيضاً.
خاصية الجمع الموفق والجميل بين الحاجتين: الاستعمالية والجمالية، نراها تطل من المجسمات الخشبية الجميلة، متماهية بحداء الأزاميل والأدوات والأيدي الماهرة وسحبات الريش الحنون. ونراها في استكانة الوقت الصامت في أفواه السنانير والابر وتداخلات الخيطان الملونة المجدولة لحمة من القلب، وسداة من الأمل.
الصناديق، العلب، الأواني، الكؤوس، القدور، الملاعق، الصحون، المشاجب، المرايا، الكراسي، الشمعدانات، أدوات الزينة والحلي وغيرها، أشياء وجدت في البداية لغاية استعمالية بسيطة، ثم ما لبثت أن تطورت شكلاً واستخداماً بالفن ومن خلاله، وقد جاء هذا التطور الشكلي الجمالي، تلبية لحاجة مستجدة في النفس البشرية، محورها الجمال والبحث عن الأمثل شكلاً واستخداماً، وهذه العملية الفنية التقنية، تحدث وفق شروط البيئة المختلفة: مناخاً، وخامات، ومواداً ومعتقدات.
على هذا الأساس، شكلت هذه المشغولات ميداناً رحباً للفنان العربي والمسلم، للإبداع والابتكار، والتجديد الدائم، ومنها العلب والصناديق العاجية والمعدنية والخشبية التي تفنن في صناعتها وتزويقها وتصاميمها، بحيث أصبحت اليوم من التحف العظيمة والراقية والباهظة الثمن، ومع ذلك، تتسابق أشهر المتاحف العالمية على اقتنائها والحفاظ عليها.
قام الفنان المسلم بتطعيم الخشب الذي صنع منه هذه المشغولات، بالصدف والمعادن، وطعم المعادن بعضها بالبعض الآخر، فأدخل الذهب والفضة على النحاس والبرونز، وجمع بين العاج وخامات أخرى، كما قام بتزيين هذه المشغولات بالزخارف والنقوش النباتية والهندسية والصور الآدمية التي تمثل مظاهر مختلفة من الحياة الاجتماعية، ومناظر تمثل المبارزات بالسيف، أو صيد الوحوش بالصقور والشواهين.
إضافة إلى الكتابات التي تتضمن أسماء من صنعت لهن من نساء الملوك والأمراء والخلفاء، وهي لهذا السبب، تعتبر وثائق تاريخية وحضارية مهمة، تعين الباحث في تاريخ الفن العربي والإسلامي على قراءة الحالة الاجتماعية والاقتصادية، للمرحلة التي نفذت فيها.
كان الفنان العربي والمسلم حريصاً على أن تأتي الأشكال والزخارف التي استخدمها في تزيين وتزويق مشغولاته اليدوية متوافقة وقناعاته التي حملها إليه الدين الحنيف، ومن هنا جاءت الوحدة التي تفردت بها الفنون الإسلامية.
فقد اشتغل الفنان المسلم على الزخارف والأشكال الخاصة به، والتي شهدت الكثير من التطور والنضج والتبلور، بحيث أضحت في صيغتها الأخيرة عربية إسلامية خالصة، بعد أن هضمت التأثيرات التي جاءتها من حضارة البلدان التي دخلت الإسلام.
من هذه المشغولات علب القرآن الكريم، وعلب الحلي والزينة، وقد جاء معظمها على شكل مستطيل أو مربع أو هرم ناقص، أما أغطيتها فكانت اسطوانية مقببة أو نصف كروية. ولأن غالبية هذه المشغولات كانت تصنع كهدايا للملوك والأمراء، فقد كان ثمنها باهظاً وذات صنعة وفن رفيعين، ويكتب عليها اسم الشخص المهداة إليه، إذا كان هذا الشخص ذكراً، أما المرأة التي تهدى إليها فلا يذكر اسمها قط، وهي في العادة أميرة أو أم ولدت حديثاً.
تعددت مهام ووظائف واستخدامات هذه العلب، فبعضها وضع لحفظ القرآن الكريم، وبعضها الآخر للحلي والأمشاط، أو لحفظ المسك والعنبر والكافور، وكانت كل علبة ينقش على غطائها بخط عربي جميل، ما بداخلها من مواد، وبشكل ينسجم ويتوافق مع زخارفها والرسوم التي تحملها. وأحياناً يأتي ذكر اسم المادة ضمن أبيات من الشعر.
ووجود الخط العربي، جنباً إلى جنب مع الرسوم والزخارف في هذه المشغولات، ظاهرة عامة تنسحب على جميع الفنون والحرف الإسلامية، إذ اتكأ الفنان المسلم، وبشكل رئيسي، على الخط العربي في التزيين والتزويق والتجميل لعمارته الدينية والمدنية والأدوات الكثيرة المستخدمة في الحياة اليومية.
وغالبية النصوص التي طعم بها هذه الأشياء، مأخوذة من القرآن الكريم، أو من الشعر العربي، ومن الأمثال والمأثورات الشعبية البليغة الدلالة والرمز، وغالباً ما تترافق النصوص والكتابات والخطوط، بزخارف هندسية ونباتية بديعة، تبز جماليات الخط العربي، والعكس صحيح أيضاً!!
محمود شاهين

