كان الدخول إلى قرية «أوحلة» إحدى قرى إمارة الفجيرة مسكوناً بسحر وجمال تقدمه القرية الصغيرة عن طيب خاطر، فموقعها في عمق الجبال وتزيّنها بحلّة الطبيعة البهية جعل منها ملاذاً لمن يطلب السكينة ويعزف عن صخب الحياة والعمل.
وصلنا إلى مشارف القرية بعد أن تجاوزنا وادي مي عبر الطريق المؤدي إلى وادي الحلو معتمدين على الإشارات الموجودة في الطريق والاتصال بالمعارف من أبناء القرى المجاورة حتى وصلنا إلى قرية تواجه سلسلة من الجبال العالية، وعرفنا من الإشارة أنها قرية «أوحلة» الواقعة جنوب إمارة الفجيرة ـ وهناك بدأنا البحث عن منزل أمير المنطقة.
فأوصلنا إليه الجيران ـ وقد بدأت الشمس بالهبوط معلنة أنها في ساعات العصر ومنتظرة قرب انتهاء حضورها اليومي ـ استقبلتنا سيدة المنزل وهي الوالدة فاطمة عبدالله سريع وهي امرأة خبرت الحياة وتعودت أن يكون مجلس زوجها عامراً بالضيوف، لذا استقبلتنا بالضيافة العربية المميزة، فأحضرت القهوة والفوالة وجلست تحدثنا حتى يأتي الأمير من المسجد فطلبنا منها أن تحدثنا عن الماضي وحياة الناس فيه فقالت .. الأول الزمان تعبان.
والناس فقارى، وكنا نعيش حياة بسيطة لكننا متواصلون فما أن ينتهي الناس من أعمالهم حتى ينادوا جيرانهم ويجلسوا ويتقهووا، الحين كل حد صاك بابه، ولا يسأل عن جاره أو يردي عنه شيئاً، وإذا طرقت الباب خرجت البشكارة وقالت، بابا محد، ماما محد، وفي زماننا هذا انقطعت الرحمة فصار المطر قليلاً، بينما كانت الوديان تجدر في الماضي والسيح أخضر وكان الحلال في كل مكان يرعى العشب ويأكل مما تنبت الأرض.
وتتحدث عن ماضي المنطقة وأسمائها قائلة كان اسم المنطقة «يفر المسك» فقد كانت أوحله شروى لبنان تجدها خضراء وفيها المسك والورود، وقد كان خير الأرض متوفراً للجميع، والبيوت مفتوحة للضيوف وحتى لو لم يكن الرجل موجوداً فإن المرأة تستقبل ضيوف زوجها فتقدم القهوة وتطلب من أحد الجيران أن يذبح لها الذبيحة وتطبخ العيش وتقدم الغداء، وقد كان جدي في الزمان القديم أمير البلاد، أي القرية يصلح بين الناس وكان لوالدي سبلة قرب الحصن القديم يجتمع فيها الناس ويسألون عن بعضهم بعضاً.
وعن حياة المرأة تقول الوالدة فاطمة عبدالله في الماضي لم تكن هناك بشكارات وحتى حين تغيرت حياة الناس لم أكن آتي ببشكارة في بيتي حتى مرضت في الفترة الأخيرة ولم أعد أستطيع أن أقوم بأعباء البيت بنفسي، وفي الماضي إذا مرضت المرأة ساعدتها جاراتها وجئن لزيارتها وطبخن طعامها، وكانت الحرمة العيوز تجلس عند المرأة الوالدة حديثاً وترشدها إلى كيفية العناية بنفسها وبالطفل الرضيع وكانت المرأة تجهز الأطعمة بنفسها فتعمل الخبز والبلاليط والساقو واللقيمات ولم نعرف الدجاج المثلج ولا نأكله حتى يومها هذا.
وقد زرع أهلنا خيرات الأرض من كل شيء، وإذا جاء رمضان اشترى الرجال العيش والقهوة والبزار والملح الذي نضعه في «غرشة» ونبدأ بتجهيز الفطور قبل صلاة العصر وتتعاون الجارات في الطهو وكأن الناس يفطرون «رباعة» واليوم تجد كل شخص في بيته يفطر منفرداً، لكني الآن ابعث الفطور للمسجد كل يوم، وأبعث فطوراً للعمال الذين يعملون قربنا وفي العيد كانت النساء تجهز الطعام وتضع الحناء والآس والزعفران والحل والورس».
اثناء الحديث مع صاحبة البيت حضر أولادها وأحفادها وأصدقاؤهم ليزينوا المجلس بحكاياتهم الشبابية وبعدها جاء أمير المنطقة الوالد سالم محمد سريع السماحي الذي تميز باعتزازه بترات آبائه وعذوبة حديثه، فبعد الترحيب بضيوفه حدثنا عن حياتهم في «أوحلة» قائلا منذ ان ولدنا وجدنا أهالينا وقبلهم جدودنا يسكنون المنطقة وقد كانت الحياة «الأولية» جميلة فيها المزارع والخضرة.
فقد كنا نزرع الغليون والدخن والذرة والرجال يكدون «البوش» يسيرون نحو دبي ويبيعون فيها الغليون والسخام وكانت تستغرق الرحلة ستة أيام ذهاباً ومثلها اياباً وسعر جوتية السخام في ذلك الوقت لا يزيد على ريالين وكان الرجال يأخذون في رحلتهم متاعاً عن العيش والسح والقهوة والطحين، ويخبزون في الطريق، ويحملون معهم الماء في السعون، وكانوا يخافون من قطاع الطرق فيحملون معهم الأسلحة من الميازر والصمعة والفلاسي وأم عشر ليحموا أنفسهم وابلهم».
وعن سبب تسمية المنطقة بهذا الاسم يقول السماحي «سميت المنطقة اوحلة لأنها كانت متوحلة بالماء ولا يخوز السيل عنها أي انها كانت تنعم بكثرة الخصب وتوفر المياه من الامطار والعيون الجبلية فتجد تربتها رطبة لا تعرف العطش اما أسماء بقاعها فهي «أم العلم الشرقية وغليل الذيب وقد سمي بهذا الاسم لوجود الذئب به.
وغليل سليمان وأم العلم الغربية وام المغر والعريضة والفلي والطوية وطوي مرخة وشعبة العيوز وقد كانت تسكنها امرأة عجوز وفلي النورة وشعبة الضبعون وغليل طوية، وكذلك غار خباشة الذي كان الناس يحتمون به في السيل وقد قال الشاعر في منطقة أوحله:
خايلت براق وفيه مخيله
على وحله يمطر ويسقي سيله
وقد كانت الأرض خصبة والظباء تنتشر بها كما تنتشر الغنم وكانت كثرتها تعلم القنص فالجميع يستطعون صيد الظباء لكثرتها، وكانت أنواع الطيور تعيش في المكان «كالرخمة» «والصقور» والحبارى وكذلك تجد العسل في كل مكان وقد تصل كميته في كل خلية الى عشرة كيلوغرامات.
ويتحدث أمير المنطقة عن رمضان في الماضي فيقول «كنا نطالع الهلال ونسأل عن أول يوم في الشهر الكريم، وكانت حكومة الفجيرة «تنقع» مدفعاً لتعلن قدوم رمضان، ونصوم على الحساب وحين نكمل ثلاثين يوماً تحرينا هلال العيد وأفطرنا.
وفي تلك الأيام نبني مسجداً من الدعون وكان المطوع المرحوم حمد بن سيفان ثم جاءنا سعيد بن سريح وقد كانت لدينا بريزة كبيرة نجتمع فيها صوب الوادي والقلعة فيأتي راعي النحل وراعي الضاحية وراعي الجبل وكل منهم «يخبر علومه» وتلك القلعة الموجودة عمرها سنين ودهور وقد كانت مساكننا القديمة عند الحصن.
ويتحدث شباب المنطقة الموجودون في مجلس الأمير عن فعالياتهم فيقول محمد علي حمود.. في رمضان نبني «سبلة» عند المسجد نسميها «العزبة» يفطر فيها جميع أبناء المنطقة فيحضرون ما يعد في البيوت من طعام ويجتمعون معاً، فيحضرون الخبيص والهريس والعيش والتمر واللبن ويشتهر السكان بإعداد اللحم المشوي بالتنور، ونحن نتبع وصايا المغفور له سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في الحفاظ على تراثنا لذا فإننا متواصلون مع ماضينا ونحيي تقاليدنا القديمة في الأعياد والأفراح فنقيم أعراسنا في القرية حسب العادات المعروفة عند أهلنا.
خرجنا من مجلس الأمير نحو قلعة أوحله التي تقترب من حدود سلطنة عمان وتشير الحفريات الأثرية إلى أنها بنيت فوق بقايا مبنى دفاعي محصن يعود تاريخه إلى الألف الأول قبل الميلاد وقد اهتمت حكومة الفجيرة بترميم المبنى التراثي الذي يشكل حلقة مهمة من حلقات تاريخ الإمارات القديم.
استطلاع: دلال جويد

