الخطابة، فن عظيم له تأثيره الخطير على الناس، بما يمكن أن يبثه في النفوس من طاقات تبعث الأمل وتحض على العمل. من هذا المنطلق، فإن الخطيب لابد وأن يكون متابعا جيدا للأحداث الجارية، حتى يتسنى له اعطاء رأي فيها في ضوء ثقافة عامة لا تقتصر على الناحية الدينية فقط، بل تمتد أيضا إلى مختلف التجارب البشرية هنا وهناك.
حول هذا الموضوع يقدم لنا الدكتور محمود محمد عمارة كتابة الجديد: «الخطابة بين النظرية والتطبيق». في البداية يعرف المؤلف الخطابة بأنها مخاطبة الجماهير بطريقة إلقائية، تشتمل على الاقناع والاستمالة، موضحا أن الخطيب يجب أن يملك من شفافية الروح، وذكاء العقل، ما يعينه على تصور دقائق الحياة والأحياء، ورصد الكون بعين باصرة، وبصيرة كاشفة.
وإلى جانب ذلك، فالمفروض أن تكون عنده قدره على تصوير ما وعاه، ونقله إلى غيره كما فهمه ورآه في تعبير قوى مؤثر. لكن الخطيب في ميزان الدعوة لا تنتهي مهمته عند تصوير الواقع كما رآه، ولابد له من خطة أخرى على الطريق، لا تتم مهمته في غيابها.
فمن واجبه أن يستميل الناس إلى ما يدعو إليه - إستمالة تحملهم على الطاعة في حالة الأمر - والإنتهاء عما ينهاهم عنه ليستطيع بحق أن يؤدي دوره في إحداث التغيير المطلوب على مستوى المجتمع الذي يعيش فيه.
أي أن مسؤوليته لا تنتهي بالاقناع العقلي بفائدة الطاعة، وضرر المعصية، فالناس مثله مقتنعون. والأهم من ذلك جذبهم إليه ليستمعوا إستماعا يتوج بالطاعة والامتثال. ويتحدث المؤلف عن أهمية الخطابة مشيرا إلى ثلاثة أمور مهمة في هذا الشأن.
الأمر الأول: «كونها حاجة نفسية»، فالإنسان يولد مستقبلا الحياة بما فيها ومن فيها، وميلاد الإنسان بداية لمراحلة من مراحل الصراع مع نفسه، ثم مع بيئته في محاولة إثبات ذاته. وفي دوامة هذه المعاناة يحاول التعبير عن دوافعه وآلامه وآماله بمختلف الصور: بالفلسفة، أو الشعر بالصورة أو بالحركة، وبالخطابة التي هي أبرز أدوات التعبير جميعا.
وإذا احتاج الإنسان إلى الطعام، فإنه أيضا في حاجة إلى الكلام ليقيم عن طريق التعبير علاقات إجتماعية مع الآخرين، تستمر بها الحياة. ولذلك فالخطابة تهدف أبدا إلى التأثير والإقناع، معبرة عن عقيدة الخطيب ، ورأيه في مشكلات الحياة، تشتد باشتداد الأزمات التي ترتبط إرتباطا جذريا بمصير الجماعة وتقرير مستقبلها.
الأمر الثاني: «ظاهرة من ظواهر المجتمع البشري»، فالإنسان مدني بطبعه لا يعيش وحده، ولابد من جماعة ينتسب إليها، ويتفيأ ظلالها، ويستثمر طاقاته بالتفاعل معها. ومن سنن الله في هذا الاجتماع البشري: الاختلاف قال تعالى في سورة هود: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين».
وقد يكون هذا الاختلاف حول فكرة أو رأي، أو على مال أو متاع دنيوي، أو من أجل منصب. ومن مضاعفات ذلك: محاولة الإنسان إقناع غيره واستمالته، إقناعه عن طريق البرهان، واستمالته بوسيلة الوجدان. وتأخذ الخطابة هنا دورها القيادي، حين يأخذ الفرد موقعه في المعارك الدائرة مهاجما، أو مدافعا عن طريقها.
الأمر الثالث: «سلاح من أسلحة الدعوة» فالخطابة من أهم أسلحة الدعوة التي يحق الله بها الحق ويبطل الباطل. وعندما يكثر المبطلون في الأرض، ويظهر شرهم في البر والبحر ، فإن الخطيب واحد من الذين يتصدون لهذا الشر، كسرا لشوكته مع غيره من رفاق السلاح على طريق الحق.
عن عبد الله بن مسعود - رصي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من نبي بعثه الله في أمة قبله إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدها خلوف، يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.
وينتقل بنا المؤلف إلى الحديث عن «ثقافة الخطابة» مبيناً أن الخطيب لا يمارس وظيفته من فراغ، فلابد من مصادر ثقافية تحيي قلبه، وتمده بثروة من المعاني والحلول اللازمة لمشكلات الفرد والمجتمع، وهي مناهل يغترف منها ليقدمها بدوره شراباً للشاربين، فإذا لم يجدد الخطيب حياته بزاد متجدد من المعرفة يواكب الحياة المتغيرة، فسوف يكرر نفسه دائما، ولن يحس الناس بحاجة إليه، وبالتالي سينصرفون عنه إلى غيره ممن يقدرون الوظيفة قدرها.
إن الخطابة في الإسلام مظهر الحياة المتجددة، الحياة التي تجعل هذا الدين يزحف من قلب إلى قلب، ويبث من فكر إلى فكر، وينتقل مع الزمان جيلا إلى جيل، ومن المكان من قطر إلى قطر.
وهذا هو السر في أن بني الإسلام، كان يخطب كل أسبوع، وكل عيد، ويخطب أو ينيب عنه أميرا يخطب عنه في وفود الحجيج عند جبل الرحمة، وتتفجر ينابيع الخطابة الصحيحة من معاني القرآن وأغراضه، فإن القرآن هو الكتاب الهادئ للأحياء ذو القدرة الفذة على استثارة أفكارهم، واستجاشة مشاعرهم والسمو بهم إلى ما يشاء فلا جرم كانت الخطابة، المستمدة منه وقود نهضة وضياء أمة.
وبعد القرآن الكريم تجيء السنة المطهرة ووقائع التاريخ ثم وقائع الحياة الإنسانية والكونية.
إلى جانب كثير من العلوم التي لابد من الإلمام بها أو إستيعابها ليتمكن الخطيب من تحمل مسؤولية البلاغ بهذا الزاد المستمد من هذه الروافد جميعا فإذا كان الإيمان بالله تعالى أساس بنيانه كله، وكانت الأخلاق الفاضلة سلاحه في معركته مع شياطين الإنس والجن فإن الثقافة الحية والتأمل الواعي في مسار الحياة هو الجانب الفكري إلى جانب الأسلحة الإيمانية.
وفي النهاية يناقش المؤلف قضية «خطيب الورقة»، مؤكداً أن الإنسان إذا توافرت لديه أسباب الكلام واستقر لديه الاستعداد لمواجهة الجمهور في نفسه، كان ذلك ضماناً أكيداً تزحف به الحقائق الإسلامية من قلب إلى قلب، لأن القاعدة أنه: لا يؤثر إلا المتأثر.
القاهرة ـ مصطفى علي محمود
