لم تكن دبي حتى وهي في عزلتها التاريخية التي شهدتها أبان عصر الاستعمار البريطاني منعزلة ومقطوعة التواصل مع محيطها العربي والإسلامي الكبير. بل على النقيض، فقد كانت دبي تشعر على الدوام بأنها يجب أن تكون على تواصل مع أحداث العالم العربي ومجريات الأمور في العالم الإسلامي.
فقد ظهرت في دبي نخبة مثقفة من أبنائها أدركت أن التواصل مع العالم العربي هو حق فرضه التاريخ والجغرافيا. ففي العقود الأولى من القرن العشرين ومع تحسن سبل المواصلات من وإلى دبي، بدأت بعض الصحف والمجلات العربية تفد إلى دبي بانتظام. فكانت الهلال والأهرام والعروة الوثقى من المطبوعات التي عرفتها الطبقة المثقفة في دبي وأثرت على الفكر العام فيها.
كان أبناء دبي من المثقفين من أمثال أحمد سلطان بن سليم ومانع بن راشد وغيرهم من اشد المتحمسين للقضايا العربية والإسلامية وكانت اشتراكاتهم في هذه المطبوعات عاملا حاسما في التغيير الفكري الذي شهدته دبي لاحقا. فعلى الرغم من العزلة التي فرضتها بريطانيا على الإمارات إلا أن دبي استطاعت أن تكسر هذا الطوق الحديدي وأن تساهم بحماس في القضايا الإسلامية والعربية.
فمثلا تورد الكتب التاريخية ذلك الحماس الذي أبداه الأهالي أبان الحرب العالمية الأولى لجمع تبرعات للدولة العثمانية بوصفها دولة الخلافة في حربها مع الحلفاء. فقد استطاع أهالي دبي جمع حوالي 14 ألف روبية هندية لإرسالها إلى استنبول كمساعدة من قبل تجار دبي في الحرب حيث تم جمع غالبية هذا المبلغ في المساجد. ان هذا المبلغ ، على الرغم من كونه ضئيلا إلا أنه يدل على حقيقة واضحة ألا وهي رغبة أهالي دبي الأكيدة في التواصل مع قضايا العالم العربي والإسلامي المحيط بهم رغم الظروف السياسية التي عزلت دبي والإمارات لفترة ليست بالقليلة من تاريخها.
منذ بداياته كان التعليم هو الرابط الذي كان يشد دبي للعالم العربي. فمنذ ظهور المدارس التقليدية والتي مولها وافتتحها تجار اللؤلؤ (كالمدرسة الأحمدية التي مولها التاجر أحمد بن دلموك) إلى المدارس شبه النظامية التي ظهرت في فترة الأربعينات (كالمدرسة الأهلية) وانتهاء بالتعليم الحديث الذي عرفته الإمارات في مطلع الخمسينيات كان التعليم هو حلقة الوصل بين دبي والدول العربية النابضة بالحياة والحركة والحراك السياسي.
فمن مصر إلى الأردن وسوريا مرورا بالعراق كانت هذه الدول هي المفتاح الذي فتح آفاقاً جديدة لشباب دبي، ومن هذه الدول جاء المدرسون ودخلت إلى الإمارة أنماط فكرية وحضارية جديدة. ومع بدء التعليم وافتتاح المدارس بدأت جاليات عربية تفد إلى دبي حاملة معها نمط تفكيرها ومؤثرة إيجابا على المتغيرات الفكرية في منطقة الإمارات بأسرها. وهكذا بدأت بذور اليقظة الفكرية التي شهدتها هذه الدول في التأثير على دبي وسكانها.
لم يكن هذا التأثير قاصرا على الشعب بل أن الروايات التاريخية تحكي لنا ذلك التلاحم بين الطبقة الحاكمة وبين الشعب في سبيل إنشاء المدارس ونشر التعليم. ومن مظاهر هذا التلاحم كان إنشاء مدرسة الشعب. فقد اقترح الأستاذ زهدي الخطيب، وهو من أوائل المدرسين الفلسطينيين الذين جاؤوا إلى الإمارات، ومشرف التعليم في دبي على الشيخ راشد رحمه الله أن يتم بناء مدرسة جديدة للبنين تساعد في استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب الذين كانت مدارسهم قديمة ومتهالكة. وفي الحال رحب الشيخ راشد بالفكرة ووزعت النشرات في كل أحياء دبي.
وخلال اجتماع حاشد لسكان المدينة تم جمع حوالي 190 ألف روبية خلال ساعة ونصف. وكوسيلة من أظهار تقديره لأبناء شعبه، قام الشيخ راشد بتقديم تبرع شخصي منه بقيمة 40 ألف روبية وهكذا تم بناء المدرسة لتكون رافداً تعليمياً وتنويرياً في إمارة دبي. ولم تتوقف لفتات الشيخ راشد الخيرة على التعليم في الإمارة بل قام بالتبرع بسكنه الخاص ليصبح مدرسة ابتدائية عرفت بالمدرسة السعيدية نسبة لوالده الشيخ سعيد بن مكتوم الذي بنى ذلك القصر.
كان دخول التعليم إلى دبي شاهدا على بدء مرحلة جديدة من التغيير على سلوكيات وأنماط التفكير الموجود في المنطقة بأسرها. فقد بدا واضحا أن التعليم سوف يؤثر على نمط التفكير السائد بين الأجيال الجديدة ولكنه كان يحتاج لفترة زمنية طويلة كي يبدأ في التأثير على نمط تفكير الأجيال القديمة خاصة وأن أحوال دبي الاقتصادية لم تكن قد تحسنت بعد. فكان الكثير من الأهالي يفضلون أن يعمل أولادهم معهم على أن يذهبوا إلى المدارس.
ولكن الشيخ راشد ضرب مثلا كبيرا على نبذ هذا النوع من التفكير عندما قام هو شخصيا بإدخال أولاده إلى المدارس بل وشجعهم على الانخراط في النشاط الرياضي والاجتماعي. ففي نهاية العام الدراسي 1959/1960 مثلا، أقيم أول مهرجان رياضي لطلبة دبي شارك فيه اثنان من أولاد الشيخ راشد بن سعيد هما الشيخ حمدان ، قائدا لفرقة الكشافة، والشيخ محمد بن راشد قائدا لفريق الجمباز. وهكذا بدأت بذور التعليم تزهر ثمرات خيرة انعكست على تقدم دبي الحضاري والثقافي.
لم تكن دبي رائدة في مجال التعليم الذكوري والتقني فقط بل سرعان ما أصبحت رائدة أيضا في مجال تعليم الفتاة. ولم يكن إقناع الأهالي بتعليم الفتاة أمرا سهلا. فقد خاض الأستاذ زهدي الخطيب صراعا عنيفا من أجل إقرار مسألة تعليم الفتاة. فبعد اجتماع عاصف بين المسؤولين عن التعليم وأهالي دبي استمر منذ المساء وحتى الرابعة صباحا استطاع زهدي الخطيب المشرف على التعليم من قبل معارف الكويت، إقناع الحاضرين بأن تعليم الفتاة لا يتعارض مع تعاليم الدين.
ووافق الشيخ راشد في الحال على فتح مدرستين للبنات الخنساء في ديرة وخولة بنت الأزور في دبي. وهكذا اتخذت كافة الترتيبات ليوم الافتتاح. إلا أن الدعاية المضادة من جبهة الرافضين سرعان ما حولت ذلك الافتتاح في خريف 1959 إلى يوم كئيب لم تحضره سوى سبع طالبات فقط.
وكاد تعليم الفتاة أن يتراجع تحت وطأة الضغوط الاجتماعية، فقد استمرت المقاطعة شهرا كاملا. وهنا تدخل الشيخ راشد شخصيا لحسم الأمر. فقد قرر كخطوة لتشجيع الأهالي على إرسال بناتهم إلى المدارس، أن يبدأ هو بإرسال ابنته. وما أن اتخذ الشيخ راشد هذه الخطوة حتى بادر الأهالي بإرسال بناتهم وبدأ، على حد قول أحد المراقبين «السيل العرم» في التدفق. فقد تدفقت الطالبات على المدرستين حتى وصل عددهن إلى 315 طالبة واكتظت الفصول بأكثر من 95 طالبة للفصل الواحد. وكان منظرا عاديا أن تجلس طالبتان على كرسي واحد.
ولمواجهة الإقبال الهائل من قبل الفتيات على التعليم اضطر المسؤولون عن التعليم في عام 1965 إلى افتتاح أعداد كبيرة من الفصول يضم كل منها حوالي 50 طالبة. ولكن هذا التوسع الكبير في أعداد الفصول لم يكن كافيا لمواجهة الطلب المتزايد من قبل الفتيات على الانخراط في التعليم. فقد أضطر المسؤولون أن يرفضوا طلب انضمام أكثر من 150 طالبة لعدم وجود أماكن خالية لهن.
كانت مهمة تعليم هذا العدد الهائل مهمة شاقة. فالأعداد المتزايدة من الطالبات تطلبت فصولاً أضافية كانت المباني المدرسية الموجودة آنذاك عاجزة عن استيعابها. لذا فقد استخدمت بعض غرف الإدارة وغرف الرسم والنشاط المدرسي كفصول دراسية مؤقتة. بالإضافة لذلك فقد تطلبت الفصول الجديدة أعداداً اضافية من المدرسين والإداريين والذين كانوا في الواقع يجلبون من الخارج. فقد كانت المدرسات يأتين على نفقة حكومات الكويت ومصر وقطر وكان على حكومة دبي أن تؤمن لهن المسكن الملائم.
واجه تعليم الفتاة مجموعة من المواقف الطريفة تمثل احدها في كون نسبة كبيرة من الطالبات قد جئن من بيئة غير عربية. فقد كانت نسبة الطالبات العربيات حوالي 25% إما البقية الكبيرة من الطالبات فهن بنات الجاليات القادمات من الهند وإيران وباكستان وزنجبار ومعظمهن لا يتكلمن اللغة العربية مما يجعل من تعليمهن على أيدي مدرسات عرب أمرا غاية في الصعوبة. وعلى الرغم من هذه العقبة إلا أن الطالبات الوافدات أظهرن رغبة قوية في التعليم وفي تعلم اللغة العربية والتي تؤهلهن للانخراط في مجتمع دبي.
كما واجه تعليم الفتاة مشكلة أخرى تمثلت في توفير وسائل المواصلات لنقل الفتيات من وإلى المدارس. فقد اضطرت الإدارة التعليمية إلى استخدام السيارات المكشوفة «البيك أب» والتي قد تعرض راكبيها للغبار والشمس والأخطار، كوسيلة نقل للطالبات. وعلى الرغم من هذه العقبات إلا أن تعليم الفتاة واصل صعوده ليصبح في الأعوام 1970/1971 علامة بارزة في تاريخ دبي.
ترصدها: د. فاطمة الصايغ

