رغم ان بيرترام توماس كان في جولة طاف بها أرجاء عمان برفقة سلطان البلاد، ورغم وجوده ضمن الحاشية، فقد كان يتحدث في كتاب له عن المخاطر التي يمكن ان يتعرض لها الرحالة الغربي تحت عنوان «مخاطر الاستكشاف في الجزيرة العربية».. فأي مخاطر يتحدث عنها توماس .. هنا قراءة نقدية فيما زعم.

لدينا هنا نقطة جديرة بالاهتمام وهي ما دونه المسؤول الغربي من كتابات، و(لدينا هنا مثال عنها وهو توماس ووضعه كمسؤول) فمن جملة المخاطر، أن بعض الرحالة أموّا الشرق لملء مركز إداري، لذا فهم يحدثوننا عن الشرق كمسؤولين، فهذا النوع من الرحالة لم يروا في الحقيقة من وجه الشرق سوى حلي وجواهر الطبقة الغنية، والاحتفالات والاستقبالات الرسمية، والجولات المشمولة بحماية ودعم المسؤولين إن لم تكن بمعيتهم.

والغريب أن توماس الذي كان مستشاراً خاصاً للسلطان كتب كتاباً عنوانه (مخاطر الاستكشاف في الجزيرة العربية) وهو عبارة عن وصف لـ «رحلة شاقة مع جلالة السلطان» وقد كتب مقدمته أي.تي. ويلسون عام 1931.

حيث يُذكّر بأن «مؤلف هذا الكتاب هو أحد المسؤولين السياسيين في منطقة الرافدين خلال الحرب العالمية الأولى، وبعدها قبل اختياره ليصبح مسؤولاً عن الإشراف المالي لسلطنة عمان، وأعتقد أنه أول إنجليزي يحتفظ بوضعه كمسؤول في دولة عربية مستقلة، فقد حصل على الثقة من السلطان السيد تيمور بن فيصل، وكانت علاقاته قوية مع رؤساء القبائل العربية في ساحل عمان» على حد زعم المقدم.

ومع أنه ـ أي توماس ـ كان برفقة سلطان البلاد في هذه الرحلة إلا أنه عنون كتابه بذلك العنوان الغريب!

والذي يبدو أنه كان عنواناً جذاباً بالنسبة للقارئ الأوروبي في الثلاثينات بينما صدرت ترجمته العربية سنه 1981، إلا أنه وبلا شك لا يعبر عن حقيقة ما كانت عليه الرحلة وما تمتع به المؤلف سواء من وضعه كمسؤول أو من حماية في رفقته لسلطان البلاد. ولا أدري في الحقيقة لأي مخاطر يمكن أن يتعرض، أو تعرضّ لها في رحلة مثل هذه ليتكلم عنها. ومع ذلك فهذا لا يمنع من إلقاء نظرة على هذه الرحلة».

قُسّم الكتاب إلى ثلاثة أقسام، يحوي القسم الأول منها خمسة فصول، وهي: رحلة شاقة مع جلالة السلطان في الباطنة الشرقية، رحلة مع جلالة السلطان في الباطنة الغربية، رحلة بالجمال عبر شبه الجزيرة العربية، رحلة مع جلالة السلطان عبر الشميلية، وأخيراً رحلة العودة. أما القسم الثاني فنجد فيه: المغامرة ـ طبول الحرب في مسندم.

القسم الأول: المخاطر. أما في القسم الثالث والأخير فنجد: المغامرة الثانية صفحات من يومياتي.

الفصل الأول: الربع الخالي، الفصل الثاني: المغامرة الثانية مع بني علي، الفصل الثالث: أراضي الحدود الجنوبية، وفي الفصل الرابع: الجراد وكلاب البحر، الفصل الخامس فعنونه ب: الداخل المجهول، الفصل السادس عنوانه: قائد الطراد آل سعيد، والفصل السابع:في أراضي الشحوح، أما الفصل الثامن فجاء تحت عنوان: قائمة المظالم، والفصل التاسع والأخير من الرحلة فعنونه ب: قصف بحري. يشمل الكتاب وصف رحلتين قام بهما المؤلف، الأولى كانت عند جنوب شرقي حدود الربع الخالي، بالقرب من رأس الحد، حتى ظفار.

والثانية: من ظفار إلى مسافة مئتي ميل من الداخل وتغطي هاتان الرحلتان أكبر جزء تم استكشافه في أي منطقة من العالم (في فترة الثلاثينات من القرن الماضي ) كما جاء في مقدمة الكتاب. ويبدو أن توماس قد كتب كتابه هذا قبل قيامه برحلته عبر الربع الخالي، أو أثناء فترة الاستعداد والتحضير لرحلة الاجتياز.

فقد قام بنشر الدراسات التمهيدية عن القبائل التي قابلها في رحلته الأولى التمهيدية هذه. كما نشر كذلك بعض الدراسات الخاصة باللغة التي يتحدثها أهالي شبه جزيرة مسندم، لمعرفته الكبرى بذلك المكان كما جاء في المقدمة.

والكتاب رغم أن عنوانه يتحدث عن «المخاطر» ليتوقع القارئ الغربي الذي كتب من أجله بلا شك (هول هذه المخاطر) فإننا نجد عبارات كثيرة وفي أكثر من صفحة من صفحات الكتاب الذي لا تزيد عدد صفحاته على (150) صفحة بطبعته العربية، عبارات (من ضمنها ثلاث صفحات للمقدمة التي كتبها ويلسون ) لا توحي أبداً بأنه قد تعرض إلى أي مخاطر ليتحدث عنها، فنجد عبارات مثل.

«...وفي تلك الحجرة جلسنا، السلطان وأنا والعرب نتبادل أطراف الحديث لفترة طويلة....»، «وعند الظهر، جاء الخادم ليعلن عن الغداء، فنزلنا وكان هناك بعض الشيوخ الزائرين، وأكل الجميع بعد أن قال جلالة السلطان: بسم الله».

«...وساحل الباطنة ساحل رملي ممتد لامع، وبه صخور هنا وهناك، ثم حدائق النخيل، وهي إحدى أكبر حدائق النخيل الثلاثة في العالم، وهي تقع بموازاة الشاطئ، لمسافة مئة وخمسين ميلاً، ولها عمق من ثلاثة إلى أربعة أميال في بعض المناطق، وسهل الباطنة عظيم، متسع، تنتشر فيه حدائق النخيل حتى الجبال، وفي الوادي كذلك أشجار السنط، وتوجد في السهل كذلك الجمال والغزلان. ولقد كانت رحلتي هذه مع جلالة السلطان ممتعة للغاية، حيث الشواطئ الذهبية، وكذلك بعض الموانئ العربية الصغيرة القديمة التي ارتبطت بالسندباد البحري .....».

وكأي مسؤول لا يرى من الشرق سوى الوجه السياسي، فقد اهتم اهتماماً كبيراً بمراسم الاستقبالات الرسمية واحتفالات القبائل بمقدم الموكب المرافق للسلطان، وكان بالطبع توماس من ضمن أبرز رجال الحاشية باعتباره مسؤولاً بريطانياً أولاً ويمثل «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس» و بصفته مستشاراً خاصاً لسلطان البلاد. يصف وصول الموكب إلى بلدة السيب

«السيب بلدة مهمة يأتيها السكان من العاصمة في شهر الصيف، والحياة فيها بسيطة. ثم بدأنا التجول في القرية ـ يقصد موكب السلطان ـ مارين بمجموعات من البدو، نتلقى التحيات منهم....».

«... وفي النهاية وصلنا وادي المنّومة المميز الذي تحيط به أشجار النخيل، ويطل على البحر، بقينا هنا حتى المساء، وبعد أن أدى جلالة السلطان وحاشيته الصلاة حضر العشاء وكان لحماً مشوياً. ولكني فضلت كوباً من اللبن لأني لم أكن أستطيع الانتظار حتى ينضج الطعام». وصولاً إلى ولاية بركا.

«وفي بركا تتناثر الأودية الصغيرة والعميقة، ولذلك أسباب تاريخية.وتعتبر بركا المركز الرئيسي لمنطقة الباطنة. وكان والي بركا مع بعض الشيوخ يقفون في الانتظار لاستقبال جلالة السلطان وتأدية التحية لموكبه» ثم يصف مدينة المصنعة ومظاهر الترحيب «وعندما اقتربنا من المدينة القديمة المصنعة انطلقت المدافع للترحيب، وكانت صفحة السماء رائعة بالقمر الساطع، وكانت هناك كأنها مرايا من الفضة، تمثلها قنوات الماء ومياه البحر الممتد، التي كان القمر يسطع على صفحتها، وكان مشهداً رائعاً أن نرى النجوم وهي تنتقل من مجرى لآخر، ومن بركة إلى بركة، من خلال صفحة الماء التي تنعكس عليها تلك الأنوار.

جلسنا نتناول الطعام بجوار حصن المصنعة، بينما كنا نتحادث أثناء الطعام قال جلالة السلطان: لقد غّير الزمن قيمة كل الأشياء، حقيقة لقد كان الوقت مناسباً للمناقشات والكلام، ولكن الأحاديث توقفت فترة قصيرة، عندما وصل ثلاثة رجال من قبيلة العوامر. وكان هذا يحدث يومياً، بمجرد سماعهم عن وصول جلالة السلطان، فيأتون للتحية».

وبعد أن يتحدث عن فصل الغوص في البحر بحثاً عن اللؤلؤ، يكمل القول وبنفس تلك النبرة، نبرة المسؤول السياسي المرافق لموكب السلطان وكأحد أفراد الحاشية «وجلس جلالة السلطان ورفاقه معي على الشاطئ. وقضيت ساعة في قراءة كتاب لرحالة اسمه «بلجريف» وهو إنجليزي، من أصل يهودي، ثم حل الظلام، فتوقفت عن القراءة، وأنا أشعر أن بلجريف هذا هو أحسن رحالة ظهر في الجزيرة العربية، وهو أروع من كتب في أدب الرحلات عنها.

وأمضينا تلك الليلة في استرخاء تام على الشاطئ، نستمع إلى بعض الغناء، ونشاهد الرقصات التي كان بعض العبيد والبدو يؤدونها، كما تبادلت مع جلالة السلطان بعض الفكاهات، وسمعنا أصوات الجياد تملأ الهواء، وطلقات المدافع من فوق الحصن تبعث بتحياتها إلينا».

ومعظم صفحات الكتاب تصف تلك العلاقة الوطيدة والشخصية بين المؤلف وسلطان البلاد، وتدوين ليوميات الرحلة، ووصف للمناظر الطبيعية التي يمر بها الموكب، ومظاهر الاحتفالات والولاء التي يبديها البدو من خلال «الزغاريد التي تأتي مع موكب للجمال جاء للتحية»، وبعد صلاة العشاء «الجلوس للاستماع إلى الشعراء الذين كانوا يلقون القصائد» وعادة ما كانت «المدافع تطلق تحياتها» عند اقتراب الموكب من الحصون والقلاع، ومنظر «اصطفاف مجموعات من الشيوخ والشخصيات البارزة للتحية» يتكرر بين فقرة وأخرى.

وربما المخاطر التي عناها المؤلف يمكن أن نستخلصها من هذه الحادثة التي حدثت له عندما خطط للقيام برحلة بالجمال عبر شبه الجزيرة، وربما كانت تلك التحركات مجرد (تمرينات) لرحلته التي اجتاز فيها رمال الربع الخالي بمساعدة بدو المنطقة فيما بعد:

«قادتني مطيتي إلى ما وراء عمان، حيث هذا المنظر البهيج الذي نراه، كما قادتني إلى قوافل أصدقائي القدامى، رجال بني كعب والمقابيل، الذين يتركون الشاطئ الآن متجهين إلى حدائق النخيل في صحار. وصحبني قائد السفينة ه. م. س. لويان من مسقط إلى حيث تمنى لي حظاً سعيداً، ثم ودعني قبل أن ينطلق إلى البحر. وفي الطريق أمامنا رأينا آثار برسي كوكس، وصمويل زويمر، مما يشهد على أن الرجل الأبيض قد قام برحلات إلى هنا من قبل».

وجاءني شيخ عجوز يحمل رسالة، و أمسكني من ذراعي ثم قال لي:« اقرأ هذه» وتقول الرسالة: «بعد السلام ورحمة الله وبركاته، لقد عاد أخي لتوه وأبلغني بالمعاملة الحسنة التي لقيها عندكم، وإنني آمل أنكم لن تضروا المسلمين، وإنما ستعملون ما يرضي الله ويرضيهم، ومن المحتمل أن يأتيكم بعض النصارى يطلبون أن تقوموا لهم ببعض الأعمال التي قد يكون لها عواقب وخيمة عليكم وعلينا. ولابد من رفض أي عميل، حفاظاً على كرامة العرب، وآمل أن لا يخدعنكم متاع الدنيا لأنها فانية. وهناك قول عربي مأثور هو : النار ولا العار».

ويبدو أن هذه الرسالة التحذيرية هي التي أثارت مخاوفه هو شخصياً، وأحس بأنه ـ ومهما كان موقعه ومركزه السياسي ـ فهو يبقى شخصاً غير مرغوب فيه، لذلك نراه يعلق على ما قرأه بالقول: «لقد قرأت الرسالة، ثم أعدتها إلى الشيخ، وقد أدخلت الرسالة الحزن إلى قلبي، حيث أنى كنت أعتقد أن الطريق إلى الداخل سيكون مفروشاً بالزهور، فالكرم العربي يُضرب به المثل في الحقيقة، ولكن ليس في هذه المنطقة النائية من شبه الجزيرة العربية». أي أنه عدّ إنسان هذه المناطق متوحشاً، لا يرحب بالغريب، وبعيد عن المدينة والتحضر.

«فالإنسان يخاف هنا، وهو يرتعب ويشعر بالخطر كذلك، والبدوي الذي يفاجأ بوصول الأجنبي الغريب يعتبر ذلك بشرى غير سعيدة»، ولم يذكر بالطبع بأن هذا البدوي البسيط لا يثق به ولا بأمثاله. لأنه لا يتوقع منه الخير أو على الأقل لا يتوقع منه أن ينظر إليه نظرة منصفة نوعاً ما أو يفيده بشيء لذلك يطلق تحذيره الواضح لكل من يفكر في الغرب من الوصول إلى هذه المناطق: «على المسافر هنا أن يكون مستعداً لكل طارئ».

تتكرر بعد هذه الرسالة، المشاهد التحذيرية لتتغلغل في مخيلة القارئ الغربي، ويمكن أن نورد عدداً منها هنا ثم لنا تعليق عليها فيما بعد:

«تمكنت من اللحاق بالموكب عند برج الشخيري، حيث يوجد حصن داخل الوادي، الذي يحدد حدود مسقط. وفيما وراء هذه النقطة فأني أعتبر دخيلاً أو متطفلاً، حتى هنا سمعت دمدمة دلت على أن الاستقبال لم يكن مشجعاً، وأن بعض الطلقات قد مرت فوق رؤوس بعض رفاقنا، لدرجة أنهم ترجلوا، اعتقاداً منهم بأن الحيطة خير من الشجاعة. وهنا صاح رفيقي: سيدي، لا يمكن أن نواصل الرحلة، فمنطقة الوادي محفوفة بالمخاطر، ثم فتح رسالة من شيخ قبيلة الشوامس التي ينتشر أفرادها عبر الوادي، وهكذا أصدر الشيخ حمدان أمراً يمنعنا من التقدم بدون موافقته».

وقد تعرض ثيسجر هو أيضاً لمثل هذه المواقف على يد بن خرس شيخ قبيلة الدروع. فحين يذكر توماس أو ثيسجر هذه المواقف للقارئ الغربي يوردها على أنها أمثلة على تصلّب، وتشدد، وتقوقع، ويمكن أن نضيف اليوم وصف (تطرف) هذا البدوي، أو بالأحرى (الآخر /المسلم)، وسبق أن ذكرنا أن الاعتزاز بالنفس عند البدوي يُعد تطرفاً لديهم.

خاصة وإنهم يعدّون أنفسهم في مرتبة أعلى فهم من (الأسياد) بنظرهم على هؤلاء الرعاع. بحكم مركزيهما ومع ذلك لا يلقيان الترحيب من قبل البعض وهذا ما لم يكن يتوقعانه، وعدم الترحيب بهما لم يكن قولاً بل وفعلاً وهذا ما أثار مخاوفهما، وهنا يكمل توماس ما حصل معه:

«وفي اليوم التالي استأنفنا الرحلة، فوصلنا إلى واد ضيق، يسمى وادي شماس، وكانت تلك المنطقة أشبه بالكمين الطبيعي. وفجأة توقف ركبنا، وسمعنا صيحات أمامنا، ورأينا رجال الشيخ حمدان يهرولون إلينا حاملين بنادقهم، وارتقوا أحد المرتفعات، مصوبين بنادقهم علينا، وقد مرت فترة من التخبط والفوضى على المكان».

إننا نشم هنا من أسلوب توماس، وبعده ثيسجر (حيث سنستعرض مواقف مماثلة حصلت معه في رحلته)، رائحة منبعثة من «عرقية أوربية ـ كاثوليكية Europeocentrisme» طالما ميزت كتابات الأكثرية الساحقة من الرحالة الغربيين الأوائل، رحالة القرن السادس عشر، الذين يمكن وصفهم بنوع من الصليبيين المتأخرين، الذين كانوا يسافرون ضمن «عالم مغلق» في زمن كانت فيه الإمبراطورية العثمانية تدق أبواب أوروبا الكاثوليكية».

«ويعتبر الجبل واحداً من تلك القرى التي قد أدهشتها مجيئنا، وطالب شيوخها بمقابلة معنا في الحال، ولكن الوقت كان متأخراً، وكنت متعباً للغاية، وكان لي معهم حديث في الصباح، حيث وصلت تعليمات للجبل من شيخ النعيم في البريمي لمنعي، وكان القرويون طيبين معي، ولم اكن أنوي البقاء هنا، فعند طلوع الفجر خرجت إلى الوادي الرئيسي، إلى وادي عبيلة، حيث اضطررت إلى إقامة معسكر، لأن السكان وقفوا التقدم، خوفاً من أتباع شيخ النعيم، إلا بعد أن يرسلوا لدعوتنا، وأصبحوا الآن قليلي الصبر».

تأليف: عمار السنجري