تصاعدت ظاهرة الشيخ امام ـ نجم خصوصا بعد حفلة نقابة الصحافيين عام 1968 وحينها عرض عليهم محمد عروق مدير اذاعة صوت العرب في ذلك الوقت أن يغنوا في برنامج خاص بإذاعة صوت العرب. ورفض الشيخ والأصدقاء اعتقادا أن تلك رشوة للكف عن الغناء اللاذع الناقد للوضع القائم.
وأصر الشيخ إمام على الغناء لايقاظ مصرودعوتها للنهوض:
اصحي يا مصر
اصحي يا مصر
اصحي يا مصر
هزي هلالك
هاتي النصر
كوني يا مصر وعيشي يا مصر
مدي اديكي
وطولي العصر
اصحي وكوني وعيشي يا مصر
اصحى يا عامل مصر يا مجدع
وافهم دورك
ف الوردية
مهما بتتعب
مهما بتصنع
تعبك رايح
للحرامية
جهدك عملك
رزق عيالك
عرقك مرقك
ولا يهنا لك
اصحى يا عامل
غير حالك
صون المصنع
واصنع مصر
اصحي وكوني وعيشي يا مصر
اصحي يا زارع مصر الخضرة
قدرة وخضرة
ونور وجمال
ابدر غيطك
واحمي البذرة
ضد الآفة
والاستغلال
ارضك عرضك
باب الدار
صبحوا مداسه
للسمسار
نعطش
ولانشربش عكار
وصفة قالوها الحكما يامصر
اصحي وكوني وعيشي يا مصر
واصحى يا جندي
يا تار الشهدا
عمي وخالك
اختي واخوك
لجل ما تهدا وتارك يهدا
فرغ نارك ف اللي خانوك
يابن الشعب يا حامي الشعب
انت املنا فى يوم الصعب
اصحى يا جندى ودق الكعب
حرر مصر وطهر مصر
اصحي وكوني وعيشي يا مصر
وفي الحقبة الساداتية والتحامه بأحداث الطلبة في جميع محطاتها.. مظاهرات الكعكة الحجرية عام 1972 وعام الحسم 73 ومظاهرات 75 ومظاهرات انتفاضة 1977.
* قصة اليسار
وعن قصة الشيخ امام مع الشيوعية واليسار فقد كان ينفي أنه اعتنق هذا الفكر أو حتى فكر في اعتناقه يوما وأن كل ما يربطه بهذا الاتجاه هو وحدة الهدف.
وفي المعتقل كان الجنود والضباط يستمعون خلسة الى الشيخ امام وهو يغني وكان التحقيق معه يدور في الجزء الأكبر منه حول مغزى ما يقوله وكانت شهادته وأقواله غناء.
بجوار الأزهر الشريف وعلى امتداد ساحته العريقة يقع حي الغورية واحد من الأحياء القديمة للقاهرة، و«حوش قدم» حارة ضيقة تصل اليها مخترقا صفوف عربات اليد الصغيرة تحمل نماذج من انتاج خان الخليلي وتفوح من الحوانيت المصفوفة على الجانبين رائحة البخور والعطور الشرقية.
في حوش قدم يعيش شاعرومغني ورسام في بيت قديم متآكل. الشيخ إمام عيسى وأحمد فؤاد نجم، وفي غرفة صغيرة في الدور العلوي يسهر الشيخ كل ليلة وفوقه صورتان احداهما لجيفارا والأخرى «لأبي علي إياد» رسمهما مرافقه وصديقه محمد علي، وفي هذه الغرفة يجتمع دائما عدد كبير من مثقفي مصر شبابا وشيوخا وعلى اختلاف اهتماماتهم وأعمالهم يجمعهم شيء واحد هو حلم التغيير والتوق الى الخلاص وقد صاغ كل من الشاعر والشيخ الحلم والتوق معا وأضافا أنهما قدما بالفن البسيط حلولا كانت حصيلة رحلة طويلة قطعها كل على حدة في البداية ثم التقيا ليواصلا معا طريقا لا يحده الزمن ولا الموت.
ومن خلال الجوع والتشريد والسجون والمعتقلات خرجت الكلمات والأنغام متكاملة تماما مع المواقف العملية. وفي احدى الروايات يحكي الشيخ امام قصة اعتقالهم عام 1969 وحبسهم انفرادي ووساطة ياسر عرفات للافراج عنهما عند عبدالناصر الذي يرفض وقال ـ حسب رواية إمام في مذكرات ـ أنهما لن يريا النور طوال حياته.
لكن الأستاذ رجاء النقاش في شهادته عن هذه الرواية يقول إن سبب الاعتقال ليس صدامية أغاني الشيخ مع السلطة ـ بل لأن عبدالناصر استمع للأغنية التي غناها الشيخ عن سيناء فغلى دمه عندما سمع عبارة: يا محلا رجعة ضباطنا من خط النار.. على أية حال ـ يمضي الشيخ في رواية مذكراته من سجن الى سجن.. ومن صدام إلى صدام..
كانت أهمية المذكرات التي كتبها الشيخ امام قبل وفاته أنها جاءت في وقت تم فيه زف الحالة الثورية من عالم الواقع الى عالم الذكرى ـ بحيث بدت هذه المذكرات وكأنها مخطوطة قادمة من عالم بعيد.
كما أنها كشفت أيضا عن كيفية تفكيك قصة المغني والشاعر السياسي.. من الحالة الثورية الحالمة والرومانسية الى أشخاص من لحم ودم.. لهما خصامتهما وخلافاتهما وأكاذيبهما ومبالغاتهما ـ بعد أن عرف من قبل كخطاب حماسي ضد الامبريالية وضد مناضلين آخر زمن في العوامات ولم يصل لأسماعهما أن جيفارا مات.
ومع ذلك تظل «الظاهرة» رغم ملابسات كثيرة أحاطت بها مثل جملة اعتراضية استثنائية في حياة جيل عربي كامل ومثل طيف جميل حط في الذاكرة ولا يبارحها ابدا.
بقي أن نذكر أن امام ونجم وفي فترات أخري انضمت اليهما عزة بلبع سطروا للضمير الشعبي أهم أغاني مرحلة الرفض الثوري ومنهارجعوا التلامذة وبقرة حاحا، الاولة بلدي، رسالة إلى الحدود، كلام عن الكلام والخواجة الأمريكاني، اليويو، قيدوا شمعةالمرجيحة، شال الهوى وغنوة للسلام، كلب الست وفاليري جيسكار ديستان وأبوك السقا مات ، ساتياجراهاو غنوة لفلسطين ويعيش أهل بلدي وجيفارا مات واتجمعوا العشاق غمرت موسيقى وأغاني الشيخ امام أوروبا «فرنسا وايرلندا وانجلترا وهولندا» والعديد من المهرجانات الاقليمية والدولية الا وطنه مصر.
حتى مات الشيخ امام عيسى في حجرة تحت الأرض في حوش قدم في يوم 7 يونيو 1995، لقد عاش الشيخ امام فقيرا ومات تحت خط الفقر!.
عادل السنهوري