الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين وبعد. فإن الله أنشأ خلقه لإظهار ربوبيته، ولبروز آثار قدرته وتدبير حكمته، يقول جل وعلا: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون».
فحكمة خلق البشر عبادة الخالق، ولا تكون العبادة خالصة له إلا بطاعته والامتثال لأوامره واجتناب نواهيه، وهو المقصود من إنزال الكتب السماوية التي كان خاتمتها القرآن الكريم، قال عز من قائل: «وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون».
فالديانات كلها تحث الإنسان على الأخلاق وفضائل الأعمال، والرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ أعلى رتبة من رتب الكمال الإنساني بأخلاقه السامية حتى استحق مدح الله تعالى بقوله: «وإنك لعلى خلق عظيم»، وقد عمل أصحابه بهذه الآداب فارتقوا وفتحوا العالم ونشروا مبادئ الإسلام في أرجاء الكون بما اتسموا به من أخلاق عالية وصفات راقية.
ويشكل العمل بالأحكام الشرعية الحد الأدنى من هذه الأخلاق، هذا الحد لا يمكن التهاون به والتسامح في تركه، وبلوغ هذا الحد يؤسس لقيام عملية تكامل في النفس البشرية، التي تتوق إلى الكمال والفضيلة بفطرتها التي فطرها الله عليها، رغبة في الوصول إلى مقام العبودية والخلافة في الأرض، ونيل الأجر الجزيل والثواب العظيم.
وعملية التكامل التي ننشدها لا يمكن لها أن تنطلق في طريقها الصحيح إلا من خلال تهذيب النفس ومجاهدتها، وهو الجهاد الأكبر كما عبر عن ذلك خير البشر، وقال: أفضل الجهاد جهاد النفس، وقال صلى الله عليه وسلم: المجاهد من جاهد نفسه في الله، وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس عدوك الذي إذا قتلك أدخلك الجنة وإذا قتلته كان نوراً لك، وإنما أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك.
وجهاد النفس كما قال السلف: حملها على اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، وقال بعضهم: أصل مجاهدة النفس فطمها عن المألوفات وحملها على غير هواها، وللنفس صفتان، انهماك في الشهوات وامتناع عن الطاعات. وكما أشرنا سابقاً أن أول مراتب هذه المجاهدة العمل بالأحكام الشرعية، ثم تتلوها مراتب عديدة، منها الصبر، التوكل، الخوف، الرضا، الزهد في الدنيا، إلى غير ذلك.
وفي هذه الموضوعات صنف أسلافنا التصانيف العديدة التي جمع فيها واضعوها ذخيرة أدبية ذات طابع خلقي، اقتبسوها من القرآن الكريم والحديث النبوي وسيرة الخلفاء والصحابة والصالحين والأولياء، وبذلك تأصل الفكر الأخلاقي الفلسفي عند المسلمين منذ القديم. ومن هذه المصنفات كتاب «الأمد الأقصى» للعلامة الدبوسي عبد الله بن عمر «ت 430ه»، الذي ربط فيه المؤلف بين موروثه الديني النابع من القرآن وبين الفلسفة العقلية.
وقبل أن نعرض هذا المخطوط نعرف بصاحبه تعريفاً موجزاً ثم نبين تقسيمه على كتب ثم نتبع ذلك بوصف عام للنسخة المخطوطة.
* المؤلف
هو العلامة شيخ الحنفية القاضي أبو زيد عبد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي، ينسب إلى دبوسية بلد بين بخارى وسمرقند، كان من أذكياء الأمة وأحد من يضرب به المثل في النظر واستخراج الحجج، وهو أول من أبرز علم الخلاف إلى الوجود وكان شيخ تلك الديار، يروى أنه ناظر فقيهاً فبقي كلما ألزمه أبو زيد إلزاماً تبسم أو ضحك، فأنشد أبو زيد في ذلك:
ما لي إذا ألزمته حجة
قابلني بالضحك والقهقهة
إن ضحك المرء من فقهه
فالدب بالصحراء ما أفقهه
توفي أبو زيد في بخارى عن 63 سنة، سنة 430ه.
من مصنفاته «تأسيس النظر» قيل عنه ليس له مثيل في بابه وهو في ما اختلف فيه الفقهاء أبو حنيفة وصاحباه ومالك والشافعي. وكتاب «الأسرار» و«تقويم الأدلة» في الأصول، وكتاب «الأمد الأقصى» الذي سنقدم له.
* الكتاب
قسمه المؤلف على مقدمة وأحد عشر كتاباً وقد جاء في المقدمة: الحمد لله الذي أكرمني بأخ زكى مزاجه وأذكى سراجه، قد ابتكر الكلام بنور عقله، وامتلك النعم بوفور فضله، جالسني مجالسة مستفيد، متأمل في كل قريب وبعيد، فسأل سؤال ذي عقل وأدب فقال أيها المتكلم بما تصدقه الأصول وتحققه العقول إني امرؤ حالفت المسيرة لأقف على بصيرة.
فقال سعى كل لدرك نفع عاجل أو لدفع ضر حاضر، واختص منهم الطبقة العالمية بإتعاب الجسوم للرتب السامية، فهل ينبغي للعاقل أن يرضى بدونه لنفسه فيما يسعى؟ فقلت: «كلام قصير هلك فيه الصغير والكبير، وإني غير هاديك إياه إلا بالله العليم، أعلمت أيها الأخ الرشيد والنجم السعيد أنك عبد لا مشيئة لك فقير لا ملك لك..
أما أقسام الكتاب فقد قسمه على كتب وكان يستهل كل كتاب بالحمدلة، وهي:
1ـ كتاب جهاد النفس: وقد جاء فيه أن الجسم من كل ذي عقل منا مبتلى بأربعة؛ الروح والنفس والقلب والرأس، فالنفس باستعمال الرأس حراسة تأمر الجسم وتنهى للعاجل وهو الدنيا، والروح باستعمال القلب عقله ناهية للجسم وآمرة للأجل وهو الأخرى، فلا بد أن نجاهد النفس الأمارة بالسوء.
2ـ كتاب حكم أصل الخلق: يذكر فيه المؤلف أن الله تعالى خلق العالم من أضداد أربعة غير محبوسة حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة وخلق قوامها بالماء والتراب والريح والنار، ليدل على أنها دار ابتلاء لا دار جزاء.
3ـ كتاب الفصول الأربعة: ويشير فيه المؤلف إلى أن كل شيء في هذا الوجود يمر بمراحل أربع مثل فصول السنة، ليعتبر الإنسان من مراحل حياته وهي: جنين ثم صبا وشباب فمشيب وهي مرحلة الضعف.
4ـ كتاب العبودية: إذا نظر الإنسان في كل العالم وجد الحجة قائمة، فإن عناصر مختلفة وطباع لم تقو لإحداث المحسوس إلا بالاجتماع فيلزمه اعتقاد محدث قديم واحد لا شبيه له، فإذا عرف الله جل جلاه وقدرته على ما خلقه وحكمته فيما رتق وفتق رضي بالقسمة من طرق أربعة، فالعبد ما بقي وإن حرم المواهب وأحاطت به المصائب فنفس الوجود نعمة من الله تعالى عليه وإحسان لا يماثله ما سواه إليه، والمكرم على أكرم مشكور بثناء وفيما حرم مسؤول بدعاء.
5ـ كتاب الفقر: يقول اعلم أن الله تعالى لما خلقك عبداً ألزمك الفقر بناء على صفة العبودية على ما سبق القول فيه، ودلل المصنف في هذا الكتاب على أنه مهما بلغ الإنسان في دنياه من غنى فهو فقير إلى الله تعالى.
6ـ كتاب الأمر: لما عرفنا أن العبد فقير لا يملك شيئاً وله مالك يأمره، لزم المأمور معرفة الآمر ومعرفة الأوامر والمسارعة إليها والانتهاء إلى حدودها، ومعرفة الآمر بالأوامر من طرق أربعة، المنهاج المشروع وصاحبه وسهولته وقربه من المنزل، والمنهاج المشروع هو شريعة الإسلام مشتمل على مصالح العباد في أمور المعاش والمعاد وصاحب المنهاج الرسول صلى الله عليه وسلم.
7ـ كتاب السجن والمملكة: فلأن الله لم يخلق هذا العالم عبثاً، ولكن للجزاء، ولا يصح الجزاء على سبيل الحكمة إلا بعد الابتلاء فجعله مستعبداً فقيراً مأموراً محبوساً ليجازيه إذا أطاعه بأضدادها فالدنيا سجن المؤمن.
8ـ الميزان: فالله سبحانه وتعالى جعل الدنيا للميزان كفة، والآخرة أخرى، وما في هذه الدنيا كلها مما تشتهيه النفوس في كفة الدنيا، وجعل علاقاتها مدركات الحس وشهوات الطبع والتقوى عنها والطاعة لله جل جلاله بمنزلة الذهب والدرر وجعل علاقاتها موجبات النقل ومسموعات الشرع، وجعل الجسم عمود الميزان والنفس لسانه والقلب منجمه والروح وزانه، من ثم الحكم يكون على حسب تردد اللسان وهو النفس وتكون النفس الملكة:
وهي تأمر وتنهى وتميل إلى كفة الدنيا ميلاً عظيماً، وما يأتيها معارضة من جانب التقوى قال تعالى «أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً»، وهي نفس الكافر الجاهل. أما النفس اللوامة فهي التي تلومه في رجوعه وتعاتبه على خضوعه لشهوات الطبع قال تعالى: «ولا أقسم بالنفس اللوامة» وهي نفس الكافر العالم.
والنفس الأمارة بالسوء وهي الحالة التي يكون فيها اللسان أشد اضطراباً فقد قام بالعدل وما انقطع بعد طمعه عن الميل إلى كفة الدنيا قال تعالى: «وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء»، وهي نفس العالم المؤمن. والنفس المطمئنة وهي حال رجوع الجسم إلى طاعة الروح وسكونه إلى الذهب الذي أخبره الروح بخبره قال تعالى «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية»، وهي نفس المقر العامل.
9ـ كتاب أقسام الناس في الدين: قال تعالى «كنتم خير أمة أخرجت للناس» وقال النبي صلى الله عليه وسلم «وكنتم أقل عملاً وأكثر أجراً»، وخص الله سبحانه الأمة الإسلامية بالشهادة، «وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس». والله سبحانه وتعالى الذي خلق الخلق من أربعة عناصر سلكهم في أربع طرق فكانوا صديقين وفاسقين وجاحدين ومنافقين فالصديق المطيع عقلاً وفعلاً، والفاسق المطيع عقلاً وفعلاً، والعاصي الجاحد عقلاً وفعلاً والمنافق العاصي عقلاً وفعلاً.
10ـ كتاب المنحة والحيلة: خلق الله سبحانه وتعالى الدنيا للابتلاء والآخرة للجزاء، والإنسان ممتحن في ذاته بين نفس أمارة بالسوء وروح أمارة بالخير وان الابتلاءات مبنية عليهما وحيلة الإنسان على نفسه بجهادها. قال تعالى: «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ومن يتوكل على الله فهو حسبه». وأخيراً كتاب الدعوة والرؤية والبشارة.
* النسخة المخطوطة
نسخة محفوظة في مكتبة معهد الاستشراق بسانت بطرسبرغ بروسيا تحت رقم (135) تتكون من 1680 ورقة، الناسخ: محمد بن عمر بن عبد العزيز بن افتخار جيهان، تاريخ النسخ: شعبان سنة 774هـ بمدينة بلخ وعنها نسخة مصورة على ميكروفيلم في مركز جمعة الماجد بدبي رقم 4690.
وتوجد نسخة أخرى منه بمعهد البيروني للدراسات الشرقية، أزوبكستان طشقند رقم 3129، تاريخ نسخها 21 صفر 677 ه، الناسخ: محمد بن أحمد بن محمد المدعو سيف بهادر الكرمني، عدد الأوراق 97 ق مصورة على ميكروفيلم بالمركز تحت رقم 601.
وفي الأخير أرجو من الله سبحانه وتعالى أن نكون قد وفقنا في عرض هذا الكتاب القيم القوي في أسلوبه وتعابيره الغني بحججه وتعليلاته، الصحيح في منهجه، وأن يحقق الكتاب تحقيقاً يساعد على فهمه وإخراجه للناس وتدبر المعاني الواردة فيه.
سميرة بن عنتر
مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث