لعل ذلك اللقاء الذي حدث يوم العاشر من نوفمبر من العام 1871 وسط مجاهل إفريقيا بين ستانلي الأميركي وليفنغستون الانجليزي، أشهر لقاء وحدث في عالم «استكشاف» منابع النيل. كان الانجليزي قد توجه إلى عمق اعماق إفريقيا.. ثم اختفت آثاره، فكلف الأميركي بالبحث عنه والعثور عليه. وهو فعل يومها_ كما يروي لنا بنفسه في مذكراته_ بعد شهور من الأخطار والمغامرات، يرافقه عرب وزنجباريون وسط الغابات والصحارى.

لم نكن قد اجتزنا مئتي متر حتى هرعت الجموع لافائنا. وكان مشهد أعلامنا قد بان انما بشكل قافلة؟ غير ان علم النجوم ـ الأميركي ـ الذي كان اسماني يلوح به بكل فخر، وعلى وجهه ابتسامة عريضة، زرع نوعا من اللايقين عند السكان.. فهو كان يظهر في هذا المكان من العالم للمرة الأولى. ومع هذا كان ثمة من بين المشاهدين اناس كانوا قد رأوه في زنجبار على شرفات القنصلية وعلى السفن المتوقفة في الميناء. وهكذا عرفوه وتعالت صيحات تقول «علم البيض..علم الاميركيين!» ما ازال كل انواع الشكوك بسرعة.

في ذلك الحين كان اناس من عشرة اماكن ومن زنجبار ومن السكان الأصليين والعرب يحيطون بنا آذاننا بقولهم صارخين «بونجور..ايها السيد» في وجه كل واحد منا. وكانت ثلاثمئة خطوة لا تزال تفصلنا عن القرية.. كلما خطونا واحدة منها يزداد عدد الجموع..

وكان معظم الفضوليين يتحملقون من حولي. ثم فجأة وسط الزحام سمعت صوتا يأتي من يساري يقول «غود مورننغ سير!» فالتفت بسرعة باحثا عمن قال لي هذه العبارة لأجد وجها هو الاكثر سوادا بين كل الذين رأيتهم..وجه رجل جذل مبتسم يرتدي ثوبا أبيض طويلاً، ويعتمر طربانا هو عبارة عن قطعة من القطن الأميركي لفها حول رأسه.

سألته:«من تكون بحق السماء» أجابني:ادعى سوزي..انا خادم الدكتور ليفنغستون» قالها وقد عرضت ابتسامته لتكشف عن صفيّن لؤلؤيين من الأسنان. سألته:«هل الدكتور هنا؟» «أجل يا سيدي»، في القرية؟»، «اجل يا سيدي!» «هل أنت واثق من هذا»، «كل الثقة يا سيدي لقد كنت عنده من لحظة وتركته لتوي».وهنا سمعت صوتا آخر يصرخ «غود مورننغ سير!» قلت في نفسي» واحد آخر ..وجاءني الصوت الجديد مبتسما بدوره.

سألته:«ما اسمك؟» قال «شوماع»، «صديق فويكوتاني؟»، نعم يا سيدي»، «هل حال الدكتور على ما يرام»،«ابدا يا سيدي»،«اين كان طوال الفترة الماضية..اين كان غائبا كل ذلك الزمن؟» ،«في ميغنيما يا سيدي» قالها سوزي قبل ان ينطلق ذاهبا كالسهم.

وهنا كنا قد أصبحنا على مبعدة مئتي خطوة..وكان الجمع يجعل من العسير علينا التقدم.. ولذلك راح الزنجباريون والعرب يفرقون السكان المحليين لكي يصلوا اليّ ويقدمون لي خالص التحية.. فهم كانوا يعتبرونني واحدا منهم. ولقد بدوا مدهوشين لوصولي وراحوا يمطرونني بسؤال واحد تكرر في عدة أشكال :«كيف تمكنت من العبور!»®. كان الامر بالنسبة اليهم مفاجأة حقيقية

بعد برهة عاد سوزي راكضا ليرجوني أن أقول له اسمي.فالدكتور الذي لم يتمكن من تصديق ما يحصل طلب إليه أن يعرف اسمي لكنه لم يتمكن من ان يجيبه. بيد انه خلال ركض سوزي جيئة وذهابا،كانت أخبار وصول قافلة مزودة ببنادق تلمع فيها طلقات البارود قد تأكدت، مؤكدة في طريقها أنها قافلة بيض. وكان كبار أعيان العرب هناك، ولا سيما محمد بن سليم وسعيد بن مجيد ومحمد بن غريب، وغيرهم قد تجمعوا أمام منزل الدكتور ليفنغستون.. وهو كان خرج وانضم اليهم ليتحدثوا معا عن هذا الأمر الجديد.

هنا امام هذا التجمع توقفت القافلة وعلى رأسها الدليل حامل العلم، الذي رفع العلم الى اعلى ما يستطيع..والتفت سليم اليّ قائلا:«انني ارى الدكتور يا سيدي.. لقد تقدمت به السن كثيرا!».

آه كم شعرت ان في امكاني ان اعطي مقابل ان اجد نفسي في تلك الصحراء وحيدا في ركن من الصحراء،اقوم فيه ببعض ضروب جنوني:اعض يدي..اقفز..اضرب الاشجار بالسوط..باختصار اترك للفرح الذي تملكني ان يعبر عن نفسه كما يشاء. وكان قلبي يخفق بقوة ويكاد يتوقف..غير انني حرصت على الا ادع وجهي يخون عواطفي معبرا عنها، خوف ان اسيء الى كرامة العرق الذي انتمي اليه!

مهما يكن فإنني إذاك قمت بما بدا لي اكثر الامور منطقية وطبيعية: ابعدت الجموع التي كانت تزحم طريقي واتجهت بين صفين من الفضوليين، نحو نصف دائرة كونها الاعيان العرب، وكان يقف في وسطها رجل ذو لحية رمادية. وفيما كنت اتقدم من الرجل ببطء لاحظت شحوب وجهه والتعب الكبير الذي يلوح عليه.

كان يرتدي سروالا رماديا وسترة حمراء ويعتمر قبعة زرقاء ذات افريز ذهبي ساحب.. لقد خاوتني الرغبة في ان اركض اليه..لكنني شعرت بالجبن عن التعبير عن انفعالاتي الى ذلك الحد امام الجموع المحتشدة،وكنت اريد ان اعانقه لكني تذكرت انه انجليزي ولم اكن اعرف ايضا كيف سيكون استقباله لي.

لذا فعلت ما اوصى الي به الجبن والكبرياء المزيفة واقتربت منه بخطوات وئيدة وقلت وأنا ارفع قبضتي على سبيل التحية المهذبة «دكتور ليفنغستون ..حسب ما افترض؟». «اجل» اجابني وهو يرفع قبضته مبتسما بود واعاد كل منا قبضته الى رأسه ثم تصافحنا بالايدي فيما قلت له مستطردا احمد الله اذ سمح لي أخيرا ان التقيك! فكان جوابه:«وانا سعيد لوجودي هنا وقيامي باستقبالك».

بعد ذلك استدرت ناحية العرب، الذين حيوني، فيما راح الدكتور يقدمهم اليّ بأسمائهم، واحدا بعد الآخر. وإثر ذلك، نسيت الجموع، ونسيت كل أولئك الذين شاطروني الأخطار خلال الفترة السابقة. وتبعت الدكتور ليفنغستون الداخل. وهو أدخلني فورا إلى الشرفة ـ التي لم تكن سوى امتداء بسيط للسطيمة ـ ودعاني بإشارة من يده إلى الجلوس على ذلك الديوان البسيط الذي ركبه بنفسه ليتلاءم مع نوع المناخ في تلك المنطقة من العالم، فكان عبارة عن مرتبة نشرت على أرضية خشبية، وغطيت بقطعة كبيرة من جلد الماعز..

وفي الخلف قطعة جلد أخرى سمرت إلى الجدار. احتججت بأن هذا المكان مكانه.. لكنه أصر علي أن أجلس فيه. وجلسنا نحن الاثنين فيما أحاط بنا الأعيان العرب جالسين إلى يسارنا.. أما في مواجهتنا في الأسفل فتجمع نحو ألف من السكان ينظرون إلينا ويتندرون بهذا الحدث الغريب الذي جعل الذي جعل رجلين أبيضين يلتقيان في جيجي، أحدهما آت من ميغينما حيث تغرب الشمس، والثاني من نيانيامبي حيث تشرق.

وبالنسبة إلينا كان الوقت قد حان ليبدأ الحديث بيننا. فما الذي قلناه لبعضنا البعض؟ لست أدري. أقر هنا بأنني لم أفهم شيئا.. كان الأمر عبارة عن أسئلة متبادلة مثل «أي طريق سلكت للوصول إلى هنا؟» أو «أين كنت تمضي الوقت منذ آخر رسائل بعثت بها؟».

أجل هكذا كانت بداية لقائنا، وبداية حديثنا.. أذكر الأمر جيدا، لكني في الحقيقة عاجز عن تذكر الأجوبة.. أجوبتي أو أجوبته.. إذ كنت مأخوذا بالموقف إلى حد كبير ذائبا في ما يحدث من حولي.. ولقد فوجئت مرارا تكرارا بأنني أحدق في ذلك الإنسان الرائع، أدرس حركاته وسكناته، وأحفظه غيبا.. كان كل ما فيه يعلمني بألف شيء أو أن أعلمه عنه.. أنا الذي كنت على ظمأ للتعرف إليه منذ اللحظة التي طلب إلي فيها أن أعثر عليه (...)