منذ أفلاطون والفكر الإنساني لا يتوقف عن تفكير مسألة الاجتماع بين البشر في أمم أو مدن أو في المعمورة كلها، ومسألة السلطة ومن يجب أن يتولاها. ومن ابرز المساهمات العربية والإسلامية في هذا النوع من التفكير كتاب «آراء أهل المدينة الفاضلة للفيلسوف أبو نصر محمد بن طرخان (259 هـ 339 ه) المعروف بالفارابي نسبة إلى المدينة التي ولد فيها (فاراب) وهي مدينة تركية، حتى وان كان كثر من قالوا انه من أصل فارسي».

أمضى الفيلسوف المسلم أبو نصر الفارابي سنوات عديدة من حياته، وانفق طاقاته الفكرية في محاولة منه، كانت فريدة من نوعها في ذلك الحين، في التوفيق بين فيلسوفين يونانيين، عاشا وكتبا قبل مجيئه إلى العالم بأكثر من ألف سنة ونيف. فهل كان الأمر بالنسبة إليه رياضة ذهنية أو ترفاً فكرياً أو محاولة لإثبات الوجود؟ أبدا... لم يكن الأمر أي شيء من هذا أو ذاك.

كانت المسألة بالنسبة إليه تقديم إضافة فكرية تساهم في عقلنة الفكر العربي، بالنسبة إلى كل مجالات هذا الفكر، من بحث شؤون الموسيقى وأصناف الفنون إلى التعاطي مع مسائل الغيب والوجود إلى البحث في الذات الإلهية ومسألة الخلق. وكان هذا النوع من التفكير الشامل، ممارسة طبيعية لدى نوع معين من مفكري الإسلام في ذلك الحين.

غير أن إسهاما فكريا للفارابي، لا يزال حيا وفاعلا بيننا حتى اليوم، يظل هو ارثه الأهم والأفضل. ذلك أن هذا الإسهام ـ ونعني به كتابه ز«آراء أهل المدينة الفاضلة» ـ يشكل، في قسم منه على الأقل جزءاً من ممارسة فكرية أقدم عليها كثر من مفكري الأمم قاطبة، غايتها التفكير في مسألة السلطة وعلاقتها بالمجتمع... وعرفت بخوضها في وصف أمم وسلطات خيالية، مفصلة عن طريق ذلك الوصف، غاية السلطة المتوخاة، وأساليب عملها وعلاقتها بالشعب وما إلى ذلك من مسائل واقعية.

وإذ نتحدث عن هذا الأمر تحضرنا هنا صور «خيالية» حملت تواقيع توماسو كامبانيلا «مدينة الشمس» والسير توماس مور «يوتوبيا» وهوبس وبيكون... وغيرهم من الذين اعملوا خيالهم لتفكير مسألة الدولة سعيا وراء العدالة ومصلحة البشر. وفي هذا الإطار، تتخذ «مدينة الفارابي الفاضلة» أهمية مزدوجة، لان الكتاب الذي وضع عند بوابات القرن الرابع الهجري، لم يتوقف عند وصف المدينة وسلطتها، كما يجب أن تكونا، بل وصل إلى هذا الوصف بعدما مهد بدراسة شتى العلوم الوضعية والإلهية بحيث أن البحث في مسألة السلطة، جاء استطراداً للبحث في مسائل الكون كله.

ولعل أول ما يلفت في نص الفارابي هذا ـ بالنسبة إلى جانبه العملي على الأقل_ هو أن كاتبه قبل أن يحدد مبادئ السلطة وصاحبها، عرج على ما اسماه «احتياج الإنسان إلى الاجتماع والتعاون»، بشكل سبق المساهمة التي قدمها ابن خلدون في هذا المجال_علما بان مرجعية أفلاطون تبدو واضحة لدى الاثنين معا_، فقال: «كل واحد من الناس مفطور على انه محتاج في قوامه (قوته) وفي أن يبلغ أفضل كمالاته إلى أشياء كثيرة لا يمكنه أن يقوم بها كلها وحده.

بل يحتاج إلى قوم يقوم له كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه». وبعد أن يحدد الفارابي هذه الحاجة البديهية العضوية يتحدث عن «أنواع الاجتماعات» فهي بالنسبة إليه عظمى ووسطى وصغرى. أولها الجماعة في المعمورة والثانية اجتماع امة في جزء من المعمورة والصغرى اجتماع أهل مدينة في جزء من مسكن الأمة». ولما كان «شأن الخير في الحقيقة أن يكون ينال بالاختيار والإرادة، وكذلك الشرور إنما تكون بالإرادة والاختيار.

أمكن أن تجعل المدينة للتعاون على بلوغ بعض الغايات، التي هي شرور. وكذلك كل مدينة يمكن أن ينال بها السعادة». والوصول إلى هذه السعادة هو غاية نص الفارابي هذا ـ الذي له للمناسبة كتاب آخر حول «تحصيل السعادة» ـ. وبالنسبة إليه فان المدينة التي «يقصد بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تنال بها السعادة في الحقيقة، هي المدينة الفاضلة واجتماعها هو الاجتماع الفاضل.

بالنسبة إلى الفارابي تشبه المدينة الفاضلة البدن التام الصحيح «الذي تتعاون أعضاؤه كلها على تتميم حياة الحيوان وعلى حفظها عليه». أما رئيس المدينة ورأس سلطتها فهو في هذه المدينة كالقلب في البدن. «وهو كالله في الكون». ومن هنا نرى الفارابي يركز على صفاته وتكون السلطة، طالما انه «ليس يمكن أن يكون أي إنسان اتفق. لان الرئاسة تكون بشيئين: احدهما أن يكون بالفطرة والطبع معدا لها، الثاني بالهيئة والملكة الإرادية».

وإذ يحدد الفيلسوف هذا المنطلق يستطرد عند الرئيس معددا صفاته، هو الذي «لا يرأسه إنسان آخر أصلا. وهو الإمام. وهو الرئيس الأول للمدينة الفاضلة، وهو رئيس الأمة الفاضلة ورئيس المعمورة من الأرض كلها. ولا يمكن أن تعير هذه الحال إلا لمن اجتمعت فيه، بالطبع، اثنتا عشرة خصلة قد فطر عليها: أن يكون تام الأعضاء؟

جيد الفهم والتصور. جيد الحفظ لما يفهمه. جيد الفطنة ذكيا. حسن العبارة، محبا للتعليم والاستفادة. غير شره على المأكول والمشروب والمنكوح. كبير النفس محبا للكرامة. وان يكون الدرهم والدنيا، وسائر أعراض الدنيا هينة عنده. ثم أن يكون محبا للعدل وأهله، ومبغضا للجور والظلم. وان يكون عدلا غير صعب القياد... ثم أن يكون قوي العزيمة على الشيء الذي يرى انه ينبغي أن يفعل...

وإذ يقر الفارابي بعسر اجتماع هذا كله في إنسان، يرى أن الرئاسة تكون لمن اجتمع فيه بعض الخصال شرط أن تكون لديه قابلية تنامي الخصل الأخرى لديه. وإلا فلتكن الرئاسة لاثنين احدهما حاكم ـ أي مستوف للشروط الأولى_ والثاني فيه الشرائط الباقية.

أما إذا استحال هذا الأمر أيضا، فلتتوزع الخصال على جماعة يكونون كلهم معا الرؤساء الأفاضل. وإذا كان الفارابي يعدد لنا ضرورة المدينة الفاضلة وطبيعة من يرأسها، فانه في يلي ذلك واستطرادا لشرح ماهية المدينة الفاضلة، يعدد لنا «مضادات المدينة الفاضلة وهي أربع: المدينة الجاهلة ( التي لم يعرف أهلها السعادة ولا خطرت لهم...)، والمدينة الفاسقة، وهي التي آراؤها الآراء الفاضلة وتعلم السعادة (...) ولكن تكون أفعال أهلها أفعال أهل المدن الجاهلة.

ثم «المدينة المتبدلة» التي كانت آراؤها في القديم وأفعالها، آراء المدينة الفاضلة وأفعالها، غير أنها تبدلت فدخلت فيها آراء غير تلك. وهناك أخيرا المدينة الضالة وهي «التي تظن، بعد حياتها هذه، السعادة. ولكنها تعيش في الحقيقة غير هذه). هي تعتقد في الله عز وجل وفي العقل الفعال، آراء فاسدة لا يصلح عليها، ولا إن أخذت على أنها تمثيلات وتخيلات لها، ويكون رئيسها الأول ممن أوهم انه يوحى إليه من غير أن يكون كذلك. ويكون قد استعمل في ذلك التمويهات والمخادعات والغرور».

أما مسألة الاجتماع الإنساني نفسها، فإنها تلبي ذلك في الأهمية لدى الفارابي الذي يحصي أسباب الاجتماع على أنها تكون: اجتماعا بالقهر ـ اجتماعا لصلة الرحم_ اجتماعا بالتصاهر ـ واشتراكا في الرئيس، أو تحالفا أو تشابها في خلق وشيم ولغة ـ أو اشتركا في السكن، دون أن تفوته إمكانية وجود روابط أخرى تملي على الناس تشاركهم في العيش وفي المدينة وفي السلطات...

وفي الرئيس الذي هو، بالنسبة إلى مفكرنا لب القضية وجوهر الاهتمام، إذ حين يكون الرئيس فاضلا تجتمع فيه الخصال، يكون الاجتماع فاضلا بدوره، وبالتالي تكون المدينة فاضلة محصلة السعادة لأهلها، مضادة للمدن الشريرة.