ارتبط الفن العربي الإسلامي، ومنذ البداية، بالحاجات الاستعمالية اليومية للإنسان، كما ارتبط بالعمارة الدينية والمدنية، وشكل جزءاً منها. توزع هذا الفن على أكثر من مادة وخامة، وعلى أكثر من حاجة شخصية أو جماعية، بمعنى أنه طاول العديد من المرافق العامة، ذات النفع العام.
وقد أبدع الفنان العربي المسلم في إبداعاته وإنجازاته الفنية التي تنتمي إلى الفنون التطبيقية والحرف والمشغولات، أو إلى العمارة الداخلية (الديكور)، أي فنون الزخرفة والتزيين المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعمارة المتعددة الاستعمالات.
من هذه الفنون والمشغولات، العلب والصناديق والأباريق والشمعدانات والصواني والزبديات والقناديل والأقنعة الحربية والسيوف وغيرها الكثير. كما حاول بعض الفنانين والحرفيين العرب والمسلمين، تجسيد أشكال حيوانية أو طيور، بشكل فراغي مجسم ومحور، حمل قيم فن النحت الرفيعة، إلى جانب قيم الحرفة المتقنة التنفيذ، ما جعل من هذه الأعمال الفراغية، تحفاً فنية ثمينة، تتزين بها متاحف الفن العالمية الكثيرة والشهيرة.
وتتباهى بامتلاكها لها، بل وتسعى جاهدة لاقتناء المزيد منها، مهما بلغ ثمنها، وهذه الأعمال الفراغية المجسمة المنفذة في الغالب، من المعادن، تحمل سمة معاصرة، رغم إنجازها قبل مئات السنين، ما يؤكد الرؤية الاستشرافية والمستقبلية المتقدمة للفنان العربي المسلم، وموهبته التي تصعدت وتطورت من خلال الحرفة وبها.
تنوع الفن الإسلامي شكلاً ومضموناً، خامة وهدفاً، مادة وغاية، لكنه ظل لصيقاً بالقيمة الاستعمالية للحياة اليومية التي لم تتعارض أبداً، مع القيمة الجمالية التعبيرية، ولا مع القيم الروحية، للإنسان المسلم، بل على العكس، وصلت بعض الفنون الإسلامية الجامعة للقيمتين معاً، إلى حالة فريدة من التعبير الروحي السامي، خاصة تلك التي نفذت للمساجد وأماكن العبادة، أو ارتبطت بزخرفة القرآن الكريم، وفنون الخط العربي. وبعض الفنون الإسلامية هذه، شكلت حاضناً أميناً وموثقاً، لتاريخ الإسلام ومراحله والشخصيات البارزة فيه، وذلك عندما ارتبطت بشخصية منجزها، أو المحرض على إنجازها وتحقيقها، أو بحدث ما.
توزعت الإبداعات الفراغية المجسمة هذه، على عدد من المعادن والخامات، منها: البرونز، والحديد، والنحاس، والذهب، والفضة... وغيرها. وهي متنوعة وعديدة، أنتجتها الدول العربية والإسلامية كافة، في الشرق والغرب، أخذت خصوصيات المكان الذي جاءت منه، وتأثرت بفنونه القديمة وتراثه، غير أنها، وبفضل الإسلام، أخذت وحدة مميزة، يمكن الاهتداء إليها بسهولة ويسر.
فالمشغولات الفراغية المجسمة المنفذة من المعادن في الأندلس (على سبيل المثال) ورغم تفاوت سويتها، خاصة في القرون الأولى من تأسيس الدولة الإسلامية في الأندلس، جاءت تقليداً للصناعات المشرقية، أو أنها استوردت من هناك، وهي كغيرها من الصناعات المعدنية الفراغية الإسلامية، توزعت على القناديل، والأباريق، والمباخر، والقدور، وتماثيل الحيوانات والطيور المزخرفة، والأوعية، والصناديق المتعددة المهام، والأواني.. وغير ذلك.
هذه التحف المعدنية الرفيعة والثمينة، موزعة اليوم في عدد كبير من متاحف العالم الشهيرة، والعديد منها، لا يزال موجوداً في الكنائس والأديرة في اسبانيا وفرنسا وصقلية وإيطاليا وغيرها.
أما المشغولات اليدوية الفراغية الإسلامية المنفذة من الذهب والفضة، فقد اقتصرت في الغالب، على الحلي التي أخذت النصيب الأكبر من إبداعات الفنانين والصناع في بلاد العرب والمسلمين، خاصة في الأندلس التي اعتبرت فيها صناعة الحلي من الفنون العظيمة الشأن، رغم ضياع العديد منها، خلال الردة على العرب والمسلمين.
من هذه الحلي: القلادة التي نفذت بالطراز العربي الكلاسيكي وهو «الخيط» ويتركب من قطع أنبوبية الشكل أو كروية، يضاف إلى ذلك، أقراط ودراهم وغيرها.
كانت القلادة العربية الأندلسية تدعى «الأقراص» و«القناديل» وكانت شائعة في عصر بني نصر، وظل يستخدمها الموريسكيون من أهل غرناطة، ومن بعدهم أهل مرجانة في جنوب استرقة، وكان أهل سلمنقة يضعونها في قبعاتهم.
هذا الطراز العربي الفريد من الحلي، ظل يستخدم إلى سنوات بعيدة بل قد نجده أيضاً في اسبانيا الحديثة، تماماً كما نجد آلاف الكلمات العربية التي لا تزال تشكل جانباً من بنية اللغة الاسبانية المعاصرة.
محمود شاهين

