ثلاثون عاماً من الخبرة الإعلامية؛ بدأها في «الاتحاد» منذ عام 1975م، وكانت زواياه فيها: فنجان قهوة، موسوعة الوطن، كلمة ونص، بين السطور، كلمة، وعشرات من الزوايا التي كانت بمثابة إضاءات على كنوز الإمارات بأرضها وبحرها وناسها، ارتقى بالعمل الصحافي في الأماكن التي شغرها في «الاتحاد» بدءاً من عمله كمحرر في قسم المحليات ومن ثم ترأسه لشؤون التحرير في دبي والإمارات الشمالية.

كما ترأس قسم المحليات في جريدة «الخليج» وأسس مجلة «ليوا» التراثية، وفي مجال العمل الإعلامي الخاص، أسس: الذاكرة للمعلومات، الزمن للإنتاج الفني، ميديا لوجي، حاز العديد من الجوائز الإعلامية: جائزة الكتاب المتميز، جائزة العويس عن كتابه «الإمارات في ذاكرة ابنائها» الذي صدر بثلاثة أجزاء عن زاويته الشهيرة «فنجان قهوة»، جائزة أفضل برنامج تلفزيوني محلي عام 1986م، جائزة يوم الراوي عام 2003 في الشارقة، له العديد من المؤلفات والبحوث التراثية: الإمارات في ذاكرة ابنائها، نبض الأصالة في روح المسيرة، سالم بن علي العويس، مدخل للتراث الشعبي في الإمارات، وهناك العديد من الكتب والمخطوطات التي ينتظر إصدارها لاحقاً.

كانت رحلته في الصحافة والإعلام مغامرة في كل أوجهها، فقد غطى العديد من الأحداث المهمة في المنطقة، بدءاً من أحداث «جهيمان» الشهيرة في مكة عام 1980م، مروراً بكارثة الحرب العراقية ـ الإيرانية، وأحداث الحرب الأهلية اللبنانية، كتب عن تجربته الكثير من أدباء وصحفيي الإمارات وخارجها، أما هو فمن رأس الخيمة قد أطل لينثر أريجه في كل بقاع الوطن، تلك المدينة الشامخة بين الجبال، ولئن كان لكل بلد؛ مدينة تتميز بإنجاب المبدعين والمثقفين.

وكما أن للعراق بصرته، ولإيران شيرازها، وللسودان أم درمانها، ولفلسطين نابلسها، فإن للإمارات رأس الخيمة التي أنجبت وما زالت حبلى بعشرات المبدعين الإماراتيين من كتّاب وشعراء ومثقفين ومبدعين في شتى المجالات، وصاحبنا الإعلامي المبدع عبد الله عبد الرحمن أحد تلك الشموس من رأس الخيمة التي أشرقت فأضاءت مساحات الوطن بكل مدياته، ولعل السطور القادمة تحكي بعضاً من ذاكرته الثرية:

* بداية سنبحر معك إلى الطفولة الأولى وذكرياتها وصولاً إلى عملك في المجال الإعلامي، هل تحدثنا عن أهم هذه المراحل؟

ـ ولدت في منطقة «الحديبة» من مناطق (النخيل) في رأس الخيمة في العام 1955 وهي منطقة زراعية كانت تتميز بكثرة مزارعها ونخيلها وآبارها ووديانها، وكانت تشكل حلقة وصل بين سكان الجبال والسفوح وبين منطقة الساحل ومدينة رأس الخيمة، وموقع الحديبة اليوم حيث مستشفى سيف بن غباش، في هذه البيئة ترعرعت ونشأت ودرست وعشت تفاصيل المكان والأحداث والمتغيرات الأولى.

وكانت المنطقة تشهد بدايات دخول التعليم والعمران الحديث، ولما بلغت سن السادسة التحقت بمدرسة «ابن ظاهر» وكانت تسمى قبل ذلك «مدرسة عمر بن الخطاب الابتدائية»، وكانت الدراسة فيها حسب المنهج القطري وليس الكويتي حسب باقي مدارس الإمارات، وكان المدرسون خليجيون وعرب أذكر منهم ذلك المدرس الفلسطيني الثوري «رحمه الله» الذي كان يحرص على غرس الثقافة الوطنية والقومية فينا ويحفظنا من خارج المنهج قصائد محمود درويش وغيره وقد لقي حتفه بشوط كهربائي رحمه الله، وقد كنا نمشي لعدة كيلومترات للوصول إليها.

في تلك الفترة بدأت تقام بعض المنشآت الحديثة ومنها مستشفى كان له أثر في حياتنا بالطبع، أما نحن الأطفال فكنا نحضر الأفلام السينمائية على البروجكتور مع الأجانب الذين يعملون فيه، كما كانت في رأس الخيمة سينما قديمة مفتوحة في الهواء الطلق كنا نحضر بعض الأفلام فيها.

والمنطقة كانت منطقة اصطياف وتجمع العائلات فكانت فرصة للتواصل مع أبناء الساحل بالإضافة إلى حلقات تحفيظ القرآن حيث كان المطاوعة يأتون من الساحل ويقيمون مثل هذه الحلقات التعليمية، كل هذه المظاهر الحياتية كان لها الأثر الكبير في تكويني النفسي والفكري بلا شك، لكن أهم المظاهر كان التكافل والتعاطف بين الناس الذين كانوا يعيشون حياة بسيطة ويجتمعون باستمرار في المناسبات لا سيما في مواسم الأمطار والأفراح، ولا تزال تلك الصور الجميلة عالقة بذاكرتي، إلى جانب الخبرات المتوارثة زراعيا وبيئيا.

كنت أهوى الخط وأقلد ما أراه في المدينة من خطوط على لافتات المحلات والمطبوعات واكتبها على الجدران «بالسخام» وقد ساهمت هذه التجربة على تواضعها في تنمية موهبتي في الخط العربي، وأتذكر أن الفنان التشكيلي الكويتي المعروف محمود الرضوان الذي كان يزور الوالد عائليا لصلة القرابة قد لاحظ لدي هذا الاهتمام الفني والشعارات وأبيات الشعر المخطوطة على جدران البيت؛ فشجعني وأهداني قلما أنيقا كهدية كما كان الأديب محمد صالح القرق يصحح لي بعض الأبيات الشعرية أو يضيف عليها بقية الأبيات التي لم أكن أحفظها فأكمل خطها على الجدار الأسمنتي، وكثيرة هي ذكريات أيام الصبا وعلاقاتها الحميمية والجميلة وآفاقها الرحبة.

* ندوة المستمعين

* متى بدأت علاقتك بالإعلام؟

ـ بدأت علاقتي بالإعلام وأنا في السادس الابتدائي لكنها بالطبع ليست علاقة بالمعنى المتعارف عليه، كانت عبارة عن رغبة في التعبير عن النفس من خلال المشاركة في الإذاعات حيث كنت أتواصل مع إذاعات الشارقة وصوت أميركا ولندن خاصة من خلال برنامج «ندوة المستمعين»، وإذاعة رأس الخيمة عند افتتاحها، كانت المراسلة هوايتي المفضلة ومن خلالها نشأت علاقات بيني وبين كثيرين، بل وصداقات هنا في الإمارات وصلت إلى تبادل الزيارات العائلية.

وكنت أتبادل الكتب والمعلومات مع هؤلاء الأصدقاء تماما كما يحدث الآن عبر الانترنت، وكان الراديو صديقي الأفضل وتعلقت به كثيرا حتى أنني كنت احمله معي طوال الوقت، كنت أتمنى أن أكون مذيعا منذ صغري، ثم وقعت على المجلات التي كانت تصدر في الدولة مثل المجمع والشباب والأهلي، وكنت أحرص على اقتنائها عندما أسافر إلى دبي ولم يكن السفر سهلا كما هو الآن.

* قبل هذه المجلات هل كانت هناك مطبوعات معينة تصل إليك؟

ـ مجلة العربي الكويتية كانت زادنا للقراءة، وكنا نحرص على الحصول عليها، لكن مع قيام الدولة وإنشاء المكتبات العامة التابعة لوزارة الإعلام والثقافة في أوائل السبعينات من القرن الماضي صارت هذه المكتبات مكاننا المفضل، وكنت أحرص على التواجد في المكتبة عصرا، وكنت أتواصل معها باستمرار وربما شجعني على ذلك ان والدي كان يحب القراءة خاصة الكتب الدينية -وهو إمام مسجد أيضا- وكان يجمعنا ليلا على ضوء القمر أو الفنر ويروي لنا القصص والحكايات إضافة إلى ذكريات أسفاره البحرية الطويلة إلى شرق إفريقيا والهند والسند والموانئ والبلدان الخليجية التي وسعت مداركنا وأثرت خيالنا.

وكانت هذه اللقاءات تجمع أصدقاء الطفولة من أبناء البادية والمزارعين، ولا تخلو السهرات من حكايات الجن والعفاريت والسحرة من المعتقدات الشعبية في تلك المناطق النائية، وتجدر الإشارة إلى أن القراءة والكتابة والمذاكرة ليلا كان على ضوء الفنر وفي رحابة الهواء الطلق، وبقيت أعشق هذا المناخ الرومانسي الطبيعي حتى في السنوات اللاحقة التي احترفت فيها الصحافة.

* أسماء بماء الذهب

* هل كانت مجلة العربي من ضمن الحوافر التي دفعتك إلى العمل في الإعلام؟

ـ لا شك في أن مجلة العربي تركت أثرا كبيرا في تكويننا لكن الأمر يعتمد على الموهبة بالدرجة الأولى، فما دامت الموهبة موجودة فهي تدفعك إلى التعبير عنها، في هذه الفترة حدث معي شيء مهم، حيث وقعت على عنوان لمعهد مصري يسمى «دار الدراسات المهنية» في إعلان عن إمكانية الدراسة بالانتساب عبر المراسلة، كنت وقتها في الأول الإعدادي وجذبني الإعلان الذي حمل ـ على سبيل الإغراء ـ ما يفيد بأن الدار ترسل لمن يرغب كتابا ضخما عن الصحافة يطبع عليه اسمه بماء الذهب بالإضافة إلى الكتب الأخرى مثل كتاب (وراء الأخبار ليلا ونهارا)، وفعلا أرسلت لهم وأرسلوا لي الكتاب إضافة إلى مجلد ضخم عليه اسمي بماء الذهب كان شاملا لألف باء العمل الصحفي الذي قدمه محمد زكي عبد القادر.

بالإضافة إلى كتاب المحرر العسكري، كان الكتاب الأول يحكي تجارب الصحافيين الكبار وأساليبهم في الحصول على الأخبار وطريقتهم في تكوين العلاقات مع المصادر وتوطيدها عبر التعرف على هواياتهم وأين يمارسونها والالتحاق بهذه الهوايات والانضمام إلى نفس النادي وغيرها من الأساليب، وللحقيقة كان تأثير هذا الكتاب كبيراً جدا علي، حتى أنني كنت آخذه معي إلى المزرعة التي كنا نذهب إليها عصرا لمساعدة الوالد، أما كتاب المحرر العسكري فهو يرصد تجارب تغطيات الحروب، وكنت حتى ذلك الوقت ما أزال أراسل المجلات وانشر بعض الخواطر.

* المعهد الإسلامي

* هل تتذكر أول مقال نشرته وفي أي مجلة؟

ـ كتبت مقالين في المجمع لم اعد اذكر تفاصيلهما الآن وأتمنى أن احصل عليهما، وفي هذا الوقت كنت قد انتقلت إلى مدرسة شمل (إعدادية وثانوية) لان مدرسة بن ظاهر كانت للمرحلة الابتدائية فقط، ودرست في شمل سنة واحدة ثم انتقلت إلى المعهد العلمي الإسلامي في رأس الخيمة حيث كانت الفرصة مواتية لي لإشباع رغبتي في القراءة والمعرفة، فالمعهد كان يحتوي على أنشطة ثقافية ولغوية وكانت بيئته مناسبة لي لتنمية موهبة القراءة، وكانت المراسلات تأتيني على عنوان المعهد.

* وماذا حدث للمعهد المصري؟

ـ ظللت أراسلهم لفترة ثم انقطعت علاقتي بهم، وقد أرسلوا لي رسالة عندما بدأت اكتب مقالات (على قد الحال) في مجلات المجمع والأهلي والشباب أرسلوا لي رسالة يطلبون فيها مني أن أنشر لهم إعلانا في إحدى وسائل الإعلام المحلية، على ان يرسلوا لي ثمنه لاحقا، وفعلا أرسلت الإعلان إلى مجلة الشباب التي نشرته مجاناً عندما وجدته إعلانا ثقافيا كنوع من دعم النشاط الثقافي.

حيث كانت الغاية منه الإعلان عن مكتبة أو دار نشر تتبع المعهد ويمكن لمن يريد ان يحصل على الكتب من خلالها بالبريد، فما كان من ذلك المعهد ـ وعلى سبيل التقدير والامتنان - إلا ان أرسلوا لي قوائم بالكتب الموجودة لديهم لاختيار ما ارغب في اقتنائه منها، وفعلا قمت باختيار بعض الكتب خاصة في علم النفس والاجتماع ـكانت اكبر من مستواي الثقافي آنذاك ـ وكان الصديق الدكتور عبد الخالق عبد الله في المرحلة الثانوية وكان يندهش من هذه الكتب عندما يزورني، وأحيانا كان يستعير مني بعضها ـ وكان ذلك آخر عهدي بالمعهد وعندما ذهبت إلى القاهرة في ما بعد ( في العام 1977) بحثت عن عنوان لهم فلم أجد لهم مكانا ولا عنوانا لطول سنوات الانقطاع.

* الطريق الى «الاتحاد»

* وماذا بعد المعهد الديني؟

ـ في تلك الفترة كانت بعض شركات البترول ومنها أدنوك تستقطب المواطنين وترسلهم في دورات إلى خارج البلاد، مما شجعني على الذهاب إلى أبو ظبي لعلّي أجد فرصة للالتحاق بواحدة منها، ووجدت وزارة الإعلام تنظم دورات محلية في مجال الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى؛ بيد أنني وجدت دورة أخرى في مجال التمريض التحقت بها واستفدت منها كثيرا لا سيما على المستوى الإنساني.

وتعرفت على مجموعة من الشباب البحرينيين وكنت التقيتهم في المكتبة العامة بأبوظبي وكان أمينها الشاعر محمد شريف الشيباني الذي كان وقتذاك الشاعر الخاص للمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد «رحمه الله»، وتوطدت علاقتي به فعرف اهتمامي بالخط فاقترح علي ان أتقدم بطلب إلى وزارة الإعلام للعمل في المكتبة.

وعرض علي أن أخط له كتابا يؤلفه بعنوان «دولة الإمارات بين الماضي والحاضر»، وفرحت بعرضه لأنني كنت أحب الخط، وذهبت إلى وزارة الإعلام وتقدمت بطلبي فرشحت «كاتب حسابات» فأخبرتهم إنني لا اعرف شيئا عن الحسابات وإنني أرغب في العمل في جريدة الاتحاد، وفي ذهني ان أعمل خطاطا في الجريدة، ولم تكن الأمور وقتها صعبة وتحقق لي ما أردت.

ذهبت إلى جريدة «الاتحاد» لمقابلة خالد محمد أحمد الذي كان آنذاك مدير إدارة الاستعلامات والنشر في وزارة الإعلام ورئيس تحرير جريدة الاتحاد وكان مصطفى شردي «رحمه الله» لا يزال موجودا في الجريدة، ورحب بي خالد محمد احمد كثيرا وعرضت عليه رغبتي في العمل كخطاط، وبدأت العمل مع خطاطين فنانين هما: سعيد الشرقاوي ومحمد سيف الدين سر الختم ـ الفنان والخطاط المعروف ـ وتدربت معهما على أنواع الخطوط وقواعد الخط لكن أكثرها استخداما كانت خطوط الرقعة والفارسي والنسخ.

وفي احد الأيام كتبت مقالا لبريد القراء عن المكتبة وملاحظاتي على المكان وكان يغلب عليه الطابع النقدي، وحين رأى خالد محمد أحمد المقال منشورا في الجريدة قال لي: أنت مكانك في التحرير، وقلمك جيد فلماذا تذهب إلى الخط؟ وانتقلت إلى قسم المحليات (محرر مبتدئ)، وكان رئيس قسم المحليات وقتها أحمد عمر «رئيس تحرير مجلة ماجد حاليا»، ومن بين الزملاء الذين عملت معهم سمير عبد المطلب ومحمود النجار وهو صحافي كبير تولى في ما بعد رئاسة قسم المحليات ثم قسم الإعلانات ثم لا أدري أين ذهب، ونخبة أخرى من الرعيل الأول في الاتحاد.

محمد الأنصاري