ملأت زينة دار الأيتام الإسلامية لشهر رمضان المبارك هذا العام شوارع بيروت، لوحات ملونة علقت على أعمدة الكهرباء وعلى أشجار النخيل، رجال ونساء وأولاد وحيوانات وسيارات بلاستيكية وزعت على جانب الطرقات كأنها مشاهد من مسرحية للأطفال، توقفت شخصياتها عن الحراك وبقيت جامدة، هامدة.
زينة دار الأيتام الإسلامية، التي وزعت في كل شوارع العاصمة وضواحيها، كثيرة ومكلفة. لن نعرف كم كلفت من مال ومن عمل ومن تحضير، الا إننا، حين نراها في كل شارع وفي كل منطقة، لا نقدر إلا ان نتخيل كم أنها تطلبت وقتا، ومالا، ومجهوداً.
كيف لمؤسسة مثل دار الأيتام الإسلامية، التي تنتظر مال المتبرعين للاهتمام بالأطفال اليتامى، أن تملأ بيروت وضواحيها بزينة بهذه الضخامة والكلفة؟ أليس المال هذا، والجهد الكبير، كانا انفع لو أعطيا للأيتام.
يسهل أن نسأل أنفسنا هذه الأسئلة لدى رؤيتنا الزينة، ويسهل الجواب عليها بالنسبة للمسؤولة الإعلامية في مؤسسة دار الأيتام جنان جمعاوي التي تعجبت في اتصال مع «البيان» من هكذا سؤال قائلة أنها ليست المرة الأولى التي تسأله، وانها لا تفهم كيف يمكن ان يرى المرء الأمور من هذا المنظار.
توضح «انه مال المتبرعين، الذي نزين به الشوارع، وليس مالاً مخصصا للأولاد»، تحدثت عن ميزانية خاصة لزينة شهر رمضان، وعن متبرعين يرغبون في التبرع بالمال من اجل الزينة هذه، وليس من اجل شيء آخر.
أكدت انها رغبة المتبرعين بان تكرس أموالهم للزينة، «ان كنت ترغب بقطعة حلوى، قالت لنا جمعاوي، ودفعت ثمنها، هل يصلح ان نعطيك بدلها سلطة؟». كأن مؤسسة دار الأيتام الإسلامية أجبرت على تزيين شوارع بيروت، لأنها أعطيت مالا شرطه ان يكون للزينة.
ننظر الى الزينة في الشوارع، التي تصبح أكثر فخامة كل سنة عن السنة التي سبقتها، هل حياة ايتام دار الأيتام تتحسن مثلها ؟ الا تعني زينة دار الأيتام ان المؤسسة لم تعد بحاجة إلى التبرعات؟
حجة ان المصارف والشركات والأفراد المتبرعين بالأموال هذه، تبرعوا بها من اجل الزينة فقط، وليس من اجل أي شيء آخر، تبدو واهية، لاننا نتساءل ما هو دور دار الأيتام في هذا الموضوع إذن. ونتساءل أيضا ماذا تربح دار الأيتام من كل هذه الزينة؟
جمعاوي تؤكد أن الزينة الرمضانية هي مجرد «حدث جمالي تفاؤلي»، وتشير إلى أنها تجعل المتبرعين يشعرون بأن مالهم، الذي تبرعوا به، بات شيئا ملموسا يستطيعون رؤيته، وهو ما يشجع برأيها على التبرع أكثر.
الا يكفي ان يعرف المتبرع بأن ماله يذهب إلى الأيتام؟ ألا يفضل المتبرع، شركة كان أم فردا، ان يساعد اليتيم على ان يزيّن الشوارع بألوان وأشكال وأضواء لن تنفع أحدا، ولن تدوم إلا بضعة أسابيع ثم تفكك وترمى؟
فالمرء الذي يرى كل هذه الزينة لا يعود يشعر بأن دار الأيتام، وأيتامها، بحاجة إلى ماله، والى تبرعاته، التي تكون متواضعة غالبا. المشكلة (اذا استطعنا تسميتها هكذا) ليست بتزيين شوارع بيروت بمناسبة قدوم شهر رمضان المبارك. بل هي في كون الزينة هذه، التي تقدمها الشركات والأفراد، تحمل اسم مؤسسة دار الأيتام الإسلامية، التي لا تنفك تطالب اللبنانيين يالتبرع بالمال لاجل أيتامها.
فان تكون ميزانية الزينة في مؤسسة كدار الأيتام، اكبر من الميزانية المخصصة للأطفال تبدو مهينة بعض الشيء للذين يتبرعون من اجل الأيتام وليس من اجل الزينة، وتبدو مهينة للأطفال أيضا، الذين نزلوا إلى الشوارع في بداية شهر رمضان، في موكب ملون، مزين، كأن مشاكلهم الحياتية انتهت، او كأنهم باتوا، زينة مثل المانيكانات البلاستيكية.
جميل ان يحتفل الأولاد بقدوم شهر رمضان، وان ينزلوا إلى الشوارع بثياب العيد وبهجته. الا ان تزيينهم بمال كان من الممكن أن يفيدهم أكثر، وان يدوم لهم أكثر، يفاجئنا بعض الشيء.
نحن نقول فقط، بأن الزينة الرمضانية التي تحمل اسم دار الأيتام تبدو مبالغ فيها، فهي لا تتلاءم مع طابع المؤسسة، التي مهما أعطيت من مال، تبقى بحاجة الى التبرعات. لأن احتياجات اليتامى لا تنتهي، والتبرعات مهما زادت لا تكون زائدة.
الأطفال اليتامى أهم من الزينة، والنتيجة اهم من الإعلان.
بيروت ـ فراس زبيب
