ركز الاستاذ الدكتور محمد الزحيلي عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة الشارقة، على كثير من القضايا التي تهم المجتمع المسلم بدءاً من رمضان كمدرسة تصلح حال الأمة اذا أحسنت استغلالها ومروراً بقضايا التربية في الواقع الميداني لأكثر من دولة عمل بها ووجد احجام الشباب عن العلم واقبال الفتيات حيث وصل عددهن في جامعة الشارقة 65%.
ويعتبر د. الزحيلي مصر من أفضل البلدان احتفاء بشهر الصيام وتحقيقاً للتكافل في مواجهة مشكلة الفقر في المجتمع المسلم الذي يمكن للزكاة عند تطبيقها كما أمر الشرع ان تقضي عليها مؤكداً أن الخروج من حال الضعف والهوان التي تعانيها الأمة الإسلامية يعود الى صلاح العلماء والحكام.
ويفرق عميد كلية الشريعة بين جيله والأجيال المعاصرة بتوضيح ان أجيال الماضي كانت أكثر طموحاً وتطلعاً لمستقبل الأمة والمشاركة في قضاياها حيث كانت مظاهرة طلابية تسقط وزارة وتصحح مساراً سياسياً.
* كيف كانت فترة التحصيل العلمي وأين.. ولماذا كانت المزاوجة بين دراسة الشريعة والقانون؟
* ميزة كبيرة
ـ في البداية يوضح الدكتور محمد الزحيلي عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة الشارقة أنه من مواليد 1941 ودرس في سوريا جامعاً بين الحقوق والشريعة بين عامي 1961 وحتى 1966، وفي جامعة الأزهر لفترة ما بين عامي 1966 وحتى 71، وعمل في ست جامعات على مستوى الدول العربية كاستاذ لمدة سنة فأكثر وفي ست أخرى كاستاذ زائر.
وعن دراسته للقانون والشريعة يقول إن هذه الدراسة المقارنة لها ميزة كبيرة تتمثل في بيان عظمة الفقه الإسلامي وصلاحيته للحياة في كل زمان ومكان وتؤدي الى فهم العلاقة بين التخصصين ومعرفة كيفية الحكم في بعض الأمور الحياتية المتعلقة بهما، مضيفاً أنه ألف 37 كتابا بين مرجع وكتاب ثقافي، و70 بحثاً علمياً محكماً، وشارك في حوالي 35 مؤتمراً علمياً وعمل بالمحاماة وخبيراً شرعياً في المؤسسات والبنوك الإسلامية.
* هذه التنقلات الكثيرة بين الجامعات العربية في الدراسة والعمل هل أفادت الدكتور الزحيلي؟
ـ التنوع في التدريس أفادني كثيراً كما أفادني التنوع في الدراسة في الجامعات السورية والمصرية اذ تعرفت على البلاد العربية وأنظمتها وتشريعاتها والجامعات التي فيها وتنوع الثقافات والطلبة الذين يكمل بعضهم بعضاً، ودفعني ذلك الى تأليف عشرة كتب للتدريس في هذه الجامعات في السعودية والأردن وسوريا والكويت والشارقة.
وقد لاحظت خلال تنقلاتي الكثيرة ومعايشتي لواقع شعوب الدول التي عملت فيها أن الجد والنشاط والاهتمام بالتحصيل العلمي لدى طلاب سوريا والأردن أعلى نسبة من طلاب دول أخرى نتيجة للظروف المادية التي تعيشها هذه الدول مثل ما هو في السعودية والشارقة والكويت.
* وهل هذا الحكم يجمع بين الطلاب والطالبات؟
ـ لا.. فالملاحظة تقول بتفوق الطالبات على الطلاب في هذه الجامعات جميعاً لأن الشهادات العلمية اصبحت لا تلبي تطلعات الشباب المتحمس والمتحفز لمواجهة متطلبات الحياة، بينما تحقق الشهادات والعلم الطموح للطالبات، وكمثال فإن نسبة عدد الطالبات في جامعة الشارقة 65%.
* وهل هذه ظاهرة صحية؟ وماذا تقدمون للطلبة في رمضان؟
ـ نعم بالنسبة للطالبات يعتبر ذلك ظاهرة صحية خاصة وانه مشاركة للفتاة المسلمة في العلم والبحث والطموح، أما بالنسبة للطلاب فهي ظاهرة غير صحية بل مأساة وذلك لجعل العلم في المرتبة الثانية أو الثالثة في الحياة، وهو سبب تأخر البحث العلمي في البلاد العربية والإسلامية وغياب الابداع والاختراع بعد اتجاه الشباب بالكلية الى التجارة والأعمال التي تحقق المكاسب المادية أكثر مما يحصلون في الشهادات العلمية ونقدم لهم صيام رمضان بين الطب والشريعة في لقاءات ومحاضرات وندوات.
* ذلك يدفعنا لسؤال عن الفرق بين الأجيال.. أجيالكم والأجيال الحاضرة.. كيف ترون ذلك؟
ـ في هذا العصر توسعت التقنيات العلمية والفنية خلافاً لما كان في السابق، إضافة الى توسع الاختصاصات في العصر الحاضر وتعددها، بينما كان الطلبة في جيلنا كانوا أكثر طموحاً وتطلعاً لمستقبل الأمة والمشاركة في قضاياها، فعلى سبيل المثال كانت مظاهرة طلابية تسقط وزارة وتصحح مساراً سياسياً وفقدت الأجيال الحاضرة ذلك.
* لماذا؟
ـ للتوجهات السياسية في البلاد العربية وتغييب آراء الشعوب في هذا المجال وفرض النفوذ السياسي والفكري والاقتصادي والأجنبي على بلادنا العربية والإسلامية.
* وهل ذلك من فقر في قيمنا وامكاناتنا في هذه المجالات كافة؟
ـ لا.. ولكن هو تغييب للمفكرين والمبدعين الذين اضطروا للهجرة وتقديم خبراتهم للبلاد الأجنبية فتجد الأعداد الهائلة من الأطباء والمهندسين وغيرهم من البلاد العربية خرجت وقدمت نتاج فكرها وثمرة تعليمها في بلادها الأصلية للشعوب الأخرى ومن ذلك 6 آلاف طبيب سوري في ألمانيا.
* دكتور الزحيلي لاشك عشت رمضان في بلدان كثيرة أثناء تنقلاتكم هل شاهدت أختلافا بين الدول العربية والإسلامية في ذلك؟
ـ أجمل رمضان في مصر وسمعت أن هذا الجو موجود في شمال إفريقيا ولكن لم أعشه.. وجمال هذا الشهر الكريم في مصر هو الاحتفاء الشعبي الكبير والواسع باعتبار أن الشعب المصري متدين بالفطرة ويشارك جميع أفراده في مراسم رمضان وشعائره ـ ان جاز التعبير ـ حيث تهيء الأماكن في الشوارع وتمتلئ المساجد بالمصلين ويقلع كثير من المذنبين عن ذنوبهم في رمضان احتراماً للشهر.
وفي دول الخليج تعظيم لرمضان اذ تستعد له استعداداً طيباً ويشارك الناس في شعائر رمضان تجمعهم المجالس التي يناقشون فيها مشكلات حياتهم ويبحثون أمر حلول لها، أما في سوريا فلا يوجد احتفاء برمضان نتيجة التوجه العلماني ولا تجد احتراماً للشهر إلا من الناحية الفردية ومن المتدينين خاصة.
* وهل هذا الاختلاف في التعامل مع شهر رمضان يخالف قاعدة ان الشهر مدرسة اجتماعية وتربوية وروحية؟
ـ الشهر مدرسة لكل الشعوب والبلدان وإن اختلفت طريقة الاحتفاء به، فمن الناحية العبادية يقدم الناس على الصيام أولاً والصلاة حتى من تاركيها بقية أشهر العام ثم تأتي صلاة التراويح وخاصة ليلة القدر ودروس رمضان وما تهتم به أجهزة الإعلام عن الشهر وصيامه فتجمع الناس.
ومن الناحية التربوية والنفسية تجد المسلم عاد الى رشده وأخلاقه الإسلامية وحسن معاملته للآخرين والتزامه بأحكام رمضان في الصيام والسحور والافطار والاقبال على العلم، ومن الناحية الاجتماعية نجد المسلمين يمثلون مجتمعاً واحداً فعلا بالمواساة والتكافل الاجتماعي وتفقد الفقراء وتوزيع الطعام وصدقة الفطر ويتجه معظم الأغنياء الى توزيع زكاة أموالهم في شهر رمضان، مما يعالج مشكلة الفقر التي تعاني منها مجتمعاتنا أضف الى ذلك اللقاءات والزيارات العائلية وصلة الأرحام التي تصل الى قمتها في يوم العيد.
* الفقر كالكفر
* مشكلات الفقر هذه هل لها حل شرعي؟
ـ أولاً الإسلام اعتبر الفقر كالكفر في خطره وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كاد الفقر ان يكون كفراً وكان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الفقر، ثم إن الإسلام دين إنساني للناس جميعاً ولا يفرق بين غني وفقير وشرع الأحكام التي تقيم التكافل الاجتماعي لمساعدة الفقراء وفرض أحكاما في أركانه لمعالجة الفقر ومنها الزكاة التي تكفي القضاء على مشكلة الفقر اذا طبقت عملياً وذلك بحسب إحصاءات وحسابات علماء الاقتصاد المعاصرين، كما ان الإسلام لا يعرف الموت جوعاً في مجتمعه، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع الى جنبه وهو يعلم».
وعندما وقعت بعض النكبات في عهد عمر رضي الله عنه فقد أمر ان يقسم الطعام الموجود لدى العائلات الى قسمين قسم لأهله وآخر للفقراء والمحتاجين، وقال كلمته المشهودة «لا يموت الناس على نصف بطونهم» والدعوة الى الصدقة وإطعام الجائع والفقير والبائس والمسكين وإكرام الضيف ونجدة ابن السبيل وصلة الإرحام والانفاق على الأقارب، حتى فرض الإسلام الدية في القتل الخطأ على العاقلة وهم القبيلة أو القوم الذين يحيطون بالقاتل لمساعدته وحفظ الدماء عن السفك والهدر.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهدر دم في الإسلام من ناحية فقر من وقع منه القتل وعجز عن الدية فتكلف عاقلته بدفعها عنه، والآن تقوم بذلك النقابات والجمعيات والمؤسسات التي يتبعها القاتل، وكل ذلك يعالج مشكلة الفقر ولكن المهم التطبيق وليس مجرد المباديء، لأن التطبيق لا يتم إلا بمعدل 50% من هذه الإحكام الشرعية.
فتحي عبدالكريم
