«حتا» تتمتع بالأصالة

فيها تراث الأولين

دور الحصن وانظر جبالة

بتشوف تاريخه من سنين

فيها الغرر صافي زلاله

وهذا فضل من رب معين

لي زارها يرتاح باله

و«حتا» تشوف ناظر العين

نحو جبال حجر أخذتنا رحلتنا لنجد منطقة أقرب إلى الحلم منها إلى الواقع ف«حتا» التي توسدت ذراع دبي واستسلمت لعذوبة هوائها وهدوء طبيعتها استطاعت أن تقدم نفسها بصورة تليق بذلك الجمال الأخاذ الذي يجعلك تكتشف ان المكان يحمل أكثر من معنى ويخبئ أكثر من كنز.

يعود تاريخ حتا إلى حوالي ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد حين كان سكانها القدماء يشكلون تفاصيل حياتهم بين الجبال، فالمنطقة التي كانت تسمى الحجرين في الماضي تحتوي مدافن قديمة يرى الآثاريون انها تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وقد ساعدت خصوبة أرضها ووجود الخيرات التي اعتمدت على عيون الماء الجبلية ـ على ان تكون حتا حاضرة عبر العصور حتى يأتي عصرنا الحديث فتمتد لها يد البناء والتعمير لتكون صورة مشرقة للمنطقة التي تجمع بين سبل الحياة الحديثة وسحر الطبيعة وعراقة الماضي.

عند بداية وصولنا إلى حتا التقينا محمد عبدالله علي الذي ذكر «ان سكان المنطقة كانوا في الماضي يعملون في الزراعة فيزرعون الغليون والشعير والذرة والدخن ـ وكان العسل متوفراً بكثرة ولا يخلو أي بيت منه وتتميز حياة الماضي ببساطتها واهتمام أهلها بالتواصل والمحبة فيما بينهم وفي شهر رمضان المبارك يجتمع سكان البيوت المتقاربة فيفطرون معاً.

ولا يصومون حتى يتأكدوا من الهلال وكذلك لا يعيدون حتى يتأكدوا، وإذا ما شاهدوا الهلال أشعلوا النار في الجبل أعلانا لقدوم الشهر الفضيل، وقد بقيت العادات الرمضانية كما هي لكن الاشغال أخذت وأبعدتهم عن بعضهم».

حاولنا أن نستكشف المكان ونعرف تفاصيله فكان دليلنا أحمد محمد البدواوي خير معين لنا في الأمر، وقد توجه بنا نحو قرية حتا التراثية التي أعيد ترميمها لتشكل وجه الماضي الجميل وتعكس طريقة حياة الناس قبل أن يدخلوا ركب الحياة الحديثة ويكتشفوا حدوداً غير حدود جبالهم العالية التقينا خالد علي سعيد محمد غريب مدير قرية حتا التراثية ليحدثنا عنها قائلاً «تمثل القرية مساكن أهل حتا في الماضي في موسم الشتاء، فهذه المباني الطينية كانت تحميهم من البرودة.

أما في الصيف فكانوا يصيفون في النخيل، وتضم القرية حوالي ثلاثين مبنى منها المسجد القديم الذي يعود تاريخ بنائه على أكثر من مئتي عام وكذلك الحصن الذي تم إنشاؤه على يد المغفور له الشيخ مكتوم بن حشر آل مكتوم إضافة إلى البيوت المختلفة والقلاع التي يعود تاريخها إلى حوالي خمسمئة عام، وقد مثلت قرية حتا وجها من وجوه تاريخ دبي المشرق، حيث كانت مركزاً للأنشطة والفعاليات التراثية.

توجهنا بحديثنا نحو اثنين من أبناء حتا عاشوا فيها تجربة الماضي بعاداته وتقاليده وآثروا أن يرتبط عملهم بهذا الماضي فانضموا إلى فريق العمل في قرية حتا التراثية، يقول هاشم محمد العبد: في الماضي كانت عيشتنا تعتمد على الزراعة مثل زراعة الذرة والغليون وكنا كذلك نجني العسل بأنواعه مثل عسل البرم وعسل السدر وعسل العشب.

وكانت حياة الناس بسيطة لا تتطلب الكثير من المال فمهر المرأة قليل وتكون قانعة بما يتوفر من رزق، وكان الرجل يشتري كندورة واحدة ويكتفي بها، فضلاً عن أن التواصل والتقارب بين الناس يجعل الأمور سهلة، فكل شيء يتم بالتعاون وهم يساعدون «المعرس» وكبير السن والمحتاج ولا يتركون أحداً يبني بيته وحده، لهذا كانت حياة الناس في الماضي تقوم على التكافل الاجتماعي.

ويقول عبدالله سلطان بن مساعد كانت حتا منذ زمن طويل أرضاً خصبة تكرم أهلها وضيوفها، وقد كان الناس يأتون إليها من الصحراء ليقيظوا فيها بالاتفاق مع أهلها، فيأتي «حضاضير» من دبي «ليحضروا» في حتا ويقيمون فيها ثلاثة أشهر وكان أهل حتا يبنون لهم بيوتاً، أو عرشاناً من السعف ويوفرون لهم ما يحتاجونه من رطب وماء وحليب وكامي ويعيشون معهم في البساتين على ما توفره الأرض ولا يأخذون مقابلاً على ذلك.

وكان الرجال يهتمون بزراعة الأرض والاستفادة منها بينما يكون عمل المرأة في البيت فهي تحطب وتروي وتسف الخوص وتحلب وتصنع الكامي واليقط وتخيط ثيابها وثياب عيالها وتكون حياتها بسيطة تكتفي بما قسم الله لها ولأهلها.

وعن شهر رمضان المبارك يقول ابن مساعد: حين يكمل الناس عدة شهر شعبان ويتحرون الهلال ويصومون الشهر الكريم ويفطرون رباعة ويصلون في المساجد القديمة في حتا وهما مسجد النخيل ومسجد الحيل، وكان المطوع المرحوم السيافي الذي يعلم الأولاد قراءة القرآن وحفظه وحين يقبل العيد ويتأكدون منه يجهزون أنفسهم ويصلون صلاة العيد في المصلى قرب القرية التراثية الحالية.

وكان إفطار الناس في رمضان بسيطاً مما قسمه الله للناس وغالباً ما يتكون من التمر والبثيث أو الفريد أو العيش واللحم ويتناولون العشاء بعد التراويح، حيث يجتمعون للحديث وشرب القهوة وتبادل الأخبار ومناقشة أمور الدين والدنيا.

ويتحدث ابن مساعد عن ألعاب الأطفال قائلاً: كان للصبيان ألعاب وللبنات ألعاب أخرى، وهي ألعاب بسيطة ليست كما نجدها اليوم، حيث ترى الالكترونيات والدمى المتحركة والسيارات وغيرها، ومن الألعاب المعروفة في ذلك الوقت (الكرابي) وهي لعبة يلعبها الصبيان حيث يتعاركون بيد واحدة ورجل واحدة وكذلك لعبة «القبة» و«التبة» و«المعكال».

ونعود إلى منطقة حتا وجبالها ومواقفها فيقول: «كانت حتا تقع بين جبلين لذا سميت «الحجرين» ويقال انها سلسلة جبال حجر ولا تنفصل إلا في حتا، وهي منطقة جبلية تجد الجبال محيطة بها أو تتوسطها مثل جبل الحدة أبو السماسيم، العامد، أبو سبعة، اليمح، مدكين، ووادي حتا هو الوادي الذي يقع الآن فيه سد حتا، كذلك توجد وديان وشعاب أخرى منها وادي الغبرا، أو المجرة ووادي قيمة ووادي دخلة، وشعبة «أبو صفا» وشعبة مدكين وشعبة مكن والشوعى وسهيلة وشعبة عبيد وشعبة شراك وشعبة يبسة والودى وعيان والمندس والضبعي وكذلك شعبة الغول التي يقال انه كان فيها غول يسكنها، وهذه الأسماء للمواقع كانت ضرورة لأنها تمثل نقاط دالة للقاءات الناس وحركتهم في المنطقة، وكان في كل منطقة تجتمع الناس «سبلة» يتجمعون فيها ويتبادلون الأخبار والأحاديث».

ويتحدث هاشم محمد العبد عن التداوي قديماً فيقول: كنا نتداوى بالوسم والأعشاب والرقية ولم نكن نعرف الطبيب أو الأدوية الحديثة، أو الإبر، فالناس يعيشون قريباً من الطبيعة، فإذا لدغ أحدهم «حنيش» أو عقرب توجد رقية خاصة تُقرأ عليه، ويدهنون مكان اللدغة «بالحل» ويسقونه «روب» لكي يخرج السم من جسده، وكانوا يتداوون بالأعشاب الموجودة مثل اليعدة والحرمل والحلول وكذلك يتناولون العسل ليبعد عنهم الأمراض فهو غذاء ودوداء ويتعالج الناس بالوسم فيوجد رجل يعرف طرق الوسم الصحيحة ليعالج المريض من علته حتى لو كانت شديدة مثل «اللصة» والعياذ بالله، وبالنتيجة كان الاعتماد على الله ف�� الصحة والرزق وكل تفاصيل الحياة لأنه المعين في كل شيء.

خرجنا مع دليلنا أحمد البدواوي نحو السدود الموجودة في المنطقة وهو يحدثنا عن السدود الموجودة في حتا قائلاً: «توجد عدة سدود منها سهيلة وصعير والجيما والمصلى والسلمي فضلاً عن المنطقة أن تعد وجهة سياحية مهمة يأتيها السياح من أبناء الإمارات المختلفة وكذلك الوفود السياحية التي تزور الدولة لما يتمتع به المكان من جمال كانت عيوننا تحدق بجمال الطبيعة الذي امتدت إليه يد البشر فزادته حسناً حتى تجد أن حتا منطقة تدعو إلى العودة إليها فلا تشبع منها الزائر ولا تبخل بحسنها على الناظرين.

استطلاع: دلال جويد