من الصعب الدنو من أي من أنواع العلوم وأي ضرب من ضروب الفكر في التراث العربي الإسلامي، من دون ان يكون الحديث عن ابن سينا، الشيخ الرئيس، حديثا أساسيا فيه. واذا كان ابن سينا قد جرى الكلام عنه كثيرا كعالم وفيلسوف وحكيم، يشكل مع نفر من زملائه، إضافة الفكر العربي الى فلسفة العالم، فإن الحديث عن ابن سينا، الطبيب المداوي لا يقل أهمية عن ذلك... خصوصا ان كتابه «القانون» هيمن على الفكر الطبي في العالم قرونا طويلة.
لنقرأ أولا الحكاية الآتية: «كان احد أقارب حاكم جرجان مريضا بمرض حار الأطباء في تشخيصه فاستدعي له ابن سينا. ومن فوره لاحظ هذا ان المريض شاب تبدو عليه علامات الضنى. ففحصه فحصا دقيقا، لكنه لم يشاهد عليه أية أعراض تفسر ضعفه الشديد. وهنا لجأ الشيخ الرئيس الى توجه آخر في جعبته كان هو اختصاصيا فيه في زمنه. وربما كان من أوائل اختصاصييه العلميين على مر الأزمان: لجأ الى ما يسمى اليوم العلاج النفسي: سأل أن يؤتى الى مستوصفه بعمدة المنطقة.
وسأل العمدة ان يعد أمامه أحياء المدينة ومناطقها. وفي الوقت الذي كان العمدة يستجيب الى ذلك الطلب مدهوشا وقد خيل إليه ان الطبيب قد جن. كان ابن سينا ممسكا نبض المريض. ولسوف يشرح ابن سينا الأمر لاحقا حيث انه لاحظ انه في كل مرة كان فيها العمدة يأتي على ذكر محلة معينة بالمدينة، كان نبض المريض يزداد حدة وحركة.
بل كان يصل الى مستوى مدهش. وعند ذلك واصل الطبيب مسعاه طالبا من العمدة ان يعدد البيوتات وأسماء أصحابها في تلك المحلة نفسها ففعل. ولما وصل العمدة الى ذكر اسم بيت معين، تفاقم نبض الشاب بشكل عجيب. إذاك طلب ابن سينا من العمدة ان يذكر أسماء أهل البيت، ففعل العمدة ذلك وقد ازدادت دهشته حتى وصل الى اسم بنت من أهل البيت.
وهنا ما ان ذكر اسم هذه البنت حتى انتفض الشاب مضطربا، بحيث ان ابن سينا لم يعد في حاجة الى الإمساك بنبضه. بل ابتسم ابتسامة عريضة وهو يقول ان مرض هذا الشاب هو الغرام، وان شفاءه عند ذلك البيت وعند تلك الفتاة. وبالفعل حل العمدة المسألة وزوجهما وشفي المريض.
في باب مخصص للعشق في كتاب ابن سينا «الشفاء» تأكيد موارب لهذه الحكاية، إذ يقول المؤلف: «لقد أصبح من الممكن التوصل الى معرفة المعشوق إذا إصر العاشق على عدم الكشف عنه. وهذا الكشف هو إحدى طرق العلاج». يضيف ابن سينا «لقد جربت هذه الطريقة مرارا وتكرارا... جربنا ذلك بأنفسنا وتوصلنا الى معرفة معلومات مفيدة».
ترى هل نحن بعيدون كثيرا هنا عن احدث وسائل اكتشاف الكذب عن طريق الآلات؟ حسنا لن نقول ان ابن سينا كان أول مكتشفي هذا الأسلوب الفعال، ولا انه يقف خلف اختراع هذه الآلة.
لكننا نقول ان ابن سينا كان من اكبر واهم المجددين في عالم الطب على مر العصور. من هنا لم يكن من المدهش والغريب ان يظل «القانون» وهو احد أهم وأشهر كتبه في هذا المجال، إضافة الى «الشفاء»، والى زمن قريب الكتاب المعتمد في تدريس الطب، ثم خصوصا الطب النفسي في جامعات أوروبا اللاتينية. بل ان اسم الكتاب صار على مر الزمان مصطلحا معتمدا في مجاله.
ونعرف ان ابن سينا لم يكن طبيبا، أو صاحب نظريات في الطب فقط، بل كان أيضا، وخصوصا، فيلسوفا مفكرا، جابه الغزالي في «تهافت الفلاسفة» كما كان احد كبار ناقلي الفلسفة اليونانية الى عالم الإسلام، تطبيقا وبشكل نظري. غير أننا هنا نتوقف عند ابن سينا الطبيب،لأن جانبه الفلسفي قد طغى دائما على سمعته. ولعل أول ما يجدر بنا ان نقوله هنا هو ان ابن سينا،الذي عرف دائما بـ «الشيخ الرئيس» كان من أوائل الذين اتبعوا في تشخيصهم للأمراض الوسائل والأساليب التي لا تزال معتمدة في أيامنا هذه.
فإذا كنا ذكرنا هنا تشخيصه النفساني الفذ، فإنه لا بد لنا من التذكير أيضا ان من ضمن انجازاته، الاهتمام بتشخيص الأمراض عن طريق فحص إفرازات الجسد السائلة مهما كان نوعها. وكان من أوائل الذين أوصوا في كتاب «القانون» تحديدا ،بأن فحص البول على سبيل المثال، لمعرفة حالة مريض ما يجب ألا يكون المريض قد شرب ماء قبل إجراء الفحص أو أكل طعاما، أو تناول صابغا من مأكول أو مشروب، فان ذلك يحيل لون البول الى حمرة أو صفرة».
طبعا ليس هذا سوى نموذج بسيط لأمور، قد تبدو اليوم بديهية، لكن يصح السؤال: «هل كانت ستكون كذلك لولا إسهامات ابن سينا في «القانون» تحديدا؟» من هنا لا يبدو غريبا ان يقول جورج سارتون، أشهر مؤرخي العلوم في زمننا أن «ابن سينا هو من أعظم علماء الإسلام، ومن أشهر مشاهير العلماء في تاريخ العالم». أما مؤرخ الحضارة الإسلامية روم لانداو فيقول ان ابن سينا في طليعة العبقريات في الطب وفي العلوم الأخرى التي اشتغل فيها.
وإذا كان ابن سينا المولود قرب بخارى في العام 1180، والراحل عن 58 عاما، قد برع في الطب فإن المؤكد انه «عالج تأدبا لا تكسبا» كما يقول المؤرخون. والمدهش ان كبار أطباء زمنه قد تعهدوه وهو بعد في السادسة عشرة يدرسون عليه ويستفيدون منه.
أما بدايته كطبيب معالج، فكانت حين مرض الأمير نوح بن نصر الساماني وحار الأطباء بعلته، فاستدعي ابن سينا وتمكن من شفائه بطرق علمية فنال عنده حظوة، أسست لسمعته ومكانته وكانت بداية رحلته الطويلة في العمل والحياة، رحلة حكاها هو للجوجزاني كاتب سيرته لاحقا.
