الاعتكاف سنة من السنن المستحبة وقد داوم النبي صلى الله عليه وسلم عليه حتى وفاته كما ورد في حديث أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ «أن النبي كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله» والأصل في مشروعية الاعتكاف قول الله تعالى «ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد» صدق الله العظيم.
والاعتكاف جائز في أيام السنة ولا يختص به رمضان، وإن كان الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان أكثر من غيرها لفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم في حديث عائشة.
ويبني الكتاب وهو «فقه الاعتكاف» لمؤلفه د. عمرو عبدالمنعم سليم شروط الاعتكاف كما ورد في حديث لأم المؤمنين عائشة «السنة على المعتكف: أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع».
ويتناول المؤلف شروط الاعتكاف بشيء من التفصيل فيقول عن الصيام.. الظاهر أن هذا القول على الاستحباب أو أنه من رأي أم المؤمنين عائشة، وليس هو السنة التي ذكرتها - رضي الله عنها - في أول الحديث كما يدل السياق، وقد تقدم حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه - أنه قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «أوف نذرك» فاعتكف ليلة.
وقد استدل به الإمام البخاري - رحمه الله - على عدم وجوب الصوم للاعتكاف إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب بأن يوفي نذره فاعتكف ليلا وهذا لا يقتضي الصوم كما يدل اللفظ وأما شيخ الإسلام ابن القيم فرجح اشتراط الصيام للاعتكاف فقال رحمه الله. في زاد المعاد «لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف مفطراً قط، بل قد قالت عائشة: لا اعتكاف إلا بصوم، ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مع الصوم فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف: أن الصوم شرط الاعتكاف وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية.
أما عن القول بأن لا اعتكاف إلا مع صوم منقول بأسانيد صحيحة عن جماعة من السلف منهم عائشة كما تقدم ففيه روايتان عن أحمد بن حنبل أصحهما أنه مستحب وهي رواية بن حنبل وأبوطالب وعلي بن سعيد وهو ظاهر رواية إسحق النيسابوري وأما قولهم أن الله عز وجل لم يذكر الاعتكاف إلا مع الصوم فليس في الآية ما يقتضي تلازمهما وإلا لكان لا صوم إلا باعتكاف.
أما عن شرط المسجد الجامع فيذكر المؤلف أن المقصود بالمسجد الجامع هو المسجد الذي تقام فيه الصلوات جميعا والدليل على اشتراطه قوله تعالى «ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد».
أما من خصص هذه المساجد بما ورد في بعض الروايات الضعيفة من حديث حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أنها المساجد الثلاثة فليس بصحيح، بل هذا القول مخالف لعموم الآية المتقدمة.
أما قول لا اعتكاف إلا في مسجد فيرى المؤلف أن هذه الرواية على أصول المتقدمين شاذة فقد تفرد بها همام بن يحيى وليس هو من أصحاب قتادة الإثبات الثقات وقد عد البرديجي تفرد أحد الإثبات الثقات الحفاظ من أصحاب قتادة عن قتادة بالخبر، لا يشاركه فيه أحد من باقي الأصحاب منكرا فيما نقله عنه الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمزي، والى ذلك يشير كلام الإمام مسلم في مقدمة الصحيح حيث ذكر هذه القاعدة على العموم ومثل لها بالزهري وهشام بن عروة فإذا كان هذا هو الحال في حديث الطبقة الأولى من أصحابه فكيف بطبقة الشيوخ عنه.
أما عن مسألة الاعتكاف في المساجد التي في البيوت فقال قد أجاز بعض السلف من التابعين الاعتكاف في المساجد التي في الدور لكن يخالفهم في ذلك من قال من الصحابة: لا اعتكاف إلا في مسجد جامع وهو قول أم المؤمنين عائشة وابن عباس رضي الله عنهما ويجوز الاعتكاف إلا في المساجد التي تقام فيها الجمع والجماعات وغالبا ما تكون مساجد الدور مغلقة في الجمع فيحتاج المعتكف أن يخرج من اعتكافه لصلاة الجمعة.. نعم قد أجاز بعض أهل العلم خروج المعتكف لصلاة الجمعة وهو قول مبني على من قال بجواز الاعتكاف في مسجد البيت وقد تقدم ما فيه من الضعف.
أما عن شرط ترك الخروج من المعتكف إلا لضرورة ملحة جدا فيقول انه قد صح عن جماعة من السلف أنه لا يجوز للمعتكف أن يبيع أو أن يبتاع أو يخاصم أحد أو يخرج لغير حاجة ملحة كقضاء الحاجة أو لتوصيل نساء إن خيف عليهن في الطريق أو لصلاة الجمعة ونجوها على قول طائفة.
وعن شرط ترك الرفث إلى النساء يقول إن جماع المعتكف امرأته أو مباشرته لها يبطل اعتكافه، وعن خروج المرأة للاعتكاف فهذا مشروط بأمنه الفتنة وانتفاء الضرر بخروج أو للاعتكاف وإذن الولي لها لاسيما إن كانت ذات بعل فإنه لا يجوز لها الخروج للاعتكاف إلا بأمره وإذا لم يكن في خروجها ضرر عليها أو على غيرها كأولادها مثلا أو من يلزمها تدبير شؤونهم.
وحول الوقت الذي يبدأ فيه المعتكف الشروع في اعتكافه يذكر الكتاب أن المعتكف يشرع في اعتكافه بعد صلاة الصبح مباشرة فورد عن أم المؤمنين عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان في مكانه الذي اعتكف فيه وكان يضرب له خباء في اعتكافه هي خيمة صغيرة شريطة ألا تشغل المكان بما يضيق على المصلين ولذلك يستحب أن تكون في آخر المسجد أو الأماكن التي لا تعطل المصلين.
