ترجمت الرواية إلى عدة لغات حية، وطبعت طبعة خاصة بلغة »بريل« لفاقدي البصر. ثم تحولت الرواية في اميركا إلى فيلم سينمائي سنة 1930 وعرض في المانيا.. الفيلم أثار غضب النازيين فهاجموا دار السينما التي تعرض الفيلم وأثاروا الشغب حتى منع الفيلم .! ثم أحرقت الرواية .

وهنا يتعرض ريمارك إلى حرب معلنة وأخرى خفية أخذت أشكالاً متعددة وكونت عاملاً دعائياً للرواية ساعد على انتشارها. ولكن ريمارك يشعر أيضاً بالخطر النازي الزاحف على السلطة في ألمانيا وبالتالي الخطر عليه شخصياً فيهاجر ويقيم في سويسرا سنة 1931 ويصبح أول المنفيين بسبب النازية وهتلر..! وحرم من الجنسية الألمانية. ثم هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية وحصل على الجنسية الأميركية، لكنه عاد إلى سويسرا سنة 1948 وبقى فيها إلى أن توفي ودفن سنة 1970.

وعندما ازداد عدد الكتاب المنفيين اختياريا أو إجبارياً فضلاً عن العديد من الكتاب الألمان في داخل ألمانيا الذين يتخذون مواقف مناهضة للنازية دفع جوزيف غوبلز مؤسس المركز النازي ووزير الدعاية الألمانية فيما بعد إلى محاولة كسب ود هؤلاء وأولئك وسط مشاعر الكره المتبادل بينه وبينهم، فيبعث بمن يعرض على ريمارك العفو عنه في حالة عودته إلى ألمانيا لكن ريمارك يرفض ويصبح العداء علنيا.

بل ويتعرض غوبلز إلى السخرية بسبب رواية «لا جديد في الجبهة الغربية». فقد صدرت قصة مطولة في جريدة ألمانية. فولكش بوباختر بعنوان «ليل في الجبهة» مرسلة من الخارج وتحت توقيع مستعار، مرفقة بمقدمة تقول: بعد أكاذيب الناس من أمثال ريمارك ننشر هنا تجربة إنسان عاش الحرب فعلا، وبعد قراءتها لا يستطيع الإنسان إلا أن يقول : هكذا كانت الحرب. وبعد الاطلاع على القصة تبين أنها جزء مهم من رواية لا جديد في الجبهة الغربية مما أثار غضب غوبلز الشديد.

وريمارك كان قد كتب روايته وهو يعيش في غرفة واحدة مع زوجته، غرفة مليئة بالدخان وسط حمى الكتابة وحمى زوجته المريضة التي لا يمتلك أجرة إدخالها المستشفى وعلاجها، ريمارك المحرر البسيط في مجلة الرياضة المصورة التي تهتم بالحياة الاجتماعية والتي تعتبر مجلة الطبقة الراقية التي لم يكن ريمارك منتميا إليها فهو ينحدر من أسرة فقيرة، ماتت أمه وهي صغيرة 42 سنة وتركت ريمارك فتى صغيرا أشقر الشعر، محبا لبلده وبرلين الصاخبة.

وريمارك ولد في مدينة أوسنابروك الصغيرة وسرعان ما أصيب فيها بالكآبة فترك وظيفته هناك ورحل وامتهن عدة أعمال، عمل محاسبا ومراسلا ودلالا، وكاتبا في عدة صحف، ومدرسا وعازفا على الكمان في مستشفى للأمراض العقلية لتلطيف الأجواء للمرضى، لكنه ترك ذلك العمل لينتقل إلى بيع رخام القبور والتماثيل التذكارية للجنود. وفي تلك الفترة بدأت مراسلاته للصحف والمجلات، يبعث إليهم بكتاباته التي كثيرا ما كانت ترجع إليه دون نشر فيكلفه ذلك حزنا مضاعفا.

ولم يكن متأكداً أن روايته الأولى يمكن أن تحقق ذلك الانتشار والصدى. فهي ما إن ظهرت مسلسلة في إحدى الصحف التابعة لدار أولشتاين حتى كان لها جمهورها المتابع لها بحماس. فريمارك تحدث في روايته عن شاب ألماني يدعى باول بويمر يتطوع للحرب، بويمر يمثل كل الألمان الذين تطوعوا للحرب وعاشوا ويلاتها واكتووا بنيرانها موتى وجثث مقطعة في كل مكان، خراب ودمار يحيط بك من كل جانب، صراع مع كل شيء حولك، وصراع آخر قوي يجري داخل الإنسان، مع ذاته، وسؤال كبير يطرح نفسه:

ماذا يجني الإنسان من الحرب؟ يصاب بويمر للمرة الأولى ثم يشفى ويعود للحرب من جديد ثم يصاب للمرة الثانية ويدخل المستشفى فيحدث نفسه: عمري الآن 22 سنة ولا أعرف سوى اليأس والموت والخوف والمعاناة، الشعوب تقتل بصمت!!

وبويمر واحد من تسعة عشر طالبا ينتمون إلى صف دراسي واحد تطوعوا للحرب بتأثير من مدرسهم الذي بث فيهم الروح الوطنية ويسميهم بالشباب الحديدي. هذه الروح المعنوية العالية هي التي تجعلهم يصبرون في البداية على تحمل قسوة التدريب وغطرسة مدربهم الضابط هيملشتوب.قبل أن ينتقلوا للجبهة حيث يواصل تدريبهم الضابط المحبوب ستانيسلاس والذي ينادونه كات.

هيملشتوب لم يستثنِ أحدا من إهاناته، حتى أنه أهان مرة متطوعا أباه وزير دون أن يدري، فدفع منصبه ثمنا لذلك وأرسل إلى الجبهة. هناك أحس بالخوف فهو كان قد أهان الجميع ويمكن أن يغدر به أي واحد منهم هنا، بينما الضابط ستانيسلاس أو كات كما ينادونه فإنه يقوم ببعض الألاعيب والحيل وقت الفراغ ليرفه عن الجنود الذين يكنون له الحب والمودة بل ويشرك الجميع في عمل الطبخ الجماعي بما فيهم الضابط هيملشتوب.

وريمارك مؤلف الرواية نفسه خاض تجربة الحرب وأصيب مرتين أيضاً كبطل روايته نفسها!! ومن هنا نجد المؤلف يكتب ما عاشه من تجربة الحرب من خلال بطل روايته، الصواريخ التي تضيء الليل دوي المدافع والدبابات، أصوات الرصاص المتواصل، صراخ الجرحى وبكاؤهم، انفجار الألغام وتناثر الأشلاء، صور القتلى والدمار المحيط بهم. اليأس والإحباط الذي يعانيه المقاتلون، الموت والخوف بأشكاله التي عهدها المؤلف على أرض الواقع.

آلام الإنسانية وبؤسها كلها تتجمع هنا وهناك في ساحات الحرب غير المجدية. ويعود بويمر بطل الرواية للحرب من جديد بعد الإصابة الثانية ثم يستشهد في نهاية الحرب وبالتحديد في أكتوبر 1918، في يوم هادئ، لم يهتم أحد لذلك، فالخبر لم يتعد حدود الكتيبة.. وكأنه لا جديد في الجبهة الغربية، فبويمر كان يرقد على الأرض كالنائم، وتعابير وجهه هادئة كهدوء ذلك اليوم، لكنه قد فارق الحياة إلى الأبد.