أصبحت دبي منذ نهاية الستينات تحتل مركزا اقتصاديا حيويا على خريطة الخليج ومنطقة الشرق الأوسط. فقد تحول ميناؤها إلى ميناء مزدهر تفد إليه تجارة الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية والشرق الأقصى، وتحولت موانئها إلى خلية نحل تعمل ليلا ونهارا.

فقد تحولت هذه الموانئ إلى مراكز تجارية مهمة تخدم منطقة الخليج والشرق الأوسط بأكمله. وتوافدت عليها الكثير من الجاليات الأجنبية بعضها راغبة في العمل والبعض الآخر في الاستقرار في هذه المنطقة. وقد استطاعت دبي أن تبني لنفسها بيئة اقتصادية متميزة جذبت إليها الكثير من العمالة.

سياسيا حظت دبي في الستينات بمكانة مرموقة وبيئة سياسية هادئة أهلتها أن تلعب دورا حيويا في مفاوضات قيام الاتحاد. فقد حظت دبي بقيادة حكيمة لعبت دورا مهما في دفع عجلة مباحثات الاتحاد، الذي ولد في 2 ديسمبر 1971، قدما وللأمام.

؟ الوحدة والاتحاد

في الثاني من ديسمبر 1971 شهدت الساحة العالمية مولد أحدث دولة خليجية مستقلة تظهر على ضفاف الخليج. فبعد مفاوضات شاقة لجمع شمل الإمارات الخليجية الصغيرة التسع في اتحاد واحد وبعد فشل ذلك الاتحاد لم يبق أمام الإمارات السبع الصغيرة والتي كانت تعرف باسم الإمارات المتصالحة إلا الانضمام إلى اتحاد واحد يحميها ويلم شملها خاصة وأنها خلال تاريخها الطويل قد شهدت محاولات وحدوية لم تكلل بالنجاح نظرا لظروف المنطقة السياسية والاقتصادية.

كانت المنطقة منذ العام 1968 تبدو وكأنها مقبلة على عصر جديد من عصورها التاريخية. فقد أعلنت بريطانيا في ذلك العام عن رغبتها في الانسحاب من منطقة شرق قناة السويس بأكملها بحلول نهاية عام 1971. وكانت السيطرة البريطانية على هذه المنطقة قد دامت لقرون طويلة فلا غرو أن يأتي الإعلان البريطاني لعام 1968 مفاجأة ليس فقط للمراقبين لتطور الأوضاع في المنطقة ولكن أيضا لحكام الخليج جميعهم. فقد ظهر مع القرار البريطاني ما يسمى (الفراغ السياسي) الذي سيخلفه هذا الانسحاب المفاجئ، ولذا كان هناك تخوف من قبل دول الخليج على الأمن في المنطقة.

لم تكن القيادات الوطنية في الإمارات آنذاك غافلة عن الدور الذي سوف يلعبه الاتحاد في لم شمل الإمارات وحماية مصالحها الوطنية بل كانت هذه القيادات واعية للدور الذي سوف تلعبه الوحدة في حماية مصالح شعوبها. ففي يناير 1968 قام كل من المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم إمارة دبي والمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم إمارة أبوظبي بإصدار بيان مشترك حول النقاش الذي جرى مؤخرا بينهما حول مصالح بلديهما.

وقد هيأ هذا التفاهم بين الإمارتين لاجتماع جرى في فبراير 1968 وعرف باجتماع السميح. ففي منطقة السميح الحدودية الواقعة بين إمارة دبي وإمارة أبوظبي التقى الحاكمان وقررا إقامة اتحاد بينهما ودعوة المشيخات الخليجية الأخرى للانضمام لهما. ففي 28 فبراير 1968 انعقد ذلك اللقاء التاريخي واستمرت الاجتماعات ثلاثة أيام صدر بعدها مشروع «اتحاد الإمارات العربية». وتقرر تشكيل لجنة تحضيرية من المستشارين والخبراء لإعداد جدول أعمال الدورة الأولى للمجلس الأعلى للحكام. وقد رحبت إمارات جميع الإمارات المتصالحة بهذا المقترح كما رحبت به كل من قطر والبحرين اللتين دعيتا للانضمام لهذا ال��تحاد.

وخلال مايو 1968 عقدت العديد من الاجتماعات للمجلس الأعلى في أبوظبي في محاولات للتوفيق بين الآراء ومصالح الإمارات التسع والتي سوف تكون هذا الاتحاد. وبذلت محاولات كبيرة في سبيل تفسير نصوص «اتفاقية الاتحاد» وشرح اختصاصات المجلس الأعلى للحكام والدور المنوط بكل إمارة.

وكان من الواضح أن الطريق طويل وشاق أمام اتحاد تساعي خاصة في ظل الضغط البريطاني وبالتعجيل في مفاوضات الاتحاد وضرورة التوصل إلى قرار سريع بشأن الاتحاد. وفي السنوات 1970/ 1971 بدا واضحا أن كلا من قطر والبحرين، واللتين كانتا قد بدأتا في تنظيم شؤون الإدارة الداخلية في بلديهما تفضلان الاستقلال. ولما كان التاريخ الذي أعلنته بريطانيا للانسحاب بات وشيكا كان على المشيخات المتصالحة أن تتخذ خطوة سريعة وحاسمة.

وقد لعب كل من الشيخ راشد والشيخ زايد دور الدينمو في دفع عجلة الاتحاد سريعا نحو التبلور والظهور. وفي الأول من ديسمبر 1971 أعلن في أبوظبي عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة وفي الثاني من ديسمبر وقعت في دبي اتفاقية إنهاء الوجود البريطاني والذي دام قرونا. وهكذا بدأت بمولد الاتحاد صفحة جديدة في التاريخ المعاصر لمنطقة الإمارات عامة ودبي على وجه الخصوص.

* ترسيخ دعائم الاتحاد

منذ ميلاد الاتحاد ودبي تلعب دورا رئيسيا في ترسيخ دعائم هذا الصرح الوطني والذي أثبت منذ عقده الأول أنه أنجح تجربة وحدوية في العالم العربي المعاصر. ولم تأل دبي جهدا في سبيل توفير كل الوسائل الممكنة لجعل الاتحاد واقعا معاشا. وقد تولى الشيخ راشد، حاكم دبي منصب رئيس الوزراء وليصبح بذلك أول رئيس وزراء للاتحاد.

احتاج الاتحاد في سنواته الخمس الأولى لتكاتف الجهود الوطنية لإزالة كل الصعوبات التي ظهرت في طريقه وتهيئة السبل الكفيلة لإنجاحه. كانت الميزانية الاتحادية تمثل تحديا حقيقيا للاتحاد خاصة في سنواته الأولى. ولكن حكمة كل من الشيخ زايد بن سلطان رئيس الاتحاد، ونائبه الشيخ راشد وضعت حدا لهذه الصعوبات. من ناحية أخري واجه الاتحاد، كأي كيان سياسي ناشئ قضية التنمية البشرية.

فلم يكن التعليم قبل قيام الاتحاد متطورا بالحد الذي يوفر للأمارات عمالة فنية ماهرة. وكان على الإمارات أن تعمل مجتمعة لإيجاد الحلول المناسبة لهذه المشاكل. وقد بدأ واضحا أن هناك تفاهما كبيرا بين الإمارات على المسائل والقضايا المشتركة. كما أظهر الحكام مرونة كبيرة تجاه الكثير من القضايا المسببة للخلاف. وفر ذلك التفاهم للاتحاد بيئة صحية للنمو والتطور وسرعان ما أصبحت ركائز الاتحاد قوية وواضحة وإنجازاته دليلا على قوته السياسية والشعبية. كما تعود قوة الاتحاد إلى تضافر جهود مؤسسات الحكم في كل الإمارات وتلاحم القيادة مع الشعب هذا بالإضافة إلى النهج المتفرد لكل من ر��يس الدولة ونائبه.

* رافد اقتصادي

منذ قيام الاتحاد ودبي تلعب دور العاصمة الاقتصادية والتي يكمل دورها دور أبوظبي العاصمة السياسية للاتحاد. كانت دبي منذ عقود تدرك أن الاعتماد على مورد اقتصادي وحيد قضية خطرة، ولذا حاولت دبي منذ القدم تنويع اقتصادها. فقد اعتمدت دبي على التجارة وعلى إعادة التصدير أو ما يعرف باسم تجارة الترانزيت. وعلى الرغم من أن النفط أصبح منذ اكتشافه المصدر الرئيس للدخل إلا أن دبي لم تفقد جديتها في التفكير في مصادر بديلة للدخل وتنويع دخلها.

كانت السياحة حلماً من أحلام دبي، ولكن دبي لم تكن تملك أياً من مقومات السياحة الحقيقية التي تمتلكها الدول الأخرى. بالإضافة إلى ذلك لم تكن ظروف الطقس الصحراوي الحار تسمح بظهور بنية سياحية قادرة على المنافسة العالمية. لذا كان مجرد التفكير في تحويل دبي إلى وجهة سياحية أمرا يثير قدرا كبيرا من الاستغراب وعدم التصديق. ولكن دبي والتي عرفت منذ الخمسينات بلقب « فينسيا الخليج» كانت مصممة على كسر الكثير من المعتقدات الفكرية والانطلاق محلقة نحو فضاءات عالمية متميزة لتصبح وفي فترة زمنية بسيطة إحدى أهم الوجهات العالمية المرغوب فيها. إن ذلك يوضح تصميم دبي الأكيد على تحقيق المعجزات.

ترصدها: د. فاطمة الصايغ