يأتينا شهر رمضان المبارك كل عام في مظاهرة رائعة قوامها الحب والايمان والتراحم والترابط، ورغم علمنا وقناعتنا أن حكمته تتجلي في الإحساس بالفقراء وما يعانوه من شظف العيش إلا أننا وكعادتنا نبالغ في الإسراف ونسوق المبررات والحجج التي تجعلنا نقنع أنفسنا أحيانا بزيادة الإنفاق لنميز هذا الشهر الكريم عن باقي شهور السنة.
وحول ميزانية الأسرة في شهر رمضان وكيفية تحديدها وأوجه إنفاقها دار هذا التحقيق الذي يؤكد في خلاصته الدكتور عبدالعزيز علي حسن استاذ التسويق في جامعة دبي أن الشريعة الاسلامية هي ضد زيادة الانفاق.
الظروف المعيشية هي التي تحكم العادات والتقاليد هكذا بدأت حديثها معنا فاطمة محمد إسحاق رئيسة قسم شركات التأمين في وزارة الاقتصاد والتجارة وأضافت ان التسوق في شهر رمضان متعة في حد ذاتها، فعندما يتزاحم الناس في الأماكن المخصصة لشراء السلع الغذائية أو غيرها يجعلهم جميعا في حالة توحد، فنحن نستهلك كميات مضاعفة من السكر والأرز والسمن والدقيق والحلويات والمكسرات والتمر والفواكه، وملابس العيد، والتحكم في ميزانية هذا الشهر درب من الخيال فهي تزيد بنسبة 50% عن الشهور العادية.
وتؤكد فاطمة إسحاق أنها مع تضاعف الإنفاق ولكن بشرط ألا يكون على شكل تبذير لا فائدة منه، أو نجد أنفسنا نلقي بالطعام في القمامة دون أن يستفيد منه أحد.
* لا يمكن التحكم في ميزانية رمضان
يؤكد الدكتور شريف صقر أخصائي الأمراض الجلدية والتناسلية في مستشفى دار الشفاء في أبوظبي أن تحديد ميزانية خاصة في شهر رمضان أو محاولة تنظيم الإنفاق تقابل بالفشل، وازدياد أسعار المواد الغذائية تجعل نسبة الإنفاق تزداد دون أن ندري، فالمكسرات واللحوم وفوانيس رمضان والسهر في الخيام الرمضانية وكعك العيد وملابس العيد وغيرها تجعل معدل الإنفاق يرتفع بشكل كبير حتى لو حرصنا على التحكم فيما نشتريه، ولهذا نجد أنفسنا نتجه إلى الإسراف الذي يتنافى مع حكمة الشهر الفضيل وهي الزهد في الحياة.
ويوضح المهندس زكي عبد الرحمن عبد الغفور رئيس إدارة التموين والشحن في دائرة التسويق في شركة أدجاز انه لا يحدد ميزانية خاصة بشهر رمضان ويتركها على البركة، وغالبا تقوم زوجته بشراء ما يلزم من الطلبات «بالكريدت كارد»، أي من الحساب الموجود في البنك دون الرجوع إليه، وهو ما بين مؤيد ومعارض لزيادة الإنفاق في شهر رمضان فيرى أن قلة الإنفاق تتماشى مع حكمة الصيام وفي الوقت نفسه تأتي زيادة الإنفاق للاحتفال بهذا الشهر والفرح ببهجته التي تساهم في اقتراب المسلمين من بعضهم وتوادهم وتراحمهم وإدخال البهجة على نفوس الفقراء الذين نتصدق عليهم، كما أنة فرصة طيبة لازدياد صلات الرحم.
ويرفض مظاهر المبالغة في الإنفاق في رمضان عبد الرحيم البطيح مذيع فضائية أبوظبي الذي يقول للأسف ان ميزانية الأسرة تتضاعف في شهر رمضان وهي ظاهرة غير صحية على الإطلاق لأن معظم الأموال تتجه إلى شراء الطعام وكأننا لم نأكل من قبل، لابد من ازدياد الوعي تجاه الإسراف الذي لا يعود علينا بالنفع، وإذا كان الزيادة في ميزانية الأسرة تتجه لأعمال الخير والبر فلا بأس لأن هناك من يستفيد بها من فقراء المسلمين وهذا أفضل كثيرا.
وتفسر بلقيس على الإقبال المتزايد على شراء السلع الغذائية في شهر رمضان بأن معظم الناس يسعون إلى استضافة الأهل والأصدقاء على مائدة الإفطار، لأنه فرصة ذهبية للم شمل الأسرة وصلة الرحم، وتقول إن زيادة الأسعار سبب رئيسي في تضاعف معدل الإنفاق في شهر رمضان، فقد شهدت أسعار المواد الغذائية ارتفاعا ملحوظا وصل الى 30% تقريبا.
وتشير الى الاعتقاد الخاطئ انه طالما امتنع الصائم عن الطعام طوال النهار عليه أن يعوض ذلك بعد الإفطار فنجد معظم الناس يأكلون بنهم من أذان المغرب وحتى وقت الإمساك وكأنهم في ماراثون لتناول الطعام وهذا يؤدي إلى مزيد من الإسراف الذي يرهق الميزانية.
منصور الرميثي مع الاحتفال بشهر رمضان حتى لو كان في ذلك إسراف تتضاعف معه ميزانية الأسرة، ويرى أن شهر رمضان لا يأتي كل يوم، وأن كل ما يحدث في شهر رمضان من احتفالات وتعاطف ولم شمل الأسرة والتصدق على المساكين وارتداء الملابس الجديدة في العيد وغيرها مظاهر تثبت في عقول أبنائنا وتجعلهم يستقبلون هذا الشهر بفرحة غامرة يتذكرونها طوال حياتهم وينقلون ذكرياتهم هذه الى أولادهم فيما بعد.
وتشير نورة علي (مدرسة) إلى أننا ننفق الأموال دون فائدة تذكر في معظم شهور السنة فلماذا نأتي على الإنفاق في شهر رمضان ونريد أن نتوقف، فهذا الشهر كريم ولابد أن نكون كرماء مثله ومضاعفة ميزانية الأسرة في هذا الشهر أمر مستحب من أجل التراحم والتواد والتصدق على الفقراء وإطعام المساكين وإدخال البهجة في نفوس الصغار الذين يبتهجون بقدوم هذا الشهر.
* إعداد الميزانية
الدكتور عبد العزيز علي حسن المستشار والخبير الدولي في الاستثمار والتنمية البشرية وأستاذ التسويق في جامعة دبي عرف لنا المقصود بميزانية الأسرة قائلا هي عبارة عن قائمة على شكل حرف T بحيث يشمل الجانب الأيسر جميع بنود الدخل المتوقع (الإيرادات) للأسرة، بينما يضم الجانب الأيمن بنود الإنفاق المتوقعة (المصروفات) من قبل الأسرة بالإضافة إلى الجزء المتبقي وهو الادخار (الفارق بين الدخل والإنفاق).
وتعد الميزانية على أساس أسبوعي أو شهري أو ربع سنوي أو سنوي، ولكن الشكل الأكثر شيوعا هو الشهري وذلك لأن راتب العمل يصرف شهرياً، أما بنود الدخل فيتم قسمتها على 12 شهراً لتحديد مقدار الدخل أو الإنفاق على أساس شهري.
والخطوة الأولى في إعداد ميزانية الأسرة هي تدوين المصروفات الثابتة ويرصد تحت هذا العنوان جميع المصروفات التي لابد من إنفاقها في الفترة المحددة للميزانية ويفضل أن تكون سنة وقد تشمل إيجار السكن، أقساط التأمين، أقساط مشتريات، مصروفات مدرسية، تجديد رخصة السيارة، فاتورة الهاتف، اشتراك النادي، مصروفات طوارئ، مصروفات أخرى، وتختلف تلك القائمة من أسرة إلى أخرى وفي أي الحالات فإن بند الطوارئ يجب أن يعتبر من المصروفات الثابتة في كل الظروف.
ويحسب المجموع الكلي لهذه المصروفات ويقسم الناتج على 12 شهراً فيعرف المبلغ الذي يجب أن يرصد شهريا لمواجهة هذه التكاليف عند حلول موعدها.
وتأتي الخطوة الثانية بتدوين الدخل المالي ويسجل تحت هذا العنوان كل النقود المتوقع الحصول عليها أثناء السنة المقبلة وقد تشمل راتبا شهريا، صافي ايرادات أراض أو مبان وخلافه، صافي أرباح من تجارة، أرباح سنوية ( أسهم، سندات ) مكافآت دورية، أجورا عن أعمال إضافية، إعانات مالية ومصادر أخرى. وإذا كان رب البيت طبيبا أو محاميا أو زراعيا يكون التقدير تقريبيا، اما في حالة الراتب المنظم والثابت كالموظف فيكون أقرب الى الواقع، ويحسب المجموع الكلي لهذه الدخول مع مراعاة عدم المبالغة في تقدير أي منها.
وتأتي الخطوة الثالثة وهي تدوين صافي الدخل ويكون بطرح المصروفات الثابتة من مجموع الدخل المالي وهذا المبلغ المتبقي هو ما ينفق في أبواب الصرف اليومية، من غذاء وكساء ومصاريف تشغيل البيت، مواصلات، والمصروفات الشخصية والاجتماعية، طبيب وأدوية وغيرها من المصروفات التي لا تحتسب من مصاريف طارئة وفي هذه الخطوة تبوب المصروفات وتقدر تكاليف كل منها على أساس سنوي، وهذا التقدير لا يمكن القيام به على وجه الدقة إلا بعد الاحتفاظ بميزانية لمدة عام كامل، وعلى المبتدئين محاولة التقدير التقريبي ومقارنته بالواقع عند استعمال الميزانية.
والخطوة الرابعة في ميزانية الأسرة يحددها الدكتور عبدالعزيز في أولويات الإنفاق الأسري، فأول خطوة يقوم بها الزوج عند شعوره بكثرة المصروفات المنزلية وعدم انضباطها هي وضع جدول شهري لمعرفة أين تصرف،ثم مراقبة البنود التي يزداد فيها الصرف فيبدأ بترقيم البنود حسب الأولوية.
فعلى سبيل المثال إذا كانت القائمة هي (الخدم، قسط السيارة، تبرع شهري، مواد استهلاكية، لحم، وقود سيارة، مصروف الأولاد، سمك، كهرباء، ماء، سد دين، اشتراك بمجلة، السفر بالإجازة الخ) فيبدأ الزوج بوضع الأرقام حسب الأولوية، وننصح أن يشترك الزوجان معا في وضع هذه الأرقام ليتعاونا معا في اتخاذ القرار ويتحملا نتائجه، وإلا أصبح أحدهما فقط هو الملتزم بالأولوية والآخر يصرف كما يشاء، ولا تضبط الميزانية ما لم تكن الأسرة متعاونة في هذا الصدد.
تحقيق: إيمان قنديل