من خصائص القرآن الكريم أن له أسماء عدة وهذا يدل على شرفه وعلو منزلته، فكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى وعلو قدره. ولقد اختار الله لوحيه أسماء جديدة مخالفة لما سمى العرب به كلامهم جملة وتفصيلاً.
وروعيت في تلك الألقاب أسرار التسمية وموارد الاشتقاق. وقد بلغت هذه الأسماء خمسة وخمسين اسماً ذكرها كل من الزركشي ونسب هذا التعداد إلى القاضي أبي المعالي المعروف بشيذلة. ولكل اسم من هذه الأسماء تفسير وبيان وهي برمتها معالم جامعة لكتاب الله تعالى. ومن أشهرها: القرآن، وقد ورد ذكره ثلاثاً وسبعين مرة في القرآن الكريم وهو أشهر الأسماء قاطبة. يقول الله تعالى: «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم».
الكتاب: وهو مصدر كتب يكتب كتابة وأصلها الجمع. وسميت الكتابة لجمعها الحروف فاشتق منها لذلك لأنه يجمع أنواعاً من القصص والآيات والأحكام والأخبار على أوجه مخصوصة. ويسمى المكتوب كتاباً مجازاً. قال الله تعالى: «في كتاب مكنون» أي اللوح المحفوظ.
الفرقان: وهو مصدر كذلك من فرق يفرق. سمي به القرآن لأنه كلام فارق بين الحق والباطل والمسلم والكافر والمؤمن والمنافق. كما أنه مفروق بعضه عن بعض في النزول، حيث لم ينزل جملة واحدة كما هو الحال في الكتب الأخرى، وذلك ليسهل حفظه ويكون أعون على الفهم. يقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم». ويقول: «وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا».
الذكر: وهو الشرف كما يفيد معنى الموعظة التحذير والأخبار عن الأمم الماضية يقول الله تعالى: «لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم». ويقول الإمام الشوكاني: المراد بالذكر هنا الشرف أي فيه شرفكم كقوله تعالى: «وإنه لذكر لك ولقومك». وقيل فيه ذكركم أي ذكر أمر دينكم وأحاكم شرعكم وما تصيرون إليه من ثواب أو عقاب.
وقيل فيه حديثكم، قال مجاهد، وقيل مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وقيل فيه العمل بما فيه حياتكم قاله سهل بن عبدالله. وقيل فيه موعظتكم.
التنزيل: وسمي بذلك لأنه منزل من عند الله تعالى على لسان جبريل عليه السلام ولأن الله تعالى أسمع جبريل كلامه وفهمه إياه كما شاء من غير وصف ولا كيفية نزل به على نبيه «صلى الله عليه وسلم»، فأداه هو كما فهمه وعلمه يقول الله تعالى: «وإنه لتنزيل رب العالمين».
المجيد: أي الشريف لأنه محفوظ عن التغيير والتبديل والزيادة والنقصان وجعله معجزا في نفسه عن أن يؤتى بمثله. يقول الله تعالى: «بل هو قرآن مجيد».
الوحي: أي الموحى به من عند الله وقد ورد ذكره في خمس وأربعين آية. يقول الله: «إن هو إلا وحي يوحى» هذا والأسماء كثيرة. وبعضهم خلط بين الاسم والصفة وجعل لهما مفهوماً واحداً. فمن ذلك مثلا: نور، هدى، شفاء، رحمة، موعظة، مبارك، مبين، بشرى، العزيز، البشير، النذير، القصص، الروح، المثاني، البيان، التبيان، الحكيم، وغيرها كثير. وقد أوصلها بعضهم إلى نيف وتسعين اسماً. وكل تسمية أو وصف إنما هو باعتبار معنى من معاني القرآن الكريم.
أما تسمية القرآن بالمصحف فقد كانت زمن أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) فإنه لما جمع القرآن قال: فقال بعضهم: سموه إنجيلاً فكرهوه سموه السفر فكرهوه من يهود. فقال ابن مسعود (رضي الله عنه): رأيت للحبشة كتاباً يدعونه المصحف فسموه به.
وقد ذكر الدكتور محمد عبدالله دراز في «النبأ العظيم» كلاما عن أسباب تسمية القرآن بما سمي به نقتبس منه ما يلي: «روعي في تسميته قرآنا كونه متلواً بالألسن كما روعي في تسميته كتاباً كونه مدوناً بالأقلام. فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه. وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد.
أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعاً ان تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى. فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجتمع عليه من الأصحاب المنقول إلينا جيلا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة. ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالاسناد الصحيح المتواتر.
وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة اقتداء بنبيه «صلى الله عليه وسلم» بقي القرآن محفوظاً في حرز إنجازاً لوعد الله الذي تكفل بحفظه فلم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التبديل والتحريف وانقطاع السند.