وسجل شعر أبي الصلت الداني ملامح من أحواله وقد أتعبه المرض، وتوالت عليه أعباء الزمن، كقوله يخاطب ابنه عبدالعزيز (وفيات الأعيان 1:246):
عبدالعزيز خليفتي
ربّ السماء عليك بعدي
أنا قد عهدت إليك ما
تدريه فاحفظ فيه عهدي
فلئنْ عملت به فإنّ
ك لا تزالُ حَليفَ رُشدِ
ولئن نكَثت لقد ضلل
تَ وقد نصحتك حسب جَهْدي!
ونصّت كتب التراجم (مثل وفيات الأعيان، ونفح الطيب، وشذرات الذهب) على أن آخر شعر قاله أبو الصلت الدّاني الأندلسي خمسة أبيات نظمها لتُكتب وتُنقش على شاهد قبره، وهي:
سكنتك يا دار الفناءِ مصدّقاً
بأنّي إلى دار البقاءِ أصيرُ
وأعظم ما في الأمر أنّي صائرٌ
إلى عادلٍ في الحكم ليس يجورُ
فياليت شعري كيف ألقاه عندها
وزادي قليلٌ والذنوب كثيرُ
فإن أكُ مجزياً بذنبي فإنني
بشرِّ عقاب المذنبين جديرُ
وإن يك عفوٌ منه عنّي ورحمة
فثمّ نعيمٌ دائمٌ وسرورُ
ونلاحظ أن الشاعر قابل في البيت الأول بين دار الفناء ودار البقاء. وهذا من هاجس كثير من الشعراء، وأنه ذكر الزّاد الذي يرحل به واعتماده على العفو والرحمة. وملاحظة أخرى هي أن في بعض روايات ابن خلكان في البيت الرابع قوله: «بشرّ عقاب المجرمين جدير» وهذا على المبالغة في ذكر التقصير أو الهفوات.