الحنين الجارف الى زمن مضى ولن يعود.. طالما استبدت مثل هذه المشاعر بالرحالة وتلبسته فلم يعد يمكنه الفكاك منها، ولم يعد يبهجه حتى مجرد تخيل مظاهر التطور والتحديث وهي تدخل منطقة نفوذه النفسي، ومقت ذلك أشد المقت، ورفضه وشجبه.

هذا الموقف المناهض للتطور لم يكن منطلقه منطلقاً رومانسياً حالماً دائماَ، وهي ليست كما صرح ثيسجر وكان من اشد المتمسكين بهذا الرأي وهو خوفه من التغييرات لانها ستؤدي الى انحلال المجتمع، ولكنها في الحقيقة نوستالجيا مستمدة من تلك المقولة الاستعمارية العتيدة التي ترى في نفسها الراعية، وان العناية الالهية قد ارسلتها هي فقط لايقاظ الحضارات الاخرى من سباتها.

يذكر روبرت كابلان Robert D. Kaplan في كتابه THE ARABISTS (المستعربون):

أن نابليون بونابرت هو أول من أفضت أعماله إلى التعجيل بالمصالح البريطانية في الشرق الأوسط عندما هدد بشن هجوم على الهند انطلاقاً من مصر التي احتلتها قواته في الفترة من 1798 ـ 1801. وبعد مئة سنة من ذلك التاريخ، وعندما جاء قيصر ألمانيا ليهدد الهند، كانت قبضة بريطانيا على الجزيرة العربية هي التي دفعت ويلهلم الثاني (غليوم) إلى الذهاب لتركيا والى التخطيط لإنشاء سكة حديد ألمانية عبر آسيا الصغرى إلى بغداد.

هذه الميزة الاستراتيجية فضلاً عن الحاجة إلى النفط التي طرأت على حياة هؤلاء القوم مجدداً، هي التي أعطت لبريطانيا قوة دفع في الجزيرة العربية لكي توسع نفوذها شمالاً حتى يصل إلى سوريا الكبرى ثم بلاد ما بين النهرين (العراق). هكذا جاءت الإمبريالية بالإنجليز إلى الشرق الأوسط حيث هيأوا أرضية أسطورية من الثقافة والحضارة الوطنية التي كفلت لهم استراحة (وأي استراحة! والتعليق هنا من عندنا) يأخذونها من حياتهم التي استبدت بها الآلة في مجتمع أوروبي كان يخضع وقتها لعاصفة من التصنيع السريع.

يلاحظ الكاتب الإنجليزي ديفيد برسي جونز ـ والحديث ما زال لكابلان ـ إن الخيال البريطاني كان أسير نزعته الفريدة والمتأصلة التي تقول بضرورة تصوير وإعزاز كل ما هو مختلف وكل ما هو فاتن الجمال، بعبارات أخرى فإن العقل البريطاني يأسره جمال مخيمات البدو بقدر ما يأسره جمال حديقة يانعة في وطنه.

وكما أن الحديقة بحاجة إلى عناية وتشذيب بانتظام، فإن صور الخيام و أهل العباءات المسدلة الذين يدبون على كثبان الرمال تحتاج إلى تفاصيل صقل وتصوير في إبداع الكتابة الوصفيه. كان لابد من هذا الاستطراد ربما هذه هي الخلفية الرثائية التي انطلق منها كل من توماس وبعده ثيسجر في التأسي على ما سيحل بالصحراء، فيما لو دخلتها الآلة (حديث ثيسجر عن تسلق الهمالايا في كتابه الرحال العربية).

ويضيف كابلان: ثم جاءت مسؤوليات الاستعمار لتعزز هذا اللون من النشاط. فلكي تستطيع السيادة على مقاليد أهل البلاد عليك أن تفهم حياتهم وتتكلم لغتهم. هذه العملية أدت إلى فهم وتقدير لكلا الجانبين، الحياة واللغة، ولأن الدول العظمى الأخرى مثل فرنسا وألمانيا وروسيا كانت تنافس بريطانيا على مقاليد النفوذ في تلك المنطقة المشبعة بالأساطير، احتاج الأمر إلى كثير من الدهاء، وهذا يعني القدرة على أن تندس بين صفوف أهل البلاد دون أن يلحظك أحد (وكان هذا دأب لورنس وتوماس وثيسجر و قبلهم بيرتون) وأن تتصرف كأنك واحد منهم، وذلك كي تعرف ما الذي يدور هنا أو هناك.

وكم كانت تلك المحاولة قريبة من نفوس شرائح بعينها من الطبقات العليا من الإنجليز الذين كانت تراودهم نزعة الغرابة والتفرد ( وهذا الأمر ينطبق على من سبق ذكرهم لورنس وبيرتون وتوماس وثيسجر)، ولهذا فإن قصة (كيم) التي كتبها راديارد كبلنغ حول التجسس وحول التزيي بزي المواطنين المحليين في الحدود الشمالية الغربية من الهند البريطانية ينظر إليها بوصفها أعظم عمل فني من إنجازات الاستعمار.

وتتلخص رواية (كيم) بوجود شخصية (لورغام صاحب) وهي شخصية تستأثر بقوة الخيال وتجسد بنفس الوقت غرابة الأطوار التي شجعها الاستعمار، فهذا البقال الداهية، أو المتخفي بهيئة بقال، والذي يمكن أن يراه الناس كأنه هندي أو كأنه ينتمي إلى جنسيات مشرقية أخرى، والذي تعلم منه الصبي الايرلندي الأبيض (كيم) دروس حرفية الجاسوسية بين الكتب القديمة والابسطة الشرقية و أقنعة عبادة الشيطان وتماثيل بوذا المذهبة وعجلات الصلوات في التبت وغير ذلك من آلات الإيقاع.

ويقال أن (لورغام) وغيره من الشخصيات في رواية (كيم) تقوم كلها بدرجات شتى على أساس رجل واحد يقف تجسيداً ورمزاً حياً على الغزو البريطاني فيما وراء البحار في فترة القرن التاسع عشر ويذكر كابلان بأن ذلك الرجل المعني كان السير ريتشارد فرنسيس بيرتون. ونعتقد أن توماس وثيسجر وفلبي ينطبق عليهم ما انطبق على بيرتون.

* ا لخيال مع الاستخبارات

في الشرق الأوسط أكثر من أي مكان في الإمبراطورية البريطانية، عمل الخيال البريطاني وعملت الاستخبارات أيضاً، في إطار متشابك قوامه الافتتان بالآثار واللغة والثقافة القبلية بشكل لم يسبق له مثيل. وهذه الظاهرة كانت تصدر عن أسباب عدة. فمن بين كل أصقاع الإمبراطورية التي كانت تحكمها بريطانيا العظمى في أنحاء العالم، كان الشرق الأوسط من الناحية الجغرافية الأقرب إليها ومن ثم الأيسر في بلوغه.

وفضلاً عن ذلك كما يوضح د.إدوارد سعيد في كتابه (الاستشراق) فإن ديار الإسلام تتاخم بل وأحياناً تعلو أراضي التوراة. ولم يخفِ بعض الرحالة دوافعهم الدينية في محاولة استكشافهم للجزيرة العربية (كداوتي على سبيل المثال من بعده جاء المبشرون الأميركيين).

كذلك فإن العربية والعبرية لغتان ساميتان وكلتاهما تتناولان (مادة غاية الأهمية للمسيحية) وهذا هو الذي جعل الإسلام (عامل استفزاز ـ حسب سعيد) خطيراً وساحراً بالنسبة للبريطانيين (ثم للمبشرين الأميركيين على السواء) كان استيلاء الإسلام على الأرض المقدسة هو الذي أفضى إلى نشوب الحروب الصليبية ـ حسب كابلان - فضلاً عن ذلك كان الإسلام من الفطرة لدرجة أن يسهل فهمه بغير تعقيد (على خلاف أديان الهند أو أفريقيا) ولكنه كان من الاختلاف بحد ذاته لدرجة تستعصي على من يفهمه من الخارج.

ويخلص كابلان إلى أن المسألة كانت مثل حسناء فريدة أخاذة تتضوع أعطافها بأريج العطور وعبيرها يكاد يلفح أنفاس البريطانيين وكان هذا معناه أن لابد من السيطرة عليها. ونذكّر مرة أخرى أن تلك الحسناء الفريدة هي منطقة الشرق الأوسط.

كان لابد من سرد تلك الاستطرادات الضرورية للوقوف على خلفية الدوافع الحقيقية التي دفعت بأفواج أولئك الرحالة للوصول إلى الجزيرة العربية، وتحت حجج وأهداف مموهة شتى. ولنقف على منطلقات وخلفية تلك اللهجة الرثائية التي استخدمها ثيسجر وقبله توماس، لهجة التأسي على ما سيحل بالصحراء فيما بعد لو دخلتها الآلة وما ستحدثه من تغيير في إنسان هذه الصحراء. وهو في الحقيقة رثاء شخصي لأن (صحراء الرحالة أنفسهم) هي التي ستتغير وليس صحراء البدو ساكنيها الأصليين.

وقد عبر ثيسجر عن هذا الرثاء بمقته الصريح للآلة .

كان هناك سبب أقوى حفزني للقيام بهذه الرحلة، وهو أن أكون بعيداً مدة أطول عن الآلات التي تسيطر على عالمنا. فالخبرة التي اكتسبتها ستدوم اكثر من الأيام القليلة التي قضيتها في الرحلة. لقد كنت أكره الآلات طيلة حياتي. وأذكر كيف كنت في المدرسة أمتعض بمرارة من قراءة خبر مفاده أن أحدهم قطع الأطلسي بالطائرة، أو سافر عبر الصحراء الكبرى بالسيارة. فحتى في ذلك الوقت كنت أدرك أن السرعة وسهولة الانتقال الميكانيكي ستسلبان العالم كل علاقات التنوع. كما عبّر عن مقته الشديدة لشركات النفط وهو يعبر في الحقيقة عن مقته للتغيير الذي سينال من صحرائه هو، لذلك كانت تتصاعد عنده نبرة نوستا��جيا واضحة.

كان الشيخ زايد مشغولاً هذه الأيام بمساعدة بيرد Dick Bird في مباحثاته المتواصلة مع شيوخ القبائل من المناطق المجاورة. وكان بيرد يأتي بسيارته إلى المويجعي، كما أن الشيخ زايد يملك أيضاً سيارة. وكانتا الوحيدتين قبل وصول السيارات إلى دبي على الساحل. كان بيرد ودوداً إلا انه أرتاب فيما إذا كنت أعمل لحساب شركة نفط منافسة. وكنت أبتعد عنه عندما كان رجال القبائل الزائرون يتواجدون في المكان. على كل حال، كنت معارضاً لجميع شركات النفط بسبب خشيتي من التغييرات وانحلال المجتمع الذي لابد وإن تسببه هذه الشركات.

بل وكان يفضل استخدام الجمل بدل السيارة في تنقلاته

عرض عليّ الشيخ زايد أن أنتقل إلى الساحل بسيارته، لكنني قلت له أنني سأنتقل على ناقة.

ولنعيد هنا رسم الصورة لهذه الصحراء باستعادة رأي توماس ومقارنته برأي ثيسجر قال توماس بأن: إدخال الآلة إلى تلك المنطقة التي تتميز بالهدوء والسكينة كان يبدو أمراً غير مستساغ لأنه قد يشوه جمال الصحراء. وإعراب ثيسجر عن (خوفه!) من التغييرات وانحلال المجتمع الذي لابد وإن تسببه الآلة التي ستدخلها شركات النفط، هذه الحسرة من تغيّر المنطقة هي في الحقيقة حرص شخصي مستمد من تلك المقولة الاستعمارية العتيدة التي ترى في نفسها الراعية، وإن العناية الإلهية قد أرسلتها لإيقاظ الحضارات الأخرى من سباتها، ولتضطلع بمهمة توجيه الشعوب القاصرة العاجزة.

فإذا دخلت الآلة الممثلة هنا للتطور، للتكنولوجيا، للانفتاح، للوعي بالذات، فستنتفي بلا شك تلك الحاجة إلى وجود تلك الجيوش المُخَلّصَة وسينتهي دور (عيونها) من رحّالة ومستشارين ودبلوماسيين ووكلاء سياسيين مرتبطين بشكل أو بآخر بالإدارة الاستعمارية الراعية لهم والموجهة والمستفيدة من خدماتهم. إذن دخول (الآلة) وما ترمز إليه هو إنهاء حالة (الوصاية) تلك وإنهاء لهيمنة رموزها ورجالها الأسطوريين، أو الذين خلق الاعلام من كل واحد منهم أسطورة بذاته! وخطورة الغزو الإعلامي لا تقل عن خطورة الغزو العسكري بأي حال من الأحوال إن لم تتفوق عليه في الأهمية.

ومع كل ما تقدم فإن هذا لا يمنع من أن ننظر الى كتاباتهم تلك بعين فاحصة وفكر قادر على التحليل والتعامل مع وجهات نظر متعددة، كما لا ينفي تقدم ما قدموه لنا ولتاريخنا من وثائق مدونة وإن حملت بين ثناياها وجهات نظرهم فليس بالضرورة أن تعبّر كتاباتهم عمّا نطمح نحن لأن نُعبّر عنه.

أن هيئة نقد الحضارة المادية في خطابهما (توماس وبعده ثيسجر) والتعبير عن انزعاجهما أو عدم رضاهما ورفضهما للنظام الكئيب والرتيب الذي كانت ديانة التقدم الجديدة (الثورة الصناعية بمحاسنها ومساوئها) تعمل على تدشينه، وتحمسهما لاستمرارية (الأصالة المبدئية) لمجتمع الصحراء، لم يكن هناك ما يدعمه، أو يدعم أصالته، سواء في ملاحظات ثيسجر أو تحليلات ومعاينات توماس لذلك المجتمع وما قام به الأخير من «استقصاء اثنوغرافي» للمناطق التي مرّ بها.

فهناك العديد من المغالطات التاريخية التي رددها توماس مثلاً تمثل أبرز ملامح ذلك الإسقاط التمركزي - العرقي في قدرته المعهودة على إطلاق تعميمات، مجرد تعميمات، حيث تمحى الخصوصيات الثقافية للشعوب والفوارق القائمة بينها، تمحى وتختزل تحت كتلة من التحديدات التخطيطية والأفكار الإجمالية (المسبقة) والتي تكتسب بتكرارها والإلحاح عليها قوة مذهب وعصمة نهائية.

وسأقدم هنا مثالاً على تلك التعميمات التي أطلقها ليأتي بعده ثيسجر ويرددها بنفس الحرفية وإن بطريقة أخرى دون أن يشير إلى مُطلِقها الأول

يقول توماس: بأن قبيلة الصيعر على الرغم من أنهم يحلفون اليمين بالله ويزعمون أنهم يؤمنون بالله ويرددون دائماً كلمة (الله يعلم) كما يزعمون أن أسلافهم أنقذوا الرسول عليه الصلاة والسلام من أيدي الكفار الذين كانوا سيذبحونه. وعلى هذا الاساس، فإنهم يزعمون بأن الرسول أعفاهم وأعفى أولادهم من الصلاة، من الطبيعي أن هذه الأقوال لا نصيب لها من الصحة.

رغم نفيه لصحة هذه المزاعم إلا أنه لم يتأكد من المصدر، بل ولم يكلف نفسه عناء البحث والاستقصاء للوقوف على أسباب إطلاق مثل هذه الإشاعة. فبمجرد أن سمع شيئاً قد يؤثر في سمعة قبيلة ما، يأخذ الاشاعة هكذا على عواهنها، ويدونها كما هي، ليأتي بعده رحالة آخر (هنا في هذه الحالة ثيسجر الذي ردّد نفس المقولة وأيضاً دون تمحيص ودون اكتراث ) لتنضم هذه المقولة التي أمست نصاً مقدساً إلى جملة الأفكار الشائعة عن حياة السكان الأصليين لهذه الصحراء، لتضاف إلى الصورة الغربية المعهودة. يورد ثيسجر كما قلنا نفس الإشاعة ويدسها بجملة عابرة قد لا تستوقف أحداً .

فبعد أن يذكر بأن أخبار وصوله إلى منطقتهم (ريضة الصيعر) ويصف ترحابهم بمقدمة و ودهم البالغ وشهامتهم ورجولتهم ليضيف هذه الجملة إلى تلك الفقرة:

وقد اكتسبوا عن جدارة شهرة بضعف الإيمان، لأنهم لا يصومون ولا يصلون ويقولون بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أعفى أسلافهم من الفريضتين وبنفس الفقرة، يمتدح شجاعتهم، وينفي عنهم صفة الغدر التي تُنسب إليهم من باب الافتراء والكراهية.

تأليف: عمار السنجري