اعتادت الأعين المتأملة في أحوال دنيا العرب والإسلام أن تكون عينا غربية، استشراقية غالباً. أما هنا فنحن أمام نظرة تختلف عن تلك الأعين كليا. لدينا سائح مسلم من الهند قام أواخر القرن التاسع عشر بسياحة في بعض أرجاء المشرق العربي، فإذا بعينه ترصد بشكل آخر، بشكل حضاري تماما.
ويتجلى هذا هنا من خلال هذه النظرة يلقيها على بيروت ذلك السائح وهو شبلي النعماني، الذي صدرت ترجمة لكتابه «حالة هندي في بلاد الشرق العربي» عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر وقد أنجزها جلال السعيد الحفناوي.
«بيروت مدينة قديمة جدا لم يستطع المؤرخون تحديد زمان تأسيسها بدقة لكنهم يتفقون على أنها كانت موجودة قبل ميلاد عيسى عليه السلام. وعندما جلس اسكندر سفيروس على كرسي الحكم في روما الكبرى عام 222 ميلادية أسس فيها جامعة كبيرة جدا لتعليم الحقوق وقد ظلت ذائعة الصيت لقرون عديدة حتى استولى عليها المسلمون سنة 13 هجرية. لكنها في العصور التالية خرجت عدة مرات من أيدي المسلمين إلى أيدي النصارى حتى فتحها السلطان سليم الأول عام 1571 م.
وظلت منذ ذلك الحين وحتى الآن تحت حكم الأتراك على هذا النحو. يبدأ السائح الهندي شبلي النعماني، حديثه عن مدينة بيروت التي زارها في ذلك الحين فإذا به يهتم، على عكس العديد من الرحالة والسياح بالجانب الفكري والعلمي من حياتها، أضعاف اهتمامه بالجوانب المرتبطة بالسياحة. وهو يقول ذلك صراحة في أكثر من موضع، لكنه يقوله عرضا في ثنايا ما يكتبه عن هذه المدينة. إذ ها هو يقول لنا مؤكدا أن نهضة بيروت الحديثة ترجع بداياتها إلى العام 1843 م».
ولا تزال التجارة والعمارة فيها في تزايد مستمر منذ ذلك الوقت وحتى الآن وكان عدد سكانها أربعين ألفا قبل عشرين عاما، وبلغ سبعين ألف سنة 1875 م. وقد وصل الآن (عام 1892) أكثر من 107 آلاف نسمة، منهم ثلاثة وثلاثون ألف مسلم، والبقية من النصارى مع وجود بعض الدروز واليهود. ويلاحظ شبلي النعماني ان الجزء القديم من المدينة «في حال سيئة جدا، فالشوارع والطرقات غير ممهدة، والبيوت واطئة وغير فسيحة»، لكن الجزء الحديث في المقابل «غاية في الجمال والبهاء، وفيه فنادق واستراحات ومقاه كثيرة وهناك مقهى في وسط البحر في موقع جميل.
وهنا ينتقل النعماني إلى الحديث الفكري ليلاحظ من فوره ان لغة الكلام في بيروت هي اللغة العربية عموما والنصارى واليهود وغيرهم جميعا يتكلمونها. و«كذلك فان الملابس والمظاهر عربية ويعد هذا أفضل محاسنها»، ويلاحظ السائح الهندي كيف أن الحلة هنا لا تحاك بأقل من 10 أو 11 متراً، .لكنه يلاحظ أيضا كيف أن الطبقة المثقفة بدأت ترتدي الزي الانجليزي»، أما بالنسبة إلى الطقس فإنه «رائع وطيب ومشهور بأنه مفيد جدا للصحة». وهناك أماكن هنا ولازمتني الحمى يومين أو ثلاثة وكان لا بد من العلاج.
غير ان هذا كله لا يهم النعماني كثيراً، إذ يرصد ما آلى إليه تطور العلم في بيروت، وهكذا يقول لنا مسرورا، مع أن التطور العلمي لم يبدأ في بيروت إلا منذ عهد قريب، فان معدل التطور في هذه المدينة سريع جدا، بحيث ان ما وصلت إليه من تطور اليوم لا يضاهيها فيه أي مدينة في جميع مدن الدول الإسلامية، مع استثناء القسطنطينية (اسطنبول) ولكن في بعض الجوانب فقط.
ويشتد الإنصاف بالنعماني حين يلاحظ كيف ان جماعة من النصارى كانت هي من اهتم هنا باللغة العربية اهتماما بالغا لذا فإنها «تستحق منا كل شكر وتقدير. فقد قام هؤلاء الناس بجهد حثيث فجمعوا دواوين العرب القديمة من هنا وهناك، وطبعوها ونشروها. وعن طريق اللبنانيين وصلت إلينا دواوين الخنساء وابن هانئ وعنترة بن شداد وأبي العتاهية وأبي فراس وغيرهم».
ويلاحظ النعماني في هذا المجال اهتمام الباحثين الذين يتحدث عنهم ب«الشعراء النصارى» لاشتراكهم في الدين فجمعوا أشعار هؤلاء الشعراء جميعا وبدأوا طباعة سلسلة خاصة بهم، وهي تضم شعراء الجاهلية والإسلام، وقاموا كذلك بطبع ديوان الأخطل النصراني وذلك في طبعة مستقلة، نالت اهتماما وعناية».
ويلفتنا النعماني هنا إلى ان هذا الديوان كان نادرا ويصعب العثور عليه لدرجة ان مكتبات مصر والقسطنطينية كانت تخلو منه. وكانت هناك نسخة وحيدة فقط في مكتبة ملك روسيا قاموا بنسخها ثم قام بتصحيحها أستاذ اللغة العربية في جامعة «سان بطرسبيرغ»، وقد عرضوا عليّ هذه النسخة الخطية التي قام الأستاذ المذكور بتصحيحها بيده. واعترف من كل قلبي بالذوق العلمي لدى هؤلاء النصارى وعلو همتهم. فيا ايها المسلمون الم تشعروا بالغيرة؟
ويستطرد النعماني هنا قائلا إن هؤلاء النصارى أنفسهم قدموا بدورهم مؤلفات مفيدة في مجال الأدب. وهو بعد ان يصدر هذه الكتب يقول مدهوشاً «ومن العجيب للغاية هنا ان الكتب المفيدة التي كتبها علماء المسلمين في الأدب، أنجزت عن طريق هؤلاء النصارى». والواقع ان النعماني إذ رأى هذا كله واستغربه لم يفقه ان يسأل الناس من معارفه في لبنان «لماذا يعتني هؤلاء النصارى باللغة العربية» فجاءه الجواب، كما يقول «ان هؤلاء النصارى يعتبرون أنفسهم من النسل العربي ويفتخرون بهذا النسب».
من ناحية أخرى يلاحظ النعماني ان الذوق الأدبي هنا عام «حتى ان الأطفال يقرضون الشعر وهناك كثير من الناس لهم دواوينهم الشعرية. أما أولئك الذين قرضوا خمس قصائد أو عشر، فيبلغ عددهم المئات بل الألوف» ويروي لنا السائح هنا كيف انه التقى في مقهى بشاعر معروف فاتضح له ان هذا الشاعر قد انفق أربعين عاما من حياته وهو يتدرب على قرض الشعر.
غير ان هذا بالتأكيد لا يمنع سائحنا من أن يلاحظ آسفا أن الذائقة الشعرية ليست «سليمة تماما» اذ ان هؤلاء القوم لا يعرفون من فنون القريض سوى شعر الغزل والمدح الذي لا فائدة منه-حسب رأيه- مفضلين فقط «إشعار المتأخرين من حيث الأسلوب والموضوعات الشعرية مؤكدا لنا انه حين كان يقرأ أمامهم أشعار الجاهليين وشعراء صدر الإسلام كانوا يعتبرون ذوقه فاسداً.
مهما يكن فإن «هناك تقدما كبيراً في العلوم والفنون الحديثة، في بيروت، حيث ترجمت كتب الفلسفة والصنائع والفنون الحديثة. أما المقررات الدراسية في المدارس والكليات الكبيرة فتدرّس باللغة العربية، بينما يدرس علم الطب فقط بالفرنسة».
وفي هذا الإطار يفيدنا النعماني أن الأستاذ فان دايك، الأميركي الذي عاش وألف في بيروت في تلك الفترة وترأس الكلية الأميركية السورية، وقد اعد سلسلة منتظمة من كتب العلوم الحديثة باللغة العربية سماها «النقش في الحجر»، كما ألف الكثير من الكتب المستقلة وغيرها. و«لما لم يكن لأي دائرة معارف وجود في اللغة العربية، أنجز الأستاذ بطرس البستاني هذه المهمة».
وبدأ هذا العمل في العام 1875 وكتب عدة مجلدات. ولكنه توفي فأراد ابنه سليم أفندي تكميلها ولكن لم يمهله الأجل. ويقوم الآن الابن الثاني للأستاذ المذكور، بإعداد المجلدات الباقية وقد طبع حتى الآن عشرة مجلدات ضخمة وقد الفت أيضاً كتب مفيدة وقيمة عن التاريخ وفروع العلوم. ولأن هؤلاء الناس متضلعون في اللغات الأوروبية، إلى جانب العربية. فإن مؤلفاتهم اتصفت بالشمولية التي لا تتسم بها مؤلفات الأوروبيين».
لكن المؤسف هنا ان مؤلفات هؤلاء النصارى كما يلاحظ النعماني «مليئة بالتعصب الديني». ويقول النعماني ان أكثر هؤلاء المؤلفين من سكان لبنان وقد نزح كثير منهم من بيروت، «وقد أشاع هؤلاء الناس في هذه المنطقة الجبلية (لبنان) مذاقاً علمياً عجيباً، بالرغم من ان معظمهم من المزارعين والإقطاعيين، ينصرفون إلى أعمالهم وقت الضرورة، لكنهم ينهمكون في الأعمال العلمية عندما تسنح لهم فرصة ضئيلة وتقل مشاغلهم.