تعتبر الرياح هواء متحركاً لا يمكن رؤيته بالعين المجردة ولكن يرى تأثيره على الأجهزة الخاصة بقياس شدة واتجاه الريح وهي في ذلك تشبه الجاذبية الأرضية التي لا يمكن رؤيتها ولكن يرى تأثيرها في حياة المخلوقات على كوكب الأرض من قوة جبارة تسيطر على الإنسان في حركته بحيث لا تسمح له بالسقوط في الفضاء بل يمشي على الأرض بقوة الجاذبية فإذا ضعفت الجاذبية الأرضية كما على سطح القمر فإن الناس تسير هائمة كالسكارى وما هم بسكارى وهذا ما سيحدث بمشيئة الرحمن في الأيام القليلة قبل الساعة وعند انشقاق السماء كما قال تعالى في سورة الحج الآية/2 (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) صدق الله العظيم.

ويرتبط توزيع الرياح على كوكب الأرض ارتباطاً وثيقاً بتوزيع درجة الحرارة على سطح الأرض فالمناطق الاستوائية حرارتها مرتفعة فتنخفض كثافة الهواء ويصبح ضغطه منخفضاً وبالعكس تكون درجة حرارة الجو منخفضة في المناطق الباردة فترتفع كثافة الهواء ويصبح ضغطه مرتفعاً ولهذا يتغير الضغط الجوي على سطح الكرة الأرضية من منطقة إلى أخرى فتهب الرياح من مناطق الضغط العالي إلى مناطق الضغط المنخفض وتتوقف شدتها على الفرق بين ضغطي المنطقتين وموقعهما على سطح كوكب الأرض .

ولهذا فإن تحليل أي ريح معينة إلى عواملها الأساسية من الناحية الكيفية والكمية يحتاج بالضرورة إلى أرصاد جوية في عدة دول وإلى معلومات حديثة من الأقمار الصناعية الخاصة بالأرصاد مما يستلزم جهود هذه الدول في القيام بالقياسات الجوية لأنها تتعلق بظواهر عامة تشمل كوكب الأرض كله حيث تقوم الحاسبات الآلية المتطورة بسرعة تحليل المعلومات الواردة من الأرصاد الجوية على مستوى العالم كله.

وتحدد شدة الرياح ونوعها عادة حسب سرعتها فهي تتدرج من نسيم إلى معتدلة إلى عاصفة بأنواعها الثلاثة نشطة وشديدة وهو جاء ثم إلى زوبعة ثم إلى إعصار وتنتهي بالإعصار المدمر وبالتالي تبدأ سرعة الرياح متدرجة من ميل في الساعة وهي العقدة إلى أكثر من 70 ميلاً في الساعة أي 70 عقدة حيث سرعة الإعصار المدمر الذي لا يقل في قوته التدميرية عن الزلازل الكبيرة حيث تؤثر سرعة الرياح على حالة البحر والمسطحات المائية بقوة الريح التي تقاس بمقياس بيفورت لتتدرج من صفر حينما تكون الرياح ساكنة إلى قوة 12 بيفورت حينما تكون الريح إعصارا، حيث تكون حالة البحر عندئذ «زعزعان» يبتلع البحر في أعماق�� جميع السفن المبحرة.

ويعتبر نسيم البر والبحر مثالاً واضحاً لطريقة تولد الرياح المحلية، فنحن نلاحظ ان الهواء في الصيف يسخن فوق اليابسة أسرع من الهواء الموجود فوق البحر وبهذا يقل الضغط فوق البر وينشأ عن هذا الفرق البسيط في اختلاف الضغط بين البحر ذي الضغط العالي والبر ذي الضغط المنخفض هبوب رياح خفيفة أو نسيم بارد يطلق عليه اسم نسيم البحر وتحدث الظاهرة نهاراً مع ضوء الشمس ومع غروب الشمس تحدث الظاهرة العكسية ليلاً حيث تهب الرياح من البر إلى البحر ويطلق عليها نسيم البر وهذه صورة مصغرة لما يحدث في الرياح الموسمية عند تحركها من المحيطات إلى القارات.

للرياح مهام الخيرات لأهل كوكب الأرض فمن خلال الرياح تتحرك السحب وتتغلب وتنشط حتى يحدث فيما بينها تداخل حيث تسقط المطر وهو ما أشارت إليه آية/9 من سورة فاطر (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور) صدق الله العظيم.

ومن هذه الآية الكريمة سالفة الذكر نجد أن الله سبحانه وتعالى بذاته وجلاله الذي يرسل الرياح ولم يسخر الرياح كباقي المخلوقات المسخرة مثل الشمس والقمر والليل والنهار والنجوم والأنهار والبحار فكل هذه المخلوقات مسخرة لخدمة البشرية بالدرجة الأولى ثم خدمة لباقي سكان كوكب الأرض من حيوانات وأسماك ونباتات بالدرجة الثانية.

وقد جعل الله تصريف الرياح بين يدي رحمته لعلمه ان الإنسان بطبيعته ظالم وأناني ويستأثر بالخيرات لحب نفسه دون الآخرين من بني البشر فلو ترك الله العلي القدير الرياح مسخرة لاستأثر أهل القوة والطغيان بقوة الرياح لأنفسهم وتركوا الضعفاء في الخلاء لهذا سنجد الله العظيم جعل تصريف الرياح بين يدي رحمته كما أشارت سورة الأعراف آية/57 غافر (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء) صدق الله العظيم وكذلك ما جاء في الآية/4 من سورة الجاثية (واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح لآيات لقوم يعقلون) صدق الله العظيم.

ومن مهام الرياح ذات البشير الطيب تحريك المياه الراكدة لمنع تعطنها كما أنها تقوم بمهمة تلقيح الأشجار والنخيل والزهور فقد ينسى الإنسان ان يساعد النباتات في القيام بمهمة التلقيح ولكن الله لا ينسى مخلوقاته حيث تقوم الرياح بالمساعدة في مهمة التلقيح كما أن الجميع يعلم أن الأسماك غير الثديية لا يتم بينها اتصال جنسي وبالتالي فإن إناث الأسماك تضع بيضها في مكان وذكور الأسماك تضع المادة الخصبة في مكان آخر ثم تقوم التيارات المائية التي تتحرك بفعل الرياح والمد والجزر حيث تتم عملية التلقيح لناتج الأسماك.

كما أن الإنسان قام باستخراج الطاقة الريحية وتعتبر اليابان وهولندا من أكبر دول العالم التي تستغل هذه الطاقة النظيفة في إنارة القرى بعيداً عن التلوث كما في طاقة البترول ومنتجاتها كما تستخدم الرياح في السفن الشراعية كقوة دفع لها دون دفع أي مقابل مادي لهذه الطاقة الريحية الجبارة وسنلاحظ في كتاب الله الكريم أن أكثر الآيات التي ذكرت فيها كلمة الرياح كانت كمدلول علمي للبشير بالخيرات أما عندما استخدمت كلمة الريح فإنها تكون نذيراً لأهل الضلال والكفار.

وكلمة الرياح في القرآن الكريم جاءت بآيات البشير وهي آيات الرحمة الذي يستفيد بها جميع الخلائق على كوكب الأرض فالإنسان يستفيد بها والطيور تستفيد والأسماك والزراعات تستفيد بها ولهذا فإن الرياح الحياتية تتوقف عليها حياة الجميع وأهم هذه الآيات هو نقل السحب المملوءة بالماء إلى مواقع الأرزاق وهي المهمة الرئيسية للرياح.

تعتبر الريح من جنود الله الأشداء والتي لا قدرة للإنسان على صد هجومها إذا جاءت بصفة النذير. فهي توقظه لعله يستيقظ من غيبوبته، فالرياح لها قدرة تدميرية جبارة للمدن سواء ساحلية أو داخلية فأيدي الرياح الطويلة تطول الجميع حتى لو احتمى الإنسان بالجبال أو الكهوف كما أن لها قوة تدميرية جبارة للسفن المبحرة في أعالي البحار وكان خير شاهد على هذا في العصر الحديث ما أصاب الأسطول الأميركي في ديسمبر 1944 بشرق الفلبين حيث سقطت السفن تحت تأثير إعصار عنيف فقد انقلبت خمس مدمرات كبيرة وثلاث حاملات طائرات وأربع فرقاطات وكان من نتائجها مقتل ألف ضابط وبحار.

وكانت هذه الكارثة الأسوأ من نوعها التي واجهت العالم البحري مما احتاج إلى تكثيف الدراسة في علم الأرصاد الجومائية وضرورة التقدم بهذا العلم للتنبؤ بالأعاصير الدوارة وكيفية تفاديها، ولكن حتى يومنا هذا لا يمكن التنبؤ بجميع الوسائل والأجهزة الحديثة بما فيها الأقمار الصناعية من تحديد اتجاه وقوة الريح لأنها تتحرك بأوامر من خالقها ويغير فيها ما يشاء سواء قوة هذه الرياح او اتجاهها وتعمل الريح على انتشار الحرائق واتساعها في الغابات ولا سيطرة للإنسان على تصريف الرياح والأمر لله الواحد القهار في تحريكها.

أما الريح كنذير في العصور الماضية فقد سجلها القرآن الكريم في آياته لقوم عاد الذين سعوا بالفساد في البلاد واستكبروا وقالوا من أشد منا قوة، فلم يكن في زمانهم أحد في قوتهم، وكانوا يعبدون الأصنام حتى جاءهم سيدنا هود ليرشدهم إلى عبادة الله الواحد ولكنهم مع ضلال قلوبهم وظلام عقولهم فهم قوم لا يعقلون، فحق عليهم عذاب الله وجاءتهم آية الريح من كل جانب لتمزق جلودهم وتكسر عظامهم.

واستمرت الريح مسلطة ومسخرة عليهم سبع ليال وثمانية أيام لم تر الدنيا مثلها قط حتى جعلت قوم عاد كالرميم وهذا ما أشارت إليه الآية/7 من سورة الحاقة (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية) صدق الله العظيم.

ونجا هود ومن آمن معه وهلك الجبابرة العصاة بتسخير الريح عليهم، وكانت هذه هي المرة الأولى التي سخر فيها العلي القدير الريح، أما المرة الثانية حينما طلب سيدنا سليمان ملكاً لا يعطى لأحد من بعده، فكان أحد عناصر هذا الملك هو تسخير الرياح لخدمته كما أشارت الآية/81 من سورة الأنبياء (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين) صدق الله العظيم.

ونصل في نهاية البحث إلى أن الرياح يصرفها الله تعالى بالعدل بين أهل كوكب الأرض وأن تسخير الريح كان لفترة محدودة، وأن الرياح تحمل معها الخيرات للثواب وان الريح تحمل معها الدمار للعقاب، وأنه لا أمل في الوصول بالعلم أو أحدث الأجهزة للأرصاد الجوية إلى نشرة جوية دقيقة إلا بما شاء الله وان الله بكل شيء عليم.

الربان قاسم لاشين