هو الامام الحافظ جلال الدين أبو الفضل عبدالرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي، الشافعي، المسند المحقق، صاحب المؤلفات الفائقة. ولد في مستهل رجب سنة 849 هجرية الموافق 1445 ميلادية، وذاق مرارة اليتم بفقد أبيه وعمره خمس سنوات وسبعة أشهر، وتوفي هو ليلة الجمعة تاسع عشر من جمادى الأولى سنة 911 هجرية الموافق 1505 ميلادية.
ولقب بجلال الدين، وكنى بأبي الفضل، وأما جده الأعلى وهو همام الدين فكان من مشايخ الصوفية، وأما ما دون الجد فقد كانوا أهل وجاهة ورياسة، وليس من بينهم من عرف بخدمة العلم خدمة عظيمة إلا والده.!
وأما نسبته بالخضيري، فقد ذكر هو نفسه عنها في ترجمته لنفسه فقال: «وأما نسبتنا بالخضيري فلا أعلم ما تكون إليه هذه النسبة الا الخضيرية محلة بغداد وقد حدثني من أثق به انه سمع والدي ـ رحمه الله تعالى ـ يذكر ان جده الأعلى كان اعجميا أو من الشرق، فالظاهر ان النسبة إلى الحلة المذكورة»..(حسن المحاضرة) واشتغل والده ببلدة أسيوط، وتولى بها القضاء.
ثم قدم القاهرة، فلازم العلامة القاياتي وأخذ عنه الكثير من الفقه والأصول والنحو والاعراب والمعاني والمنطق وأجازه بالتدريس في سنة 829 ـ كما قال الجلال عن نفسه ـ كما أخذ عن الحافظ ابن حجر العسقلاني، علم الحديث وسمع عليه صحيح مسلم، ولم تقف حال أبيه عند قضاء أسيوط واجازه القاياتي بالتدريس، بل انه افتى ودرس سنين كثيرة، وناب في الحكم بالقاهرة عن جماعة وولي درس الفقه بالجامع الشيخوني، وخطب بالجامع الطولوني، وأم بالخليفة المكتفي بالله، وكان يجله الى الغاية، ويعظمه، ولم يكن يتردد إلى أحد من الاكابر غيره، وعين لقضاء مكة فلم يتفق له.
وتوفى سنة خمس وخمسين وثمانمئة! ولما ولد الابن جلال الدين قبل وفاة أبيه، حمل إلى الشيخ محمد المجذوب ـ وكان رجلا معروفا بالبركة لمباركته وكان يسكن بجوار المشهد النفيس فبركه ودعا له، وقد روى الامام مسلم عن عائشة رضي الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم.. أي يدعو لهم ويمسح عليهم وقد قال الامام النووي تعليقا: فيه استحباب تحنيك المولود، وفيه التبرك بأهل الصلاح والفضل!
ونشأ الامام نشأة علمية منذ نعومة اظفاره، فقد كان والده احرص ما يكون على ان يوجهه وجهة صالحة فكان يحفظه القرآن الكريم في صغره، ويصحبه معه في مختلف مجالسه العلمية والقضائية. وقد طلب والده من الحافظ بن حجر العسقلاني ان يدعو له بالبركة والتوفيق، وكان السيوطي يرى في ابن حجر مثله الأعلى حتى انه لما شرب من ماء زمزم كان ينوي ويدعو الله ان يجعله مثل ابن حجر حتى صار من أبرز العلماء ومن اكبر الحفاظ.
وبعد موت والده ولكن قيض الله له العلامة كمال الدين بن الهمام الحنفي صاحب «فتح القدير» فكان يرعاه ويتابعه في حفظ القرآن الكريم، وكانت مخايل الذكاء فيه ظاهرة، وقد منحه الله حافظة قوية، وقريحة سيالة تحفظ وتستظهر بصورة فذة، ولا غرابة في هذا فقد حفظ القرآن الكريم وهو ابن ثماني سنين، ثم حفظ العمدة والمنهاج الفقهي، المنهاج الأصولي، وألفية ابن مالك.
وابتدأ الاشتغال بالعلم سنة 864 هجرية فأخذ الفقه عن الشيخ سراج الدين البلقيني وقد لازمه إلى ان توفى، فلازم من بعده ولده علم الدين البلقيني الذي توفى سنة 868 هجرية، وقد سمع منه الكثير مثل الحاوي الصغير والمنهاج وشرح المنهاج والروضة. وأخذ الفرائض عن الشيخ شهاب الدين الشارماحي ولازم الشرف المناوى أبا زكريا المتوفى سنة 871ه.
ولزم في العلوم العربية والحديث تقي الدين الشمني الحنفي المتوفي سنة 872 ه. ثم لازم الشيخ محيي الدين محمد بن سليمان الرومي الحنفي أربع عشرة سنة، فأخذ عنه التفسير والأصول العربية وعلوم المعاني، وأخذ عن جلال الدين المحلي المتوفي سنة 864 هجرية، وعن المعز الكناني احمد بن إبراهيم الحنبلي، وقرأ صحيح مسلم والشفا وألفية بن مالك والتسهيل والتوضيح على الشمس السيرامي، ولم يدع السيوطي فرعا من فروع المعرفة ولا نوعا من أنواع العلم إلا وادلى بدلوه فيه، واتجه ينهل منه كالفرائض والحساب، كما اخذ عن المجد بن السباع وعبدالعزيز الوقائي الميقات وأخذ الطب عن محمد بن إبراهيم الدواني ��لرومي.
وهكذا نجد انه لم يقتصر في علمه ودراسته على علوم الدين واللغة، بل انه لم يقتصر على علماء مصر فقط وانما رحل في سبيل تعلمه إلى المغرب واليمن والهند والشام والحجاز، ومدن القطر كالمحلة ودمياط والفيوم وحينما شرب من زمزم نوى ودعا ان يصل في الفقه إلى رتبة البلقيني وفي الحديث إلى رتبة ابن حجر، وهكذا كان طموحه منذ الصغر، واجتهد في سبيل نيل هذه الرتبة، وقد روى الشعراني ان شيوخه الذين أخذ عنهم وصل عددهم الى ستمئة شيخ، وقسمهم الى طبقات.!!
وقد ذكرت مصادر عديدة مثل: «شذرات الذهب» لابن العماد الحنبلي وغيرها ان السيوطي أجيز بالتدريس للعربية في سنة ست وستين وثمانمئة، وعمره سبعة عشر عاما. واجيز لتدريس الفقه وإملاء الحديث سنة اثنين وسبعين وثمانمئة أي وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأجيز للفتوى سنة ست وسبعين وسنه سبع وعشرون سنة، أجازه الشيخ علم الدين البلقيني، وحضر مجلسه.
وشرع في التأليف والتصنيف سنة ست وستين إذ ألف رسالة في شرح الاستعاذة والبسملة، أعجب بها شيخه البلقيني وكتب عليها تقريظا.!
وعرف السيوطي ـ رحمه الله تعالى ـ بشجاعته الأدبية، وقوته في التزامه بإقامة أحكام الشريعة الاسلامية دون مجاملة من أحد أو لأحد، فلم يخش في الحق لومة لائم، فقد تصدى للافتاء وشؤون القضاء، فحرص على اقامة الحدود وتطبيق الاحكام دون اكتراث بغضب أمير أو سلطان، وجر ذلك السلوك عليه الكثير من المضايقات ذكرها في رسالته «الاستنصار بالواحد القهار».. وحينما بلغ سن الأربعين، أقدم على تصرف من أعجب ما يخطر على البال، وهو اعتذاره عن التدريس وعن الفتيا، وتفرغ للعبادة والتأليف، ووضع رسالة سماها: «التنفيس في الاعتذار من ترك الافتاء والتدريس».!
وتعددت مؤلفاته وتنوعت حتى وصلت الى خمسمئة مؤلف، وقال عن نفسه: «ولو شئت ان اكتب في كل مسألة مصنفا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية ومداركها ونقائضها وأجوبتها والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك من فضل الله لا بحولى ولا بقوتي، فلا حول ولا قوة إلا بالله».!
فكأن الله عز وجل زرع فيه موهبة حب الدين، وحب القرآن على وجه الخصوص، فتعددت وتنوعت اهتماماته بعلومه ومعارفه، فقد ابتدأ حياته به حفظا ودراسة، كما ابتدأ حياته العلمية وعطاءه بالتأليف عنه، ثم توالى تأليفه وتجميعه لعلومه، بعقليته الخصبة، وأفقه الواسع، وقد كان علم التفسير من العلوم التي توسع فيه ادراكه، واستبحرت ملكاته.
فقال عن نفسه: «ورزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع على طريقة العرب والبلغاء لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة والذي اعتقده ان الذي وصلت اليه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها فيما لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي فضلا عمن هو دونهم، وأما الفقه فلا أقول ذلك فيه، بل شيخي أوسع فيه نظراً وأطول باعا ودون هذه السبعة في المعرفة أصول الفقه والجدل والتصريف ودونها الانشاء والترسل والفرائض، ودونها القراءات ولم آخذها عن شيخ..» وله رحمه الله في التفسير وعلوم القرآن خمسة وعشرون مؤلفا، مما يدل على صدقه في تحدثه بنعمة الله ورزقه التبحر في علوم القرآن، ذكرها العلماء بأسمائها وهي:
1ـ الاتقان في علوم القرآن. 2ـ الدر المنثور في التفسير المأثور. 3ـ ترجمان القرآن في التفسير. 4ـ اسرار التنزيل، ويسمى قطعة الأزهار في كشف الاسرار. 5ـ لباب النقول في اسباب النزول. 6ـ مفحمات الاقران في مبهمات القرآن. 7ـ المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب. 8ـ الاكليل في استنباط التنزيل. 9ـ تكملة تفسير الشيخ جلال الدين المحلي (تفسير الجلاليه). 10ـ التحبير في علوم التفسير. 11ـ حاشية على تفسير البيضاوي.
12ـ تناسق الدرر في تناسب السور. 13ـ مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع. 14ـ مفاتح الغيب في التفسير. 15ـ مجمع البحرين ومطلع البدرين في التفسير. 16ـ الازهار الفائحة على الفاتحة. 17ـ شرح الاستعاذة والبسملة. 18ـ الكلام على أول الفتح، وهو تصدير ألقاه السيوطي عندما باشر التدريس بجامع شيخون بحضرة شيخه علم الدين البلقيني. 19ـ شرح الشاطبية. 20ـ الألفية في القراءات العشر. 21ـ خمايل الزهر في فضائل السور. 22ـ فتح الجليل للعبد الذليل في الانواع المستخرجة من قوله تعالى: «الله ولي الذين آمنوا» الآية وعدتها مئة وعشرون نوعا.
23ـ القول الفصيح في تعيين الذبيح. 24ـ اليد البسطى في الصلاة الوسطى. 25ـ معترك الاقران في مشترك القرآن وهذا الكم من الرسائل والكتب، يدلنا فعلا على تبحره وتمكنه في علوم القرآن، والذي هو عمدة علوم الاسلام.. فاذا اتينا الى تفسيره المسمى «الدر المنثور في التفسير بالمأثور» نتبين ان معنى كلمة التفسير بالمأثور هو توضيح معنى الآية القرآنية بما جاء في القرآن الكريم، لانه قد يكون ما جاء بالقرآن مجملاً في موطن، قد فصل في موطن آخر، او بما جاء في السنة النبوية الصحيحة، فإن السنة مبينة للقرآن وموضحة له، مفصلة لمجمله، ومقيدة لمطلقه، ومخصصة لعامه، وموضحة لاحكامه.
أو ما ورد من أقوال الصحابة رضوان الله عليهم، وأما ما جاء عن التابعين، فقد عده بعض العلماء من المأثور، لان التابعين قد اخذوه عن الصحابة في الغالب. وعده البعض من التفسير بالرأي، لكثرة اختلافهم أكثر من الصحابة، أو لانهم اخذوه عن أهل الكتاب الذين اسلموا.!
علي عيد