من يحمل اسم «صاحبنا» واسم «الفتى» في النص التالي هو الراوي، بطل كتاب «الأيام» لعميد الأدب العربي طه حسين. أما سعد فهو بالطبع سعد زغلول، وعلى هذا النحو وفي صيغة الغائب التي تحمل من تواضع الكاتب العظيم ما تحمل، يروي لنا طه حسين في القسم الثالث من كتاب سيرته الذي يعد من أجمل كتب السيرة الذاتية العربية في القرن العشرين، لقاءاته في باريس، ثم في مصر مع زعيم الأمة سعد زغلول، وهي لقاءات اتسمت كما سوف نرى، بالفتور من جانب الزعيم وباللامبالاة بعد حماسة من جانب «صاحبنا الفتى».
.. وكان دين سعد عند صاحبنا قديماً يرجع تاريخه الى العام الذي قدم فيه رسالته الى الجامعة، وظفر بعد مناقشتها بدرجة الدكتوراه، وكثر حديث الصحف والناس عن هذه الرسالة وصاحبها.
وفي تلك الأيام قدم عضو من أعضاء الجمعية التشريعية اقتراحاً يطلب فيه أن تقطع الحكومة معونتها عن الجامعة لأنها خرجت ملحداً هو صاحب رسالة «ذكرى أبي العلاء»، وكان سعد ـ رحمه الله ـ رئيس لجنة الاقتراحات في ما يظهر، فلما عرض عليه هذا الاقتراح، دعا المقترح للقائه وطلب إليه أن يعدل عن اقتراحه، فلما أبى قال له سعد: إن أصررت على موقفك فإن اقتراحاً آخر سوف يقدم وسيطلب فيه صاحبه الى الحكومة أن تقطع معونتها عن الأزهر، لأن صاحب هذه الرسالة عن أبي العلاء، تعلم في الأزهر قبل أن يتعلم في الجامعة.
واضطر الرجل أن يسترد اقتراحه وسلمت للجامعة معونتها، ولم يتعرض الفتى لشرٍّ، وكان الأستاذ أحمد لطفي السيد هو الذي أنبأ صاحبنا بهذه القصة، وطلب إليه أن يسعى إلى سعد بشكر هذا الجميل، ولكن الفتى استحى فلم يتحدث إلى سعد، وأين هو من سعد؟ ولاحقاً في باريس حين أتيح للفتى أن يلتقي سعداً كرئيس للوفد المفاوض، شكر له تلك العارفة، وأثنى على جهده الخصب في خدمة مصر وتضحيته في سبيل الوطن والشعب، فسمع منه سعد ولكنه أجابه في فتور وضيق بأن جهده وجهد أصحابه وجهد الشعب كله لن يغني عن الوطن شيئاً، «ألا ترى إلى كل هذه الأبواب التي أغلقت دوننا؟
وها نحن أولاء قد وصلنا إلى باريس فقطعت علينا الطريق إلى مؤتمر الصلح، وألقيت الحجب الكشاف بيننا وبين ممثلي الدول المشتركة فيه؟» تساءل سعد متبرماً، فقال الفتى: «ولكن هذه الجهود توقظ الشعب، وتنبهه لحقه وتدفعه إلى المطالبة به والمجاهد في سبيله»، فقال سعد محولاً الحديث عن مجراه: «ماذا تدرس في باريس؟»، أجاب الفتى: «أدرس التاريخ»، قال سعد: «أمؤمن أنت بصدق التاريخ؟» قال الفتى: «نعم إذا أحسن البحث عنه والاستقصاء له وتخليصه من الشائبات».
قال سعد:«أما أنا فكيف أن أرى هذا التضليل وهذه الأكاذيب التي تنشرها الصحف في أقطار الأرض ويقبلها الناس في غير تثبت وتمحيص حتى أقطع بألا سبيل تصفية التاريخ من الشائبات، ولا قطع بعد ذلك بألا سبيل إلى استخلاص التاريخ الصحيح من هذه الشائبات وأنظر إلى ما ينشر عنا في مصر، وفي باريس وحدثني كيف تستطيع أن تستخلص منه التاريخ الصحيح!».
وهم الفتى أن يتكلم، ولكن سعد أمضى في حديثه قائلاً: «لقد أقبلنا إلى باريس والأمل يملأ نفوسنا فلم نقم فيها أياماً حتى استأثر بنا اليأس» قال الفتى: «وكيف تيأس وقد أيقظتم الشعب فاستيقظ، ودعوتموه فاستجاب؟»، قال سعد:«وماذا يستطيع الشعب أن يصنع وهو أعزل لا يستطيع الدفاع عن نفسه، فضلاً عن أن يثور بأصحاب القوة والبأس؟».
قال الفتى:«هو الآن أعزل، ولكنه سيجد السلاح غداً»، قال سعد: «وأين يجده؟» قال الفتى: إن الذين يهرّبون لنا الحشيش يستطيعون أن يهرّبوا لنا الأسلحة»، فأغرق سعد في الضحك، وقال وهو ينهض: «ألا تعلم أن الذين يراقبون تهريب الحشيش سيراقبون تهريب الأسلحة؟».
وانصرف الفتى عن سعد فلم يره إلا بعد عام، بل بعد أكثر من عام، ولم يلقه سعد في تلك الزيارة الثانية في باريس لقاء الهاش له المرحب به، وإنما لقيه في شيء من الفتور، قال له وسمع منه ولكنه لم يقل شيئاً ذا بال، ولم يسمع منه شيئاً ذا بال، وإنما كان لقاء قصيراً قوامه المجاملة ليس غير.
وقد عرف الفتى مصدر هذا الفتور، فلم يضق به ولم يبتهج له، وإنما هزّ رأسه ورفع كتفيه، كان مصدر هذا الفتور أن جماعة من تلاميذ الشيخ الإمام محمد عبده أحيوا ذكرى وفاة أستاذهم في الجامعة، وطغى صاحبنا في الحفل فزعم أن مصر مدينة بما أتيح لها من اليقظة لثلاثة رجال لا ينبغي أن ننساهم: أولهم الأستاذ الإمام الذي أحيا الحرية العقلية.
والثاني مصطفى كامل الذي أذكى جذوة الحرية السياسية، والثالث قاسم أمين الذي أحيا الحرية الاجتماعية، وقرأ سعد هذا الحديث، فوجد على الفتى لأنه لم يذكره بين هؤلاء العظماء، وتوالت خطوب السياسة بعد ذلك، وكان صاحبنا أطول الكتّاب لساناً واجرأهم قلماً في مهاجمة هذه الخصومة مكروه أي مكروه، ولكنه لقي سعداً بعد ذلك للمرة الثالثة والأخيرة في دار أحمد شوقي رحمه الله.
كان شوقي يومها يستقبل الشاعر الهندي العظيم طاغور، وقد دعا إلى هذا الاستقبال من شاء الله أن يدعوهم من أصحاب الثقافة ورجال السياسة والحكم، وكان صاحبنا أحد المدعوين، وأنه لبين جماعة من أصحابه وإذا بسعد يصل فيخفّ الناس جميعاً للقائه، ويهم صاحبنا أن يتأخر ولكن أصحابه يدفعونه دفعاً، وكان أشدهم في ذلك الشيخ عبد العزيز البشري، رحمه الله، ويجد الفتى نفسه يصافح سعداً ويسمع سعداً يلقاه لقاءً حسناً، ثم يعود الناس إلى أماكنهم ويقيم سعد ساعة أو بعض ساعة ثم ينصرف إلى مجلس النواب وكان في ذلك الحين رئيساً له.
وقد كاد الفتى أن يلقى سعداً مرة أخرى، أو بالأحرى أريد للفتى أن يلقى سعداً مرة أخرى، ولكنه امتنع وألحّ في الامتناع فلم يتم ذلك اللقاء. وكان ذلك حين أراد أحد النواب الوفديين أن يثير قضية كتاب «في الشعر الجاهلي» داخل المجلس مرة أخرى، فردّه سعد قائلاً له: لقد انتهى هذا الموضوع فلا معنى للعودة إليه.
قرأ صاحبنا ذلك في الصحف فلم يكد يحفل به أو يلقى إليه بالاً، ولكن الأستاذ أحمد لطفي السيد كان مدير الجامعة في ذلك الحين، وكان من عادته أن يكون رفيقاً لصاحبنا، فألحّ عليه في أن يمرّ بدار سعد ويترك بطاقة هناك، وعسى أن يلقاه فيشكر له لكلمته الطيبة في مجلس النواب، ولكن صاحبنا أبى وأصر على الآباء، وقال إن سعداً لم يزد عن كونه قد أدى واجبه، وكفّ سفيهاً أحمق من نوابه عن مواصلة سفهه وحمقه.
واشتد الجدال في ذلك بين الأستاذ أحمد لطفي السيد وصاحبنا تلميذه، ولكنهما لم يصلا إلى أية نتيجة، فما كان منهما إلا أن احتكما في المساء الى عبد العزيز فهمي، رحمه الله، ولم يلبث هذا أن قضى لصالح صاحبنا في غير مشقة ولا جدال، وما أسرع ما استحال الأمر كله الى دعابة بين الأستاذين الكبيرين حول ما كان يملأ قلب عبد العزيز فهمي ويجري على لسانه من سخط على سعد، وإنكار لكل ما كان يصدر عنه من قول أو من فعل لا لشيء إلا لأنه كان يصدر عن سعد.
وكذلك كانت صلة صاحبنا بسعد يسيرة كل اليسر في ظاهرها، عسيرة أشد العسر في حقائقها ودخائلها، جرت على الفتى شراًّ كثيراً وأتاحت له مع ذلك خيراً كثيراً، وتقلبت بين ضروب من الرضا والسخط، وفنون من الأمل واليأس، وألوان من الشدة واللين.