مابين القاهرة وجنيف تدفقت ذكريات رمضانية كثيرة في نهر حياة الأديب بهاء طاهر وكلما أتى الشهر الكريم تتقاذف الذكريات وتتزاحم في ذهنه ويرصد بهاء طاهر هذه الذكريات منذ أيام طفولته في منطقة الجيزة .

وهى الذكريات التي تمثل له حميمية خاصة فيقول لا أستطيع نسيان الاحتفاليات الباهرة التي كان يقيمها أهل المنطقة بفرحة قدوم رمضان حيث الأنوار المضاءة على المساجد وأوراق الزينة في الشوارع .

وكان بجوار منزلنا ساحة فسيحة كنا نركب فيها الدراجات وتعقد بيننا المسابقات وكان يقام بالساحة سوق يباع فيه الفوانيس وكل لوازم رمضان وينتهي السوق بعد العيد فكانت هذه المنطقة في رمضان مزدحمة ليلا ونهاراً ومائدة الرحمن منتشرة في كل ركن فيها وفى الليل كنا نحمل الفوانيس ذات الشمع .

ونلف وندور على الجالسين كي يعطوننا البقشيش ونحن نغني حاللو ياحاللو هات البقشيش يا حاللو وكنت من محبي السهر وأشارك في صلاة التراويح، ويتذكر بهاء واقعة طريفة أثناء ممارسته العاب الطفولة في رمضان فيقول أتذكر ذات يوم كنت العب مع عدد من الأطفال واتفقنا على ان نقوم بتمثيل الحرب بين مصر وإسرائيل.

وانقسمنا فريقين وكنت في الفريق الذي يمثل الجيش المصري وكنا نستخدم الحجارة وفيما كنا نحارب بضراوة ونرسم الخطط لمحاصرة الفريق الأخر فوجئنا بالهجوم علينا وقذفني أحدهم بحجر فاحتججت بشدة وقلت إن الجيش المصري لا يهزم وكان من المفترض أن نحاصركم نحن ورفضنا التسليم بالهزيمة وانفضت اللعبة .

ويضيف بهاء بجانب شقاوة الأطفال كنت استمتع بشكل خاص بسماع الراديو في رمضان ولا يزال الراديو يحتل مساحة كبيرة من ذاكرتي فمن خلاله كنت اسمع ألف ليلة وليلة، فقد كان الراديو شيئاً كبيراً بالنسبة لي فلم يكن هناك تليفزيون وكنت أسمع البرامج الدينية .

وتعودت أن أسمع الشيخ محمد رفعت في رمضان وغيره، وعن الأناشيد والأهازيج التي التصقت بذاكرة الطفل بهاء في الشهر المبارك وأصبح لها صداها في أعمالة الإبداعية فيما بعد يقول مشهد التسامح الديني.

والتكاتف بين المسلمين والمسيحيين فكان يسكن في المنطقة بعض الإخوة الأقباط وكانوا يشاركون المسلمين نفس الفرحة وقد ظهر ذلك جليا في روايتي خالتي صفية والدير وبهذه الطريقة أصبح رمضان بعاداته وتقاليده وروحانيته جزءاً من تكوين بهاء طاهر.

وأما عن ذكرياته الرمضانية خارج مصر فيقول بهاء أذكر أنه في جنيف صمت اقصر يوم رمضاني في حياتي، وكذلك صمت أطول يوم فقد مر على رمضان في جنيف صيفا وشتاء وشهدت اقصر يوم حيث مجرد أن تصحو من النوم وتمضى اقل من ثلاث ساعات يحين موعد آذان المغرب .

كما شهدت أطول يوم أيضاً حيث موعد آذان المغرب كان يحين في الساعة العاشرة مساء ولكن كنا نصوم حسب هذا التوقيت رغم أن المسلمين كان مصرحاً لهم الإفطار حسب توقيت أقرب دولة إسلامية ،إلا أن الجميع كانوا يصرون علي الصيام حسب التوقيت الطويل المدى رغم طول ساعات الصيام وكانت الجاليات الإسلامية هي العوض الوحيد عن الإحساس بالغربة وفرقة الأّهل والأصدقاء في هذا الشهر.

كما شهدت رمضان في سيراليون ولفت نظري أن عاصمتها رغم شدة فقرها إلا أنها مدينة شديدة النظافة مما ينفي المقولات التي تربط النظافة بالفقر تماما مثل النوبة لدينا فالنوبة مدينة نظيفة جداً رغم فقرها وفى سيراليون قل إحساسي بالغربةً لأن المسلمين هناك يحتفلون برمضان بشكل يتقارب كثيراً مع احتفالات المصريين والعرب ولا يزال صوت المرحوم محمد رفعت مرتبطاً في ذاكرتي بشهر رمضان وإذا لم أسمعه أشعر أن رمضان غير مكتمل.

وعن طقوسه الخاصة في رمضان يقول بهاء ليس لي طقوس خاصة ولا تختلف طيلة حياتي في شهر رمضان عن غيرة من الشهور اللهم الا زيادة القراءات الدينية وعن نوعية هذه الكتب يقول بهاء تعودت ألا اخطط سلفا للقراء.

كما لا أخطط سلفاً لكتابة الرواية أو القصة كما يفعل الكثيرون، ولا أعتبر نفسي قدوة في هذا الموضوع غير أ نني أؤكد هنا انه بينما تبدأ القصة بفكرة هلامية فإن عملية إعادة الصياغة تظل دوما عملية بحث عن جذور الموضوع، فالكتابة بالنسبة لي عملية بحث، فأنا أبدأ الكتابة.

وفي ذهني فكرة هلامية ثم الموضوع يتطور بشكل آخر تماماً، ابدأ وأنا تسيطر علي حالة نفسية معينة أو شخصية معينة ففي خالتي صفية والدير مثلا كنت أريد أن أكتب قصة قصيرة عن القس بشاي، ولكن وجدت أن الأحداث فرضت نفسها علي أثناء الكتابة، وفي أنا الملك جئتز كنت جالسا في مكتبي بجنيف .

وكانت هناك عاصفة ثلجية شديدة عطلت كل مظاهر الحياة ولا أدرى لماذا ذكرني منظر الثلج بالصحراء ولعل أكثر ما ذكرني بالصحراء الصمت، وأعتقد أن الكاتب لا يكتب لمجرد أنه يجب أن يكتب ينبغي عليه ألا يكتب إلا عندما تصبح الكتابة ضرورية جدا مثل عملية المخاض بالضبط والقارئ يستطيع بذكاء شديد جداً التفريق بين ما هو حقيقي وأصيل وما هو كاذب ومصنوع.

القاهرة ـ محمد الصادق