امتد مجال أو طيف الفن الإسلامي على شريط عريض من دول العالم شرقاً وغرباً، وتنوعت ضروبه وأجناسه ومواده وخاماته وغاياته ووظائفه. بعضها ارتبط بالعمارة بشقيها:

الديني والمدني، وبعضها الآخر بفنون الكتاب كالمنمنمات والزخارف والتجليد، وبعضها الثالث بأمور الحياة اليومية للإنسان المسلم، كالخزف والفخار والأواني المعدنية والحلي والنسيج ومشغولات الخشب كالمنابر والنوافذ والأبواب، والزجاجيات والعاجيات..

وغيرها. من خلال هذه الفنون، وضع الإسلام طابعه على خصائص ومقومات الفنون التي أفرزها، مانحاً إياها وحدة عامة، برزت وتأكدت، رغم اختلاف أمكنة وأزمنة الأمكنة التي جاءت منها، ومرد هذه الوحدة، الإسلام نفسه، إضافة إلى الظروف التاريخية التي هيمنت على نشأة هذه الفنون، وهذه الوحدة لم تتعارض مطلقاً مع الخصائص والتأثيرات التي تدين بها إلى أصولها.

أكثر ما تجلت هذه الوحدة الفنية الإسلامية، في فنون العمارة الدينية، وفيما بعد من فنون العمارة المدنية. فمن الفرائض الأساسية في الدين الإسلامي «الصلاة» التي تحتاج إلى مكان لتأديتها.

وهذا المكان هو «المسجد» الذي بدأ بسيطاً متواضعاً، ثم تطور ليصبح تحفة معمارية وفنية، يتبارى المهندسون والمصممون والفنانون والحرفيون، في ابتكارها وإبداعها وزخرفتها، عبر مواد وخامات البيئة الموجودة فيها، وأحياناً، استقدمت مواد وخامات من بلدان بعيدة، بغية تحقيق الكمال الفني والجمالي والاستخدامي فيها.

من المواد والخامات التي استخدمت كثيراً في هذا المجال (الفخار) وهو الطين المشوي الذي يتحول إلى (خزف) بعد تزجيجه وإدخاله مرة ثانية إلى فرن الشي، والقاشاني هو نوع من الخزف الذي ارتبط بالفن الإسلامي، واستخدم في أكثر من مجال.

ففي العصر الأموي، ظهرت الجرار الكبيرة المغلفة بتزجيج قلوي أزرق أو أخضر، إلى جانب الأواني الخزفية والفخارية المتعددة المهام.

كما ظهرت بدايات القاشاني الإسلامي، خلال العصر الأموي، وكان من أكثر أنواع المصنوعات الخزفية انتشاراً في العصور الأولى للإسلام، الطراز الذي تبرز فيه الزخرفة على نحو نافر، فوق الأواني والأوعية المغلفة بتزجيجات رصاصية خضراء أو صفراء، أو بطلاء لماع، أو المتروكة على لونها الفخاري.

وقد كانت مصر ومنطقة ما بين النهرين، أهم مراكز إنتاج هذا النوع من الخزف والفخار، ومن هذه المراكز: الفسطاط، سامراء، الرقة، الري، ثم انتقلت إلى إيران وتركيا ومناطق إسلامية عديدة منها: المغرب العربي، اسبانيا، وآسيا الصغرى.

استعمل الخزف الإسلامي بنجاح في العمارة، حيث شكّل الكسوة الرئيسة في عدد كبير من الأبنية في إيران خلال القرن الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وكان هذا الفن من أكثر الفنون التطبيقية أهمية خلال هذه العصور، ومن بين أهم مراكز صناعة الخزف الإيراني مدينة «الري» الواقع قرب طهران، و«سلطان آباد» و«صاوة» و«قاشان».

أما في اسبانيا والمغرب العربي، فقد كشفت التنقيبات في مدينة الزهراء عن كمية من الزجاجيات والقاشاني، ويمثل الخزف الأندلسي الإسلامي مشابهات أكيدة وواضحة مع خزف إفريقيا الإسلامية، خاصة مع تونس، فالزخرفة الملونة على طلاء، والمنشاة بالبريق، لم تستعمل إلا اللون الأخضر والبني والمنغيزي.

أما عن المشابهات الحيوانية فهي كثيرة، وكذلك وجد الخزف المحجر، والقاشاني ذي البريق المعدني. ويحمل الخزف الموجود في محراب المسجد الكبير في القيروان فرضية أن يكون مصدره العراق، خاصة المجموعة الرائعة من القاشاني ذي البريق المعدني.

ما هو مؤكد أيضاً، أن الخزف كان مزدهراً جداً في مصر الفاطمية. فمدينة الفسطاط التي كانت تنتج القطع الجميلة في عهد الطولونيين، استمرت في إنتاجها.

وفي فن الخزف التركي الإسلامي، اختفت الفكرة القديمة التي كانت رائجة جداً عن السلاجقة، وهي فكرة الفسيفساء، حيث كان البلاط من لونين، يقطع ويوضع جنباً إلى جنب، مشكلاً رسماً معيناً. كذلك اختفت فكرة تناوب البلاط النجمي الشكل والمثمن المزخرف بالطلاء اللماع التي جاء بها السلاجقة من بلاد فارس، وكان أهم مركز لإنتاج الخزف في تركيا هو بلدة «إسنك» وهي البلدة البيزنطية نفسها «نيكابا».

أما في سورية، فيعود ظهور الألواح الخزفية الإسلامية إلى العهد العباسي، وفي العهد الأيوبي والمملوكي، ازدهرت صناعة بلاكات الخزف القاشاني في بلاد الشام.

محمود شاهين