تشهد المملكة المغربية واحدة من أهم محاولات الإحياء للفن المعماري الإسلامي، وتمتد تجاربها منذ أربعينات القرن الماضي ولكنها لم تنتج ثمارها المرجوة إلا بعد نجاح الملك محمد الخامس في الحصول على استقلال بلاده من الاحتلال الفرنسي.

وقد حمل نفر من المهندسين المغاربة رايات هذا الإحياء بعد ان نالوا تعليمهم في المعاهد الفرنسية التي حرصت على تعزيز إحساس المغاربة بتفرد تراثهم الحضاري.

ولا جدال في ان اكتساب هؤلاء الرواد الأول لعلوم الهندسة المعمارية في ظل حرص دوائر الاستشراق الفرنسي على الطابع المميز لفنون المغرب الأقصى قد ترك آثارا ايجابية على العمارة الدينية الحديثة في مدن المغرب المختلفة.

ذلك على الرغم من أن الأهداف الفرنسية الاستشراقية كانت ترمي إلى عزل المغرب عن جيرانه من الدول العربية، وحصره في شرنقة يدور داخلها ابتداء ونهاية، ولكن رب ضارة نافعة.

وتقوم المساجد الجديدة في المغرب، بل وقصور السكنى من مختلف الأحجام كشاهد عيان على أصالة حركة الإحياء المعماري في هذا البلد والتي تلتزم التزاما حرفيا بالأشكال القديمة.

وإن كان يؤخذ عليها التعاطي مع التراث المعماري الإسلامي من منظور جغرافي ضيق، لا يتجاوز بحال من الأحوال العدوتين المغربية والأندلسية، وهو ما أدى إلى حرمان حركة الاحياء من ارتياد آفاق جديدة تباعد بينها وبين المحاكاة التي تصل إلى حد التقليد والنقل الحرفيين عن النماذج القديمة.

ذلك فضلا عن الارتكان إلى الإسراف الزخرفي لتعويض ندرة الإبداع في مجال التصميم، والميل «الدراسي الطابع» للاقتباس من العمارة الفرنسية الحديثة ولاسيما تلك الاستعارة المتكررة لأعمال الزجاج الملون المعشق بالقصدير والتي تناسب أجواء مناطق شمال المتوسط الباردة نسبيا عن مناطق الجنوب ذات الحرارة المرتفعة.

بيد أن مثل هذه الهنات البسيطة لا يمكن ان تحجب تفرد محاولات الإحياء المعماري في مدن المملكة المغربية بأصالة لا يتطرق لها الشك ولا تفتقد بحال من الأحوال إلى الجمال الفني الأخاذ.

فقد تتلمذ روادها على أيدي أساتذة من المعماريين الفرنسيين الذين كتبوا عدداً من الأبحاث الهامة في مجلة هسبيريس (مجلة الاستشراق الفرنسي المغربي) فضلا عن المستشرقين الأسبان الذين نشروا أبحاثهم عن تاريخ وفنون المغرب في مجلة «تموده».

وقد بذل المعماريون المغاربة جهودا مشكورة من أجل تطوير طراز مغربي حديث مستمد إلى درجة كبيرة من تقاليدهم المعمارية الجليلة الراسخة القدم. وتضم مدن المغرب من الرباط والدار البيضاء إلى فاس ومكناس وتطوان وصولا إلى مراكش في الجنوب العشرات من المساجد التي نلمس فيها روح التجديد والابتكار، دون أن تذهب بعيدا عن الطابع المغربي الأصيل.

وقد حرص المعماريون المغاربة اشد الحرص على التمسك بالشكل التقليدي للمآذن أو الصوامع الملحقة بالمساجد، فجميعها يتفق في ان للواحدة منها بدناً متعامد الأضلاع يبدأ بطابق أول هو الأطول دوما ثم يليه طابق ثان أضيق مساحة ويشغل الفارق بين البدنين شرفة فسيحة للأذان وربما كان هناك طابق ثالث أكثر ضيقا من سابقه.

ويغطي الطابق الأخير دوما بقبة صغيرة، وفيما عدا تباين الأبعاد والاختلاف في الزخارف التي تنقش بها أحجار هذه الصوامع، فإنها تبقى جميعا متشابهة في استنساخها لمآذن الغرب الإسلامي الشهيرة بدءا من مئذنة جامع القيروان ومرورا بجامع الكتبيين بمراكش وحسان بالرباط وانتهاء بمآذن الموحدين الشهيرة بكل من المغرب والأندلس.

ولم تخالف المساجد الجديدة ما دأبت عليه مثيلاتها القديمة من إنشاء الصوامع في الجدار المواجه لجدار القبلة او خارجه.

من العناصر البنائية التي تترسم خطا المعماريين القدامى، تلك العقود الحاملة لأسقف مظلات الصلاة وتلك التي تزين المداخل والواجهات والنوافذ، فجميعها تقريبا من طراز واحد اختصت به بلاد المغرب والأندلس وهو المعروف باسم «حدوة الفرس».

ولكنه هنا يجمع بين شكل الحدوة المعروف وبين العقد المدبب الشائع الاستعمال في العمارة الإسلامية في الشرق. لقد اعتبر المعماريون الجدد عقد حدوة الفرس المدبب، علامة مميزة وفارقة لفنون بلاده فاستغنوا به عن سواه من أنواع العقود الأخرى وطفقوا يعتمدون عليه لإسباغ طابع تقليدي على منشآتهم الحديثة.

وعندما يلجأ المهندسون إلى استخدام العقود المفصصة المألوفة في عمائر المغرب والأندلس فإنهم يجعلون الواحد من فصوص العقد على هيئة حدوة الفرس المدبب أيضا.

ومن التقاليد المغربية الراسخة التي يعاد استخدامها بكثافة ملفتة للنظر في العمارة المساجدية المغربية الحديثة، تكسية الجدران الداخلية إلى ارتفاع المترين تقريبا بمربعات صغيرة من الخزف المزجج المعروف هناك باسم «الزليج».

والحقيقة ان الإسراف في تغطية الجدران الداخلية بمربعات الخزف المزججة يمتد أيضا إلى المنشآت المدنية الحديثة أيضاً، الأمر الذي أوجب إحياء واسع النطاق لأفران الخزف حتى ليصدق القول إنها لم تغلق أبوابها أو تتراجع منذ العصور الوسطى وإلى يومنا هذا.

ويعتمد الزليج المغربي على ان مربعاته الصغيرة بعد تجميعها تعطي أشكالا زخرفية لعل أوسعها انتشارا تلك الأشكال النجمية المختلفة إلى جانب بعض الكتابات التي تتضمن آيات من القرآن الكريم أو عبارات دعائية مكتوبة بالخط المغربي الذي يجمع بعبقرية وعفوية بين الطابعين الرئيسيين للخط العربي، أي الخط الكوفي المزوي والخط النسخي المقور.

ويغلب على الزليج اللون الأبيض القصديري المعتم كلون مفضل للأرضية فيما تستخدم الألوان الزرقاء والخضراء والحمراء وأحيانا السوداء في رسم الزخارف التي تحتويها مربعات الزليج.

ومن العناصر البنائية التي تحرص المدرسة المغربية الحديثة على استخدامها تلك الأشكال المميزة للأسقف، سواء في العمارة الدينية أو المدنية، فهي تتخذ هيئة السقف المحدب أو المنحدر، بعد ان عادت تشيد قديما بالأخشاب باتت تقنية الاسمنت المسلح تستخدم في إعطائها هذه الهيئة الملائمة للأجواء الساحلية الممطرة على مدن المتوسط والمحيط الأطلسي.

ويغطي السقف المحدب بالقرميد الأحمر أو الأخضر مثلما كان متبعا في عمائر المغرب والأندلس. ان أية إطلالة من كل جانب على أسطح المدن المغربية تجعل من العسير على الناظر ان يميز بين المنشآت القديمة والحديثة فيها نتيجة للاستمرار في الاعتماد على هذه النوعية من الأسقف التي قامت وتقوم بوظيفتها في منع تراكم مياه الأمطار على خير وجه.

ومابرحت المساجد الجديدة تحاكي التاريخية والقديمة في الاهتمام بإضاءة الأجزاء المؤدية إلي المحراب، فالاسكوب أو الرواق المعقود الذي يصل بين موضع المحراب والصحن المكشوف له عقود أعلى هامة من بقية عقود ظلة القبلة، وغالباً ما تشيد فوقه قبة من ناحية الصحن .

وأخرى مماثلة على الطرف الآخر فوق المحراب مباشرة. وعلى الرغم من ان النشأة الأولى لهذا التصميم كانت في الجامع الأموي بدمشق بغرض زيادة الإضاءة في الموضع الذي يقف فيه الإمام، إلا أنه في المغرب بات عنوانا على الاحتفاء بموضع القبلة وتشريفه أيضا.

ولعل ذلك الفهم الروحاني قد أوحى للمعماريين الجدد ان يسلكوا سبيل أسلافهم القدامى في العناية بإطلالة رواق القبلة الأوسط على صحن المسجد ليكون أشبه بمدخل حقيقي حاشد بأنواع الزخارف.

أما من الخارج فإن المساجد الحديثة تبدو شديدة الشبه بالمساجد التاريخية إذ تشيد جدرانها من الأحجار وبمقاييس ضخمة تحاكي الأسوار الحربية. ومن العلامات المميزة في مسار الإحياء المعماري بالمغرب الروضة أو الضريح الرائع الذي دفن به جثمان العاهل المغربي محمد الخامس، فهو بتصميمه المعماري وزخارفه من الجص والزليج يضاهي عمائر المغرب والأندلس في عهد الموحدين على وجه الخصوص.

وهناك أيضا العمل المعماري العملاق المطل على المحيط الأطلسي بمدينة الدار البيضاء ألا وهو جامع الحسن الثاني ولعله الأول من نوعه في مدرسة الإحياء المعماري بالمغرب اذ يجمع في حقيقة الأمر بين التجديد الإنشائي المعتمد على تقنيات البناء الحديث.

ولاسيما في الاعتماد على الزجاجية الشفافة التي تستمد ألوانها من زرقة مياه المحيط وبين المحاكاة التراثية التي تتخذ من تصميم الصومعة المغربية عنوانا بارزا على الأصالة التاريخية لهذا الصرح المعماري العملاق.

إضافة إلى أعمال الزخرفة التي استنهضت كل مخزون الحرفيين من خبرات تاريخية وفنية في أعمال زخرفية بديعة جسدت بلاطات الزليج الرائعة الألوان والمكونات الزخرفية الدقيقة والمعقدة لأعمال الجص، ناهيك عن روائع الحفر والتشكيل الزخرفي للأثاث الخشبي الذي يحتويه الجامع.

ذلك بالإضافة إلى عدد من القصور الصغيرة التي شيدت في النصف الثاني من القرن الماضي وقد استمدت عناصرها من تراث العمارة الأندلسية في عصري الموحدين وبني نصر كما هو الحال في القصور الصيفية الملكية.

ـ أستاذ الآثار بجامعة القاهرة