كانت السيارة تتوغل في الطريق الممتد عبر تفاصيل الصحراء متجهين من عجمان نحو الراشدية إحدى مناطق «فلج المعلا» وقد ارتفعت شمس الصباح لتنشر نورها على التلال الرملية وما تناثر فوقها من نباتات الصحراء مشكلة لوحة لا متناهية من حمرة الرمل وتموجاته، ووحدها مزارع النخيل الخضراء استطاعت أن تكسر رتابة المشهد وسكونه.
مررنا بمنطقة «كابر» وكانت هناك لوحة تشير إليها، ثم «اللبسة» وميدان سباق الهجن وحوله «عزب الجمال» التي أقيمت على جانبي الطريق الجديد ثم منطقة «بياته» فالراشدية التي كانت محط رحالنا ولقائنا الأول مع المكان وتفاصيله العبقة برائحة الماضي.
أدهشنا جمال المنطقة وحسن تنظيمها والنهضة العمرانية الموجودة فيها، وذهبنا من هناك في جولة حول مناطق الفلج ومعالمه نظمها لنا «مركز شرطة فلج المعلا» فقد اتصلنا بهم لمساعدتنا في معرفة المكان وإجراء لقاءات صحافية بأهله وشوابه.
وهكذا زرنا الراشدية ليكون حديث الذكريات متنفساً لأبناء الزمن الجميل حيث البساطة تكتنف الحياة وتمدها بسحر لا نجده اليوم. استقبلنا الوالد سالم مصبح خليفة ابن الشاعر الغفلي بحفاوة يعرفها البدوي الذي يكرم ضيفه ويفرح بمقدمه.
وبعد أن استأنسنا بالمكان تحدث ابن الشاعر عن حياتهم الماضية فقال: كان الناس أول بدو مجتمعين حول الكلأ فإذا وجدوا «بقعة» فيها ماء أقاموا عندها وبنوا بيوت الشعر فيها، وكان الرجال يقودون الركاب .
وترعى النساء الغنم والحلال، وحياتهم «أهلاً ومرحبا» إذا جاءهم «الخطار» أي الضيف أحضروا له الكرامة وتقهووا معه ورحبوا به، والحاضر من الرجال يذبح للضيف ويسد غيبة أخيه أو جاره.
وكانت أعمال الناس بسيطة فهم يجمعون الحطب ويعملون منه «حمايل» يبيعونها في أسواق الساحل، وثمن كل حمولة ريالان يشترون به العيش والتمر ويعودون إلى أهلهم بما حصلوا عليه.
وكان الناس متعاونين يجتمعون على السهل والصعب وإذا ما أراد أحدهم الزواج اجتمع أبناء الفريج وساعدوه بما يستطيعون وقدموا له «هبة الريح» أي النقود واحتفلوا بعرسه ثلاثة أيام يطبخون «العيش واللحم» ويرزفون ويحيون المهنئين من القبائل الأخرى ويقدمون الطعام للضيوف أولاً ثم يتبعهم الأهل والجيران.
ويبدو الحزن واضحاً على الوالد محمد علي الفليتي وهو يتذكر عطايا وأفعال المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فهو يقارن بين حياة الخوف في الماضي وبين الأمان الذي وفره حكم رئيس الدولة رحمه الله استرحنا من الخوف ولم يعد هناك من يقطع الطريق على الناس.
وقد جمع الإمارات السبع وجعلهم أخوة و«رباعة» وأرض الشيخ و«العامي» وبنى البيوت والشعبيات والمدارس والمستشفيات ورعى الأيتام، وأصبحت المرأة تعيش في رفاهية وتمتلك من الذهب ما يغني بلداً بأكمله، وجعل الإمارات ملتقى الناس ومصدر رزقهم، واليوم رحل عنا والعوض بأبنائه الشيوخ وصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة.
* الصحراء مدرسة الفروسية
ويتحدث الفليتي عن مناطق سكناهم فيقول: كنا نعرف هذه الأرض «الهور بهورة» فنحن نتنقل بين الآبار ومناطق الكلأ وسكننا الرئيسي كان في منطقة تسمى «الجويعة» لكننا ننتقل بين بياته ومهذب والسمحة والحمرانية .
وكانت تلك المنطقة تأوي الظباء وحيوانات الصحراء وكذلك الذئاب التي تهدد مواشينا فنحميها بأسلحتنا، فتجد لدينا البنادق والخناجر والسيوف ولم تكن هناك مدارس والتعليم الذي يحصل عليه الصبي هو كيفية استخدام السلاح وضرب السيوف والخناجر وركوب الخيل والهجن، فالحياة ليست سهلة ولا بد للرجل أن يكون قوياً .
وقادراً على استخدام السلاح ليحمي نفسه وعائلته، من الذئاب والحيوانات الضارية وقطاع الطرق، كذلك لا بد للفتى أن يعرف سبل العيش في ذلك الزمان، فلم يكن أمامنا سوى حمل «الشمام» أو صناعة «الصخام» وبيعه في أسواق الشارقة ودبي حيث تستغرق الرحلة أياماً عدة.
* الكحل من المفطرات
ويأتي حديث رمضان فيستعيد الرجل ذكرياته الجميلة وكيفية حساب أيامه وأوقات فطوره وسحوره فيتحدث الوالد سويدان مبارك الغفلي، وهو رجل عرف التعب أيام الماضي وأظهر العمر آثاره على صحته لكنه لا يزال يمتلك وسامة وذكاء يليقان ببدوي، فيقول:
كنا نعرف الشهور الشهر بشهره، ويحسب بالحساب العربي حسب الهلال ولا نعرف الشهور الإنجليزية، وإذا ما جاء شهر رمضان المبارك عرفناه من الهلال أو من الحساب، وأقمنا «بريزة» أي مجلساً نجتمع فيه للفطور فقد تعودنا أن نفطر «رباعة» .
وكل شخص يحضر ما يتوفر من طعام، وغالباً ما نكون مستعدين بالذبائح، وليلة القدر نذبح عنزاً أو أكثر ونطبخ فيتجمع الناس ويهبشون ونصلي في «البريزة» فلم تكن هناك مساجد، وكنا نقوم إلى السحور على النجم ونبقى حتى الفجر، ونتهيأ لرمضان قبل أيام من مقدمه «فنطرش» إلى «البلاد» أي المناطق الزراعية ذات الأسواق، ونشتري منها السح والقهوة و«العيش» والبر.
وإذا ما رأى أحد هلال العيد «نقع» أي اطلق العيارات النارية، فبات الناس في فرح وأصبحوا مفطرين، وكان الرجال يكتحلون بالاثمد لكنهم يتركونه في رمضان لأنه من المفطرات، وطعامهم التمر وحليب النوق، والهريس والفريد والعيش واللحم.
* العيد رزيف وطماشة
ويعود الوالد سالم مصبح بن الشاعر إلى ذكريات العيد في الماضي فيقول: كنا نستقبل العيد بالفرح فالرجال يشترون لزوجاتهم وأبنائهم الثياب الجديدة بما يتوفر عندهم من مال قليل وتضع النساء الحناء وتلبس الحلي «شغاب ومرية» .
وتطبخ الخبيص والثريد ويجتمع الرجال لصلاة العيد ثم تقهووا «رباعة» واستمروا في الفرح ثلاثة أيام، فكان العيد «رزيف» و«طماشة» وتنافس على سباقات الهجن، والبنات الصغيرات «ينعشن».
ويغنين، وتجتمع النساء في مكان واحد مستبشرات بالعيد، ولم نكن نعرف الخضرة والأصناف المختلفة من الطعام التي أصبح الناس يقدمونها في رمضان، فزمان أول كانت الناس تتواصل بمحبة وتجتمع في السراء والضراء، ولا تجد أحداً مشغولاً عن الآخر، أما اليوم فقد تعددت الاهتمامات وأصبح الأخوة والأقارب لا يلتقون إلا في المناسبات.
والحمد لله أننا هنا ما زلنا نحافظ على عاداتنا وتقاليدنا في رمضان وفي باقي الأيام فنتواصل ونسأل عن بعضنا وتجد «الفريج» وكأنه بيت واحد، ويتحدث الشباب عن رمضان اليوم فيؤكدون أنهم ما زالوا يحافظون على العادات الرمضانية الطيبة التي عرفها الأهل فيقول محمد بن سالم مصبح بن الشاعر:
في رمضان يكون التواصل مع الأهل من أهم الأشياء فالشباب يحرصون على أن يفطروا في بيوت أهلهم، وحتى المتزوجين منهم يأتون مع عائلاتهم إلى بيت الوالد لتكون لتلك الساعات ميزة الاجتماع والتلاقي بينهم، ونحن الشباب نقيم خيمة رمضانية نجلس فيها مع شواب المنطقة نسألهم عن الماضي.
ونستفيد من كلامهم فنأخذ العبرة والنصيحة والمعلومة، خاصة أنهم يعرفون عن الهجن والصحراء الكثير من الأمور التي لا نعرفها نحن، فهم يميزون الأثر ويعرفون أنواع النباتات النافع منها والضار كذلك يمثل حديثهم مدرسة لنا نستفيد من كل كلمة فيها.
خرجنا من مجلس «ابن الشاعر» متجهين إلى العرقوب فمنه نستطيع أن نرى معظم منطقة الراشدية ببيوتها الحديثة وعزبها ومزارعها التي تحاكي منظراً طبيعياً في لوحة فنان.
استطلاع: دلال جويد


