لم يكن تاريخ دبي الاقتصادي قبل النفط تاريخاً راكداً بل عرفت دبي كمركز تجاري واقتصادي قبل اكتشاف النفط بسنوات طويلة. فقد حباها الله بمركز استراتيجي واقتصادي مهم استفادت منه دبي لتتحول إلى ميناء مهم لتجارة الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط.

ومما ساهم في نهضة دبي ذلك التضافر، والذي لا يزال يميز دبي حتى يومنا هذا، بين الجهود الأهلية والحكومية من أجل بناء دبي الحديثة وتطوير مركزها ليصل إلى أهم مركز تجاري في المنطقة بأسرها.

في العام 1922 حصلت بريطانيا من جميع إمارات الساحل على تعهد بعدم القيام بمنح أي امتياز نفطي في أراضيها إلا للشركة التي توافق عليها بريطانيا.

وعلى الرغم من ذلك التعهد إلا أن بريطانيا أرجأت التنقيب عن النفط في دبي وإمارات الساحل حتى منتصف عقد الثلاثينات عندما وافقت شركة النفط الإنجليزية ـ الفارسية التي كانت تتطلع إلى الحصول على امتيازات النفط في هذه الإمارات على ذلك لأنه أكثر ملاءمة لأهدافها مما أدى إلى ضياع فرصة نفطية مبكرة في هذه الإمارات.

ومن الأسباب التي أدت أيضا إلى تأخير عقد امتيازات بترولية في دبي وبقية الإمارات هي السياسة التي اتبعها المقيم السياسي البريطاني في الخليج، وذلك عن طريق منع الباحثين عن النفط سواء كانوا من البريطانيين أو الأجانب من دخول الإمارات بحجة أن المنطقة غير آمنة لحياة «الرجل الأبيض» وبسبب عزلة المنطقة الطويلة.

لذلك نرى المقيم السياسي في رسالة له في فبراير 1926 يوجه النقد للزيارة التي قام بها عبد الله وليامسون، أحد صائدي الامتيازات، وممثل الشركة الأنجلو- فارسية، لمنطقة الساحل المتصالح دون أذن مسبق ودبي بالتحديد.

كما قام المقيم البريطاني بإصدار نشرة أكد فيها أن كل الأريبين ممنوعون من زيارة إمارات الساحل بسبب نقص وسائل الإقامة وانعدام الأمن. كما أخذت الحكومة البريطانية ترصد حركات أي زائر أجنبي للمنطقة عاقدة العزم على عزل المنطقة تماما عن التأثيرات الخارجية.

ظلت الحكومة البريطانية محافظة على هذه الوضعية في منطقة الساحل المتصالح حتى منتصف الثلاثينات. وفي العام 1935 قامت بريطانيا بإبلاغ حكام الإمارات بأن الامتيازات التي منحوها لشركة الأنجلو- فارسية قد تم نقلها لشركة شريكة هي شركة تطوير بترول الساحل المحدودة PDTC.

وأن الشركة المذكورة سوف تقوم بكافة مسؤولياتها بما فيها دفع المبالغ الشهرية المتفق عليها. وفي عام 1939 قامت الشركة بأخذ امتيازات أخرى من جميع شيوخ الإمارات ولكن هذه الإمارات لم تعلن عن اكتشافات بكميات تجارية.

في عام 1960 اكتشف النفط بكميات تجارية في إمارة أبوظبي على بعد حوالي 80 ميلاً من ساحل أبوظبي ولذا قررت الشركة أن تركز عملها في أبوظبي وقررت أن تؤجل باقي الامتيازات في الإمارات الأخرى. وعلى إثر هذا الاهتمام البترولي بأبوظبي فقد تأسس في أبوظبي شركة بترولية هي ادما. أما في إمارة دبي فقد بدأت شركة تعرف باسم دوما DUMA .

وهي الأخت التوأم لشركة أدما بأخذ حقوق التنقيب عن البترول في الجرف القاري في العام 1954. وقد حصلت تغييرات في ملكية هذه الشركة.

فقد خضعت (دوما) لملكية الشركة الفرنسية (CFP) وشركة النفط الأسبانية. بالإضافة إلى ذلك فقد تم بيع حوالي نصف أسهمها إلى شركة نفط دبي Dubai Petroleum Company وهي الشركة التي تملكها شركة نفط كونتينتال Continental Oil ولكن الأخيرة باعت 40% من أسهم شركة نفط دبي لثلاث شركات أخرى.

* دخل كبير وثابت

على الرغم من أن دبي كانت قد وقعت منذ العام 1935 امتيازا للتنقيب عن النفط في الإمارة، كما فعلت بقية الإمارات، إلا أن النفط لم يكتشف إلا في عام 1966 وبكميات تجارية في العام 1968. وقد شهدت دبي تصدير أول شحنة في العام 1969عندما اكتشف البترول بكميات تجارية في حقل فتح البحري.

وقد جاء النفط ليلعب دورا مساعدا في التنمية وليوفر لدبي ذلك المورد الثابت الذي طالما تمنته للصرف على المشاريع العملاقة التي كانت تلك الإمارة الصغيرة تحلم بها. وهكذا حلت دبي معضلة عانت منها لعقود طويلة إلا وهي إيجاد دخل ثابت للإمارة لتصرف منه على المشاريع التي كانت تحلم بها.

أدى اكتشاف البترول إلى أن تصبح دبي وفي خلال فترة قصيرة من الدول المصدرة للنفط. فقد كان إنتاج دبي من النفط الخام بكامله للخارج الأمر الذي وفر لدبي دخلا ثابتا استطاعت من خلاله الإمارة أن تبني لنفسها سمعة مدوية في خلال فترة زمنية بسيطة.

أدى تصاعد أسعار النفط في السبعينات، خاصة بعد حرب أكتوبر 1973، وتنامي قوة منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) إلى تنامي مركز دبي البترولي وظهور الحاجة للسيطرة الوطنية على البترول.

ففي 10 يوليو 1975 قامت دبي بتأميم بترولها وتعويض المساهمين في الشركة البترولية كخطوة نحو السيطرة الكلية على الموارد الوطنية خاصة في ظل حاجة دبي لتمويل حوض دبي الجاف.

فقد جاء في تصريح للمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد حاكم دبي في مناسبة تأميم بترول دبي ما يلي: « نظرا لما تقتضيه مصلحة بلدنا، وانطلاقا من ايماننا بضرورة مواكبة حركة التطور الاقتصادي بشكل موضوعي ومدروس قائم على أسس متينة...

...يسعدنا أن نعلن عن قرار حكومتنا بامتلاك منشآت شركات النفط العاملة في بلدنا فاتحين بذلك عهداً جديداً في علاقتنا مع هذه الشركات يتفق مع أهدافنا المرسومة لخدمة أمتنا ووطننا».

لقد تم الاتفاق بين حكومة دبي وشركات البترول العاملة على أن تقوم حكومة دبي بدفع مبلغ وقدره 110 ملايين دولار كتعويض لهذه الشركات عن منشآتها في دبي وهو ما يعادل المبلغ التي كانت الشركات قد استثمرته في مجال البحث عن النفط. وتنازلت هذه الشركات بالتالي بموجب هذا الاتفاق إلى حكومة دبي عن كل حقوقها في استغلال حقول النفط الخام والغاز.

وكان العقد يقضي بأن تواصل الشركات عمليات التنقيب والبحث عن النفط وتتولى مسؤولية إدارة عمليات الإنتاج وتشغيل وصيانة المنشآت كما تقوم الشركات كذلك بعملية تسويق النفط.

كانت السياسة التي أتبعها الشيخ راشد تجاه شركات النفط سياسة حكيمة. فقد جنت دبي من جراء ذلك منافع كثيرة اقتصادية وسياسية. فاقتصاديا وفر تأميم البترول لدبي دخلا ثابتا أهلها للاستفادة منه في الانفاق على المشاريع الكبرى للإمارة.

أما سياسيا فقد وفر تأميم البترول لدبي السيطرة الوطنية الكاملة على مواردها الحيوية والاستفادة من النفط لخدمة قضايا التنمية الوطنية والبشرية خاصة في فترة السبعينات.

ترصدها: د. فاطمة الصايغ