أما عند الخلف والمتأخرين من المتفقهة والمتكلمة والمحدثة والمتصوفة فالتأويل عندهم جميعاً هو صرف اللفظ عن المعني الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به وهذا هو التأويل الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف.
فإذا قال أحدهم: هذا الحديث أو هذا النص مؤول أو هو محمول على كذا قال الآخر. هذا نوع تأويل والتأويل يحتاج إلى دليل. وعلى هذا فالتأويل مطالب بأمرين:
* الأمر الأول: أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذي حمله عليه وادعى أنه المراد.
* الأمر الثاني: أن يبين الدليل الذي أوجب صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح وإلا كان تأويلاً فاسداً أو تلاعباً بالنصوص قال في جمع الجوامع وشرحه:
التأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح فإن حمل عليه لدليل فصيح أو لما يظن دليلاً في الواقع ففاسد أولا لشيء فلعب لا تأويل. وهذا أيضاً هو التأويل الذي يتنازعون فيه في مسائل الصفات فمنهم من ذم التأويل ومنعه ومنهم من مدحه وأوجبه.
ويرى ابن القيم الجوزية أن المعتزلة والجهمية وغيرهم من المتكلمين يريدون بالتأويل صرف اللفظ عن ظاهره وهذا هو الشائع في عرف المتأخرين من أهل الأصول والفقه ولهذا يقولون: التأويل على خلاف الأصل والتأويل يحتاج إلى دليل. وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من الجانبين.
ومن التعاريف أيضاً ما ذكره الفيلسوف ابن رشد من أن التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب من التجوز من تسمية الشيء بشبيهه أو لاحقه أو مقاربه... أو غير ذلك من الأشياء التي تعورفت في أصناف الكلام المجازي.
ويقرب من هذا التعريف ما عقب الغزالي على تعريفه هو للتأويل حين قال: ويشبه أن يكون كل تأويل صرفاً للفظ عن الحقيقة إلى المجاز.
وكأن الحاجة إلى التأويل تظهر بعد «تفسير» الألفاظ الواردة في النص لمعرفة ما يدل عليه ظاهره فيحمل دليلاً ما ـ عقليا أو نقليا أو عرفيا ـ على أن المراد بالكلام غير ظاهره وأنه يجب حمله على المجاز فيؤول أي فيحمل على المجاز دون الحقيقة. وبذلك يكون التأويل خطوة ثالثة بعد خطوة التفسير كما عبر بعض الباحثين.
وقد اختلف العلماء في بيان الفرق بين التفسير والتأويل وفي تحديد النسبة بينهما وذلك من خلال التباين في موضوع استعمال كل منهما من ميدان العمل والتأثير.
وكأن التفرقة بينهما أمر معضل يصعب حله على كثير من الناس ولهذا بالغ ابن حبيب النيسابوري فقال: نبغ في زماننا مفسرون لو سئلوا عن الفرق بين التفسير والتأويل ما اهتدوا إليه. وليس بعيداً أن يكون منشأ هذا الخلاف هو ما ذهب إليه الأستاذ أمين الخولي حيث يقول:
«وأحسب أن منشأ هذا كله هو استعمال القرآن لكلمة التأويل ثم ذهاب الأصوليين إلى اصطلاح خاص فيها مع شيوع الكلمة على ألسنة المتكلمين من أصحاب المقالات والمذاهب.وبعرضنا لمواضع استعمال كل من التفسير والتأويل يمكن استخلاص الفروق بينهما كما أشار إليها العلماء.
أولاً: موضع استعمال التفسير
يستعمل التفسير في كشف المراد من اللفظ المشكل ورد أحد الاحتمالين إلى ما يطابق الظاهر. وأكثر استعمال التفسير في الألفاظ وفي معاني مفرداتها. ويستعمل في غريب الألفاظ أو في وجيز مبين بشرح نحو قوله تعالى:
(وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) أو في كلام متضمن قصة يتوقف تصوره على معرفتها نحو قوله تعالى: (إنما النسيء زيادة في الكفر) وعلى هذا يكون التفسير أعم من التأويل لأنه يستعمل في الألفاظ وفي كشف المعاني وبيان المراد سواء كان بحسب اللفظ المشكل وغيره وبحسب ظاهر المعنى وغيره وهذا الرأي ينسب للراغب الأصفهاني.
وقال الماتريدي: التفسير القطع على أن المراد من اللفظ هذا والشهادة على الله أنه عني باللفظ فإن قام دليل مقطوع به فصحيح وإلا فتفسير بالرأي وهو المنهي عنه قال أبو طالب الثعلبي:
التفسير بيان وضع اللفظ إما حقيقة وإما مجازاً كتفسير الصراط بالطريق والصيب بالمطر. وقيل: التفسير ما يتعلق بالرواية ويمكن الرجوع إلى ما عرف به أبو حيان التفسير فإنه دقيق.
ثانياً: موضع استعمال التأويل عين الراغب الأصفهاني أكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل.
وقد يستعمل عاماً أو خاصاً نحو الكفر المستعمل تارة في الجحود المطلق وتارة في جحود البارئ خاصة والإيمان المستعمل في التصديق المطلق وتصديق دين الحق. وقد يستعمل في لفظ مشترك بين معان مختلفة نحو لفظ وجد المستعمل في الجد والوجد والوجود.
وقيل فيه بأنه ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة على الله.وذكر عن أبي طالب الثعلبي بأنه تفسير باطن اللفظ. وقيل: بأنه الرجوع إلى عاقبة الأمر وقيل: هو ما يتعلق بالدراية. وقيل: هو ما يتعلق باستنباط ذكره البغوي ووافقه الكواشي عليه.