لا يحلو شهر رمضان المبارك إلا باجتماع العائلة إلى طاولة الإفطار فيتخلص أفرادها من تعب يومهم الطويل ويتلذذون بتذوق أشهى الأطباق وتبادل الأحاديث الدينية والاجتماعية.

ولكن هناك أشخاص حرموا من هذه المتعة واختاروا أن يكون لعملهم الأولوية، إذ ارتأوا أن يؤدوا رسالة إنسانية على حساب راحتهم وسعادتهم ومن هؤلاء: الجندي،الطبيب، الممرض ،رجل الإطفاء ،رجال الإنقاذ...وغيرهم.

دوامات متبدلة ومتغيرة، ساعات عمل طويلة، استدعاءات غير متوقعة، أمور من ضروريات هذه المهن تفرض على هؤلاء الجنود المجهولين أن يكيفوا حياتهم مع واقع عملهم. فكيف يستقبلون الشهر الكريم ويتكيفون مع غيابهم عن عائلاتهم في الإفطارات الرمضانية؟

يجتمعون إلى طاولة صغيرة خلال دوام عملهم الطويل، يحاولون تمضية الوقت الذي يمتد إلى ما لا نهاية بانتظار اتصال هاتفي لينطلقوا بعده إلى العمل.

إنهم موظفو فوج إطفاء بيروت الذين اختاروا الدوام الصعب، أربع وعشرين ساعة عمل متواصلة، كانت تمر سريعاً في الماضي إلا أن يوم الصوم الطويل في شهر رمضان يرهقهم «ولكنه لا يأخذ شيئا من عزيمتنا وحماسنا ورغبتنا في العمل» يقول محمود 26 عاماً ويضيف» اخترت هذا العمل عن رغبة حقيقية في خدمة الناس .

وفي التضحية بوقتي وحتى بحياتي من اجلهم وبالتالي فان بضع ساعات من التعب أو الجوع أو حتى الغياب عن العائلة لن يكون عائقا أمامي كما أنني احصل على يومي راحة بعد ذلك».

ويكمل محمود «كان بإمكاني طلب الدوام خلال النهار ولكن نحن الشباب في الفوج قررنا التخلي عن دوام النهار للموظفين الأكبر سنا حتى يفطروا مع عائلاتهم لأنهم الأحق منا نحن الفتية بذلك».

وعن كيفية تمضيتهم لساعة الإفطار يقول «جمعاتنا الرمضانية مسلية جداً فكل واحد منا يحضر طعام إفطار اليوم السابق من منزله فنحصل على أكثر من خمسة أو ستة أطباق مختلفة وبالتالي فان كل واحد يأكل من الطعام الذي يعجبه ولكننا نحرم من الفتوش المنزلي اللذيذ».

ويضحك محمود «بالنسبة لي إنها التضحية الأكبر» ليعود بعد ذلك إلى جديته قائلاً «أما في وقت العمل فإننا ننسى الإفطار والطعام ونركز على المشكلة التي نواجهها، قد نشرب بعض الماء إلا أننا لا نتناول أي طعام لحين عودتنا إلى مراكز عملنا».

«عندما اخترت مهنة التمريض كنت أعرف أن علي تغيير عاداتي والتخلي عن بعض التصرفات المحببة على قلبي» تجيب جومانا 23 عاماً الممرضة في مستشفى في بيروت عند سؤالها عن كيفية تمضية شهر رمضان، وتضيف «لو اخبرني احدهم قبل سنوات أنني لن افطر في منزلي بين عائلتي لأجلس بعدها معهم ونقضي الوقت بالتسلية والضحك أمام شاشة التلفزيون لما صدقته.

ولكنني الآن وبعد سنتين من الدوام الليلي أجد نفسي وقد تأقلمت بشكل كبير مع واقعي الجديد، أنا على قناعة بأن المهنة التي أمارسها هي من أشرف المهن وأكثرها قدسية، فعندما اسمع كلمة شكر من مريض أنسى كل التعب والجوع، كما أنني تعودت على عدم انتظام وجباتي الغذائية.

وأنا استفيد من الدوام الليلي لأنام معظم ساعات النهار وأستيقظ مع اقتراب موعد الإفطار، لا أتناول وجبة الإفطار الكاملة ولكنني «ألقمش» طوال الليل فلا أجوع خلال النهار. أو لست محظوظة؟»

* طعام البيت

لم يبد محمود وجومانا أي امتعاض من دوام عمليهما بل حاولا أن يسخّرا الواقع لخدمتهما حتى يستفيدا منه قدر المستطاع. أما وائل فلم يتحمل الابتعاد كثيراً عن طعام والدته اللذيذ، وهو يقول» أعمل ضمن فريق حراسة مصرف.

وقد جربت في العام الماضي العمل خلال الدوام الليلي وكنت أتناول يوميا طعاما جاهزا من المطاعم فأصبت بتلبك معوي واستمر مرضي فترة طويلة بعد انتهاء الشهر الفضيل، هذه السنة لن أعرض نفسي للمعاناة ذاتها ولذلك طلبت من زميلي المسيحي أن نبدل دوامات العمل وقد وافق مشكورا على ذلك وهكذا تمكنت من التمتع بطعام والدتي الصحي والمغذي من جديد».

انزعج وائل من ابتعاده عن طعام والدته أما خالد الذي يعمل في فريق الغطس الخاص التابع للجيش اللبناني فيرى أن لا شيء يمكنه ان يعوض الإنسان دفء حضن العائلة أو السهرات اللطيفة مع الأصدقاء بعد الإفطار أو أداء صلاة التراويح في الجامع.

يقول خالد «أيام خدمتي أفقد روح شهر رمضان وأنسى جوهره، رمضان شهر اجتماع المسلمين، شهر العودة إلى جذور الدين والأسرة والأقارب، ولكن عملي يحرمني من الاستفادة منه إلا أنني لا اندم على تركيزي على عملي لأن الله دعا المسلم الى الإخلاص في عمله وتأديته بكل أمانة».

وخالد يخدم ثلاثة أيام في الأسبوع ويرتاح مدة مشابهة وهو يقول «هكذا استطيع أن أعوض كل ما يفوتني من واجبات دينية واجتماعية في أيام العطلة، أنا أصوم الشهر كله ولكنني أشعر في بعض الأحيان أنني أصوم نصف شهر رمضان».

بعضهم تأقلم مع العمل الذي اختاره والبعض الآخر يحاول التملص بعض الشيء من مهامه ، ولكنهم اتفقوا جميعا على أداء الرسالة التي تعهدوا بها لتكون مصلحة المجتمع فوق كل شيء.

بيروت ـ دينا زين الدين