مر بنا الحديث حول جهود الرعيل الأول من أبناء الإمارات في الكتابة الصحافية واستعرضنا بعضاً مما حصلنا عليه من نماذج، ونقف اليوم لنسجل في هذا السياق الجهود الصحافية المحلية. ولقد أوردت التحقيقات والمقابلات الشفاهية التي قام بها باحثون من الإمارات بعض التجارب، والتي أهمها تجربة إبراهيم المدفع والتي ستقف عندها قليلاً.
* «مجلة عمان»
عام 1346 هـ 1927 م أرسل السيد حسن بن عبد الرحمن المدفع رسالة من بومباي، حيث كان مقيماً برفقة والده التاجر هناك إلى ابن عمه السيد إبراهيم بن محمد بن عبدالله المدفع يقول له فيها: ـ
«®®. عرفت جنابك حررت جريدة باسم «عمان» وثانية باسم «العمود» فكاهية. أخي كثيراً أخذني الفرح لسبب أن في تلك البلاد لم تكن جريدة عربية ولا عجمية من قبل. ونرجو من الباري لهم دوام الانتشار، ونرجو من صميم فؤادك أن ترسل لنا نسخة من جريدة «عمان»، ولك مزيد الشكر».
ولعل هذه الرسالة تكون الخيط الرفيع الذي يجعلنا نطمئن إلى صحة رواية صدور مجلة «عمان»، ومن خلالها تضع بداية التجربة الصحافية المحلية.
ومجلة «عمان» كما جاء وصفها لدى من سجلوا ذلك من خلال روايات المعاصرين أنها كانت تكتب بخط اليد على ورقتين كبيرتين، وتكتب بخط أحمر من مادة «المغر» وهو من الطين الأحمر.
ويروي الإعلامي الباحث عبدالله عبد الرحمن أنها كانت نصف شهرية، تنسخ منها خمس نسخ يتم تداولها بين الناس وأنها صدرت بانتظام لمدة عام. وقد شارك في تحريرها أدباء وشعراء منهم عبدالله بن صالح المطوع، أحمد بن حديد، مبارك بن سيف الناخي، حميد بن عبدالله الكندي، حمد بن عبد الرحمن المدفع ومؤسسها إبراهيم المدفع.
وكانت مجلة تعنى بالأخبار السياسية والاجتماعية. وفي رواية لمؤسسها في لقاء له أجرته مجلة الأزمنة عام 1980 يقول: «كانت تأتينا الصحف من القاهرة والعراق والكويت، فيتابع الأخبار من خلالها ونعكسها في عمان.
وكنا نكتب فيها أيضاً عن أخبار البلد والأسعار والمناظر المؤذية وحكايات عن البدو وما يجري من سرقات للعبيد، وأخبار عن الغوص والأسفار. وكتبنا أيضاً مواضيع سياسية عن الحالة الراهنة آنذاك، وأذكر أننا كتبنا عن الإيطاليين وكفاح عمر المختار. وعن فلسطين أيام القاوقجي والحسيني».
وحسبما وصلنا من أوراق إبراهيم المدفع ثمة نصان صيغتهما تشبه إلى حد ما تفاصيل الأخبار التي كانت تنشر حسب رواية المدفع لذا فقد يكون النصان من مادة هذه المجلة، بل إن الباحث عبدالله عبدالرحمن اثبتهما في كتاباته واعتبرهما منها. يقول النص الأول: ـ
قوات الإنجليز دمرت ثلاثة بيوت للعرب، وأن البوليس أرغم عصابة عربية على تسليم السلاح والذخيرة، وليس التفتيش مختصاً بالرجال بل بالنساء.
أرسلت حكومة فرنسا بالترخيص للمفتي الأكبر في داخل أي حدود استطاع اجتيازها.
كسرت سيارات عديدة للبوليس ودمر الجسر بين القدس وأريحا وأن أنابيب البترول عطلت.
لندن: إن وجود المفتي في بيروت يحدث قلقاً شديداً في أوروبا (وبدأ) قلق شديد في فرنسا وقد توسلت حكومة بريطانيا من حكومة فرنسا بأن تعمل تدابير.
وقد أرسلت فرنسا إلى المفتي الكبير أن لا يتعدى الحدود.
وتقول جريدة التيمس (التايمز) إن حكومة بريطانيا أرسلت إلى مصر بأن توجه المفتي إلى مصر ليس مرضياً للحكومة البريطانية.
ألقي مجهول قنبلة على دار يهودي ولكنها عند انفجارها لم تصب أحداً.
دمرت اثنتي عشرة باخرة في الشرق الأقصى.
أما النص الثاني فيورد ما يلي: ـ
الكلام الذي دار بين صاحب السمو الشيخ سلطان بن صقر القاسمي حاكم الشارقة وتوابعها وبين أمير البارجة «دي بيدي فورد».
ـ جنابكم تتألمون من تقسيم فلسطين؟
ـ نعم نتألم من تقسيم فلسطين ويهمنا ما يهم إخواننا المسلمين عرب فلسطين الذين تجمعنا بهم الجامعة الإسلامية ووحدة القبلتين والذي نرجوه من الحكومة البريطانية اما أن تنصفنا من اليهود أو ترفع النظر بيننا وبين اليهود فإما ان تصفي لهم فلسطين أو لنا.
تعليق أمير البارجة: الحكومة على كل حال تريد ان تصلح بينهم ولكن الموازنة لم يوافق عليها بعد.
ـ وهل جنابك زرت بيت المقدس؟
ـ الذي يزور بيت المقدم مجاهد وسنزوره مجاهدين.
ـ اليهود أناس اشراف ولا يزالون ينفونهم ولا لهم ملجأ الا في لندن واذا كان فلسطين لهم حق في قسط منها فلماذا يقومون عليهم.
ـ ان المعلوم انكم كما قال القايل أرى الناس قد مالوا إلى من عنده مال. وهؤلاء اليهود فيهم اغنياء واهل ثروة وتراعونهم ولا تهضمون حقوق العرب الذين لهم السيادة التامة من ألف وثلاثمئة سنة واليهود من ألف سنة أو أكثر لم يكن لهم مقر ولا دولة ولا سيادة مشردين في الأقطار.
* صحيفة العمود
ان رسالة حسن المدفع التي أرسلت من الهند في 14 شوال 1346هـ الموافق 1927م أكدت لنا ان السيد إبراهيم المدفع اصدر مع صحيفة عمان صحيفة أخرى باسم «العمود» وهي صحيفة فكاهية.
وهذه الإشارة تؤكد ان هذه الصحيفة كذلك كانت في عام 1927م، والأغلب انها كانت كمثيلتها «عمان» تكتب بخط اليد وتعلق، وقد يكون المدفع متأثرا في صحيفته هذه بالخط الفكاهي الذي كانت تنتهجه مجلة «حبزبوز» الفكاهية العراقية التي كانت تصل البلاد.
* صحيفة صوت العصافير
ذكر د. احمد أمين المدني انه في الثلاثينات حاول بعض الشباب من دبي والشارقة اصدار نشرة أسموها صوت العصافير.. حيث يقول:
«فقد ذكر أحد ممن عاصروا هذه الفترات ان شبابا من دبي والشارقة أصدروا في عام 1933 نشرة يومية كانت تكتب باليد سموها (صوت العصافير) وكانت تهاجم الاستعمار الذي بدأ يثبت اقدامه في الإمارات». وكانت صحيفة تمثل كتابات الشباب ومواقفهم فكانت تنتقد الأوضاع المحلية بأسلوب لاذع وتهاجم التدخل الخارجي.
ويذكر السيد عمران العويس في المقابلة التي أجراها معه السيد عبدالله عبدالرحمن: «انه سمع ان ثمة صحيفة صدرت بالشارقة قبل حوالي اربعين سنة ـ من المقابلة أصدرها السيد إبراهيم المدفع». وكانت موادها مستقاة أيضا من الواقع ومما تكتبه المجلات العربية التي كانت تصل البلاد آنذاك.
* نشرة النخي
ينقل السيد عبدالله عبدالرحمن عن مصبح بن عبيد الظاهري من العين انه في بداية الخمسينات كانت له جهود في مجال الصحافة. تمثلت في إعداد نشرة، كان يكتبها بيده من أكياس الورق، وكان يضمنها أخبار الحوادث والجرائم، وأخبار المواليد والأعراس، وأخبار الوفيات، وأخبار الحاكم والقبائل، وأعداد القادمين والمغادرين من العين واليها، وانها كانت مبوبة على النحو التالي:
(تبدأ بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على النبي، وبعدها الاخبار. وفي زوايا صغيرة مرسومة بطريقة جميلة، هناك أبيات الشعر والمقامات الادبية) وفي الخمسينات أضاف إليها أخبار السياسة.
كما ينقل عنه النص التالي: «انا أول من أدخل الصحافة إلى دولة الإمارات، لا اعرف مصدر هذه الهواية، إلا انني وجدت أكياس الورق التي أضع فيها التسالي بيضاء. ومن هنا جاءتني فكرة ان اكتب تحياتي على هذه الأوراق لكل من يشتري ثم تطورت إلى السؤال عن الأهل والأولاد، ثم إلى كتابة صحيفة متخصصة.
وكان مسماها مجلج «النخي» نسبة الى «النخي» وهو الحمص المسلوق الذي كان يبيعه الظاهري في مقهاه، وكانت النشرة في بداية الأمر مخصصة للاعلان عن النخي حيث نشر فيها ما نصه:
«ان من فوائد النخي اذا قام الرجل الى غرفة النوم يجد نفسه البطل الوحيد، يهتز ويرتز كأنه عنتر او مئة عنتر، ويقول لزوحته هلمي الي بسرعة لكي نأخذ راحة من النوم» وبذلك تكون أول نشرة اعلانية ـ وانه نشر فيها خبراً نصه كما يلي:
«أفادت الأنباء ان ذهن الإنسان لم يتوقف عند شيء، فهو في جديد دائما وقد علمنا ان سمو الشيخ خليفة بن زايد اشترى ماكينة للري ترج الأرض رجا وتعج الماء عجاً، لها أزيز الريح، وخرير المطر تنتفض كأنها زلزال لا يطاق، فتفجر الأرض عيونا وينابيع».