لم يعد سراً على ساحة الطرب أن عبده الحامولي يحب ألمظ وأن أجمل وأشهر مطربات العصر هي الأخرى تبادله الحب وبدأ كل منهما يشترط أن يغني الآخر في كل حفل يغني فيه.

. ومع أنهما كانا متباعدين لا يريان بعضهما تبعا للتقاليد السائدة في ذلك الزمن إذ كان هو يغني للرجال وكانت هي تغني للنساء الا أن حبهما كان نبع حنان يفيض بالعاطفة الوليدة في قلبيهما.

وبدءا يتناجيان بغناء المواويل التي يرسلانها لكي تكون غذاء عاطفياً لقلبيهما، كانت ألمظ من وراء الحجاب ترسل موالاً مبتكرا في معناه وأدائه الساحر وتغني من مكانها بين النساء خلف الحجاب «رد ياللي تروم الوصال وتحسبه أمر ساهل».

ويتلقى قلب عبده الحامولي العاشق الرسالة ويترجم جوابه موالاً مرسلاً أصبح فيما بعد من عيون النغم في دنيا الطرب إذ يغني من مكانه بين الرجال وعيناه معلقتان بالحجاب الفاصل بينه وبين ألمظ:

«روحي وروحك حبايب.. من قبل دا العالم».

وظل الأمر بينهما في قصة الحب التي جمعت بينهما يسير على هذا المنوال، يغنيان معا في الحفلات وهو شرط أساسي لا يتنازل عنه أحدهما.

نفد صبر عبده الحامولي ولم يعد يكفيه ذلك الحب الذي يتبادله مع «ألمظ» عبر الأغاني والمواويل ولم يكن أمامه إلا الزواج من «ألمظ» وقد تم الزواج بموافقة الشقيقات الثلاث وأزواجهن، وذاع الخبر .

وانتشر بين الناس وقد أسعدهم أن يتزوج أشهر مطربي العصر عبده الحامولي من أشهر مطرباته ألمظ وظنوا أن تلك معجزة يمكن أن تغير مجرى الطرب في مصر فقد اعتقد البعض أن زواج عبده وألمظ سيخلق نوعاً من التعاون الفني المشترك بينهما .

حيث يمكن أن يجلسا على تخت واحد ليغنيا معاً وبحيث يقضيان على أي أمل لأحد في أن يتفوق عليهما في الشهرة والمجد، إلا أن هذا لم يكن يدور في رأس الحامولي ولا في تفكيره، بل كان يفكر بطريقة الرجل الشرقي نفسها المعتز بنفسه وبسيادته على بيته، كان حبه لألمظ يصل إلى حد الجنون وكان يغار عليها بشدة، وكان يعزيه قبل الزواج أنها لا تغني وسط الرجال.

وسرت الدهشة في نفوس الفنانين عندما خاب ظن الناس في أن يشترك عبده وألمظ في حفلات غنائية مشتركة وأذهلهم تماماً قرار «عبده الحامولي» أن تنقطع ألمظ عن الغناء وأن تبقى في البيت زوجة مصونة.

حاولت ألمظ أن تثني زوجها عبده الحامولي عن قراره في إبعادها عن ساحة الغناء وكانت تتوسل إليه ولكنه بقي متمسكاً بقراره، حتى عندما أطلق بعض حساده شائعة تقول إنه تزوج ألمظ وأبعدها عن الغناء غيرة منها ومن شهرتها ولكن الأمر لم يكن كذلك فقد كان يغار عليها لا منها وكانت ألمظ تثق بذلك فنفذت رغبته بحب وبمنتهى الرضا.

في البداية خاب رجاء الناس فيما كانوا يتوقعونه من زواج عبده وألمظ لكنهم لم يلبثوا أن انصرفوا إليه يبدع ويتفوق ويواصل تسيده للطرب في مصر.

وكانت إرهاصة الطرب المصري والأغنية المصرية حبلى بتطور جديد في الغناء والطرب بحيث يخاطب وجدان الناس العاديين بعيداً عن القصور وأسوار الحريم وكان منتصف القرن التاسع عشر يشهد ميلاد نجم جديد برع في حقل الغناء هو الشيخ سلامة حجازي ويشهد الربع الأخير منه ميلاد الشيخ سيد درويش وكلا الرجلين قد صنع للغناء مكانة.

ورده إلى جذوره الشعبية وهم عامة الناس بل ان الصداقة التي ربطت بين عبده الحامولي و الشيخ سلامة حجازي وبدأت بذهاب الحامولي مع صديقه يوسف المنيلاوي إلى الإسكندرية ليسمع نجم الغناء الفتى الشاب الشيخ سلامة حجازي هي التي حررت الشيخ سلامة من النزعة الصوفية التي كانت تسيطر عليه وأقنعه بالتمثيل والغناء.

وسانده كصديق عندما احتاج الأمر أن يتوسط الحامولي لدى الخديوي لكي يسمح للفرقة بالعرض على مسرح دار الأوبرا التي لم تكن تسمح بالعمل إلا للفرق الأجنبية الزائرة، وهو الدور نفسه الذي لعبه الشيخ سلامة حجازي في حياة عبقري الموسيقى الشيخ سيد درويش في بدايات اشتغاله بالموسيقى والطرب.

*رغبة مرفوضة للخديوي إسماعيل

اكتفت ألمظ بأن تتحول إلى سميعة لزوجها عبده الحامولي وكان يصطحبها إلى حفلات الأسر الصديقة فتجلس بين المستمعين له ولا يسمح لها تحت أي ظرف أن تغني، وانقطعت ألمظ تماماً للقراءة وجودت في أدائها بحيث أصبح صوتها الساحر أحلى الأصوات المرتلة للقرآن الكريم.

ووصل صيت ألمظ المطربة التي تحولت إلى مقرئة إلى الخديوي إسماعيل فرغب في سماعها مطربة أولاً ثم مقرئة وأرسل وراءها ووراء زوجها الرسل من حاشيته يبدون له رغبة ولي النعم فثار عبده الحامولي في وجوههم ورفض أن تدخل زوجته القصر مطربة أو مقرئة وكانت نتيجة هذه الثورة غضبة شديدة من الخديوي إسماعيل.

أوشكت أن تعصف بعبده الحامولي ومكانته في دنيا الطرب وقد انتوى الخديوي أن يبطش به ونجح أصدقاء عبده الحامولي ومحبوه في بلاط الخديوي في تخفيف غضب الخديوي إسماعيل فغفر له وهو يقهقه ضاحكاً من الفلاح الذي يرفض أن تدخل زوجته قصر الخديوي.

الأمر لم ينته عند هذا الحد فلم يلبث بعض الحاقدين على مكانة عبده الحامولي وتربعه على عرش الغناء أن همس في أذن الخديوي إسماعيل يذكرونه بالمطربة ألمظ فعاد الخديوي يرسل أحد ندمائه إلى بيت عبده الحامولي لكي يحضر زوجته لتغني وتقرأ القرآن في قصر مولانا، لكن عبده الحامولي رد الرجل في غلظة إلى سيده وقال له إن زوجته لا تغني، تقرأ القرآن فقط ولا تقرأه إلا في بيتها.

حدث هذا في العام 1878 ولم ينقض عام إلا ونفي الخديوي إسماعيل عام 1879 من مصر وعين بدلاً منه ابنه الخديوي توفيق باشا، ورحلت ألمظ عن الحياة في السنة نفسها.

كان عبده الحامولي حريصاً على أن تسمع ألمظ أدواره الجديدة قبل أن يسمعها الناس وكان يطلب رأيها وقد كانت أبداً صاحبة الرأي النافذ والمشورة السديدة .

وكان عبده ينفذ أراءها في أغانيه دون تردد وقبل أن ترحل عن عالمها، شب بينهما خلاف عارض كاد يعصف بحياتهما رغم كل هذا العشق الذي جعل منهما أشهر زوجين في ساحة الطرب لولا أن «ألمظ» كانت سباقة إلى التسامح والمغفرة فقد كانت ترى في حبها لعبده الحامولي قمة العطاء والتفاني.

في يوم 4 يناير من عام 1879 اختطف الموت «ألمظ» أشهر مطربات هذا الزمن لفظت أنفاسها على فراشها وهي تتلو آيات من القرآن الكريم قبيل صلاة الفجر ونطقت بالشهادتين قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة وكانت آخر عباراتها «إنا لله وإنا إليه راجعون»®.

وبكاها عبده الحامولي بكاء مراً ولم ينقطع يوماً عن زيارة قبرها والترحم عليها والتغني بفضائلها مجسداً حزنه لفراقها في أحاديثه الخاصة وفي أغانيه التي شابتها رنة حزن لم تفارقها أبداً مثل أغنية «شربت المر من بعد التصافي».

وقد تركت «ألمظ» لزوجها ألوف عدة من الجنيهات والكثير من العقارات والأملاك والأطيان وقد أخذ عليه البعض أنه لم يكن وفياً لذكراها حتى النهاية.

وقد عاش عبده الحامولي بعد رحيل «ألمظ» إحدى وعشرين سنة فقد لحق بها عام 1901 لكنه كان قد تعرض للمرض وأنفق على مرضه كل ما تركته له ألمظ وكل ثروته وكان قد تزوج مرة ثانية من امرأة أخرى بعد رحيل «ألمظ» إلا أنه عندما مات وجدوا بجوار رأسه صورتها.

عادل السنهوري