يحدثنا الرحالة ابن جبير في أخبار رحلته إلى بلاد الحجاز عن التسحير في القرن السادس الهجري بقوله: «والمؤذن الزمزمي يتولى التسحير في الصومعة التي في الركن الشرقي من المسجد، بسبب قربها من دار الأمير، فيقوم في وقت السحور داعياً ومذكراً ومحرضاً على السحور، ومعه أخوان صغيران يجاوبانه ويقاولانه.

وقد نصبت في أعلى الصومعة خشبة طويلة عليها قنديلان من الزجاج كبيران لا يزالان يوقدان مدة التسحير. فإذا قرب تبين خطي الفجر ووقع الإيذان بالقطع، حط المؤذن المذكور القنديلين من أعلى الخشبة.

وبدأ بالآذان وثوب المؤذنون من كل ناحية بالآذان، وفي ديار مكة الطوح كلها مرتفعة، فمن لم يسمع نداء التسحير ممن يبعد مسكنه عن المسجد يبصر القنديلين يقدان في أعلى الصومعة، فإذا لم يبصرهما علم أن الوقت قد انقطع».

ويرى الدكتور وليد عرفات، الأستاذ بمدرسة اللغات الشرقية في لندن، تأييداً لما أورده ابن جبير، كما أنه لا يخالف الرحالة المشهور ابن بطوطة في ذلك، أن وقت السحور كما هو معروف قبيل صلاة الفجر والاستيقاظ في هذا الوقت أمر طبيعي .

وسهل على الذي اعتاد صلاة الفجر جماعة طوال العام، لذا لا يصعب عليه الاستيقاظ قبل قليل ليتسحر وينوي الإمساك، وبالتالي يمكن للجوار أن يوقظوا بعضهم بعضا.

فالهدف من التسحير في اصله، أذن، هو تنظيم إمساك المسلمين وإفطارهم في البلد الواحد، إلا أن هذا الأمر تطور بدواع ومسببات تختلف باختلاف البلدان وظروفها الخاصة، ذلك إننا عندما نعالج موضوعا كهذا يجب علينا أن نعيش الزمن الذي نتحدث عنه، وتلك هي سنة الكون.

ومن جهة أخرى لا بد من الإشارة إلى أن بعض المسلمين فترت حماستهم وانغمست نفوسهم في أسباب الحياة فقل فعل روح رمضان وتعاليمه فيهم ونأوا عن البر والصدقات إلا بمقدار محدود، وذلك طبعاً في حدود البيئة والظروف الاجتماعية وبالتالي فإن المدن اتسع بناؤها وشهق فامتدت أفقياً وعمودياً، لذا كان لا بد من المعايشة والتطور، فصعب البقاء على القناديل وانتشر المنادون المسحّرون، وبدأوا عملهم.

وقد كان يسحر دمشق مسحّر واحد، كان يصعد على مكان مرتفع جداً ومعه طبل كبير يضرب عليه ويصيح بأعلى صوته.

يا سامعين ذكر النبي على المصطفى صلوا...

لولا النبي ما انبنى جامع ولا صلوا...

راح الجمل يشتكي رجع الجمل يمدح

من معجزات النبي مسك الحصى سبح..

اجت الغزالة للنبي قالت يا نبي ولادي...

صار لهن تلت تيام ولا ماء ولا زادي

* لكل حي مسحّر

ثم تطورت الحياة وبدأ عدد المسحّرين يزداد حتى اصبح لكل حي مسحّر خاص به. بل قسم الحي إلى «مطافات» (مناطق يتوزعها المسحّرون) وتتناسب مع عددهم. وتنطلق الدقات على طبلات صغيرة فيها إغراء وفيها نشوة وصخب وسكينة تشق سكون الليل الساجي وتوقظ القوم إلى ذكر الله، تذكر الناس بما عليهم حيال البؤساء والفقراء.

وهكذا في كل يوم من أيام رمضان وفي منتصف الليل يهب مسحّرو دمشق من رقادهم ليتزودوا بعدة العمل (الطبلة والسلة والفانوس)، وينطلقون عبر الليل والهدوء والحارات الملتوية المظلمة، يمرون بالأبواب يقرعونها بعصيهم الصغيرة أو يدقون (السقاطات).

ويرددون بأصواتهم التي تتفاوت بين الخشونة والحدة والعلو والقباحة والجمال، عبارات رمضان التقليدية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من شخصية هؤلاء المسحّرين: يا نايم وحد الدايم.. يا نايم وحد الله...

أو بالنداء على رب العائلة التي يسحرها باسمه، بينما تكون العصا تتابع في نقرات إيقاعية فوق الطبلة التي ترسل صداها إلى الآذان والنفوس. وكثيراً ما ينشدون المدائح النبوية وقد يرددون على شكل دعابات يروحون عن أنفسهم عناء التعب، ومن المدائح:

يا ما سارت لك محامل يا أشرف العربان

حنين بدرك وحنين نورك يا محمد بان

كف النبي الهاشمي نبع الزلل منه

أروي العطاش وجيش المؤمنين منه

ومن الدعابات:

قوموا إلى سحوركم

اجا القط يزوركم

اوموا ليجي على غفلة

ياخد منكم عقولكن

كشف المكبة واكل الكبة

اوم يا أبو سليم الكوسا

اوم فيّق جارك موسى...

وإذا أمعنت النظر في هذه الوجوه ، تجد فيها السماحة والبراءة والإيمان والطيبة والقناعة بما تدر عليهم هذه الحرفة من دخل محدود.

* مشيخة الكار

فالمسحّرون، إذا، فئة من سواد الشعب، اتخذ أفرادها من التسحير حرفة (كاراً) لهم، وقد انبثق عن هذه الحرفة تنظيمات، على غرار ما كان لسائر الصناعات والحرف الدمشقية، وتدخل هذه التنظيمات في نظام الأصناف أو ما يسمى بمشية الكارات، وهذه كانت تدير شؤون الحرفة وتسوي مشاكلها.

وتضم تلك التنظيمات المراكز التالية: (شيخ الكار، النقيب، الشاويش) إضافة إلى المسحّرين، ولكل من هؤلاء عمل يختص به بغية تأمين سير التسحير في المدينة على وجهه الأكمل.

وشيخ الكار هو أعلى المسحّرين رتبة، وله سلطة معنوية وبركة معترف بها ويكن له المسحّرون جميعاً الولاء، ومنصبه وراثي، وقد ينتخب في حال عدم وجود وريث يليق بالمقام.

وقد كان الشيخ محمد علي العمقي، خادم مقام الشيخ ارسلان، شيخ الكار، ثم ورث المشيخة ابنه محمد خير منذ حوالي ثلاثين سنة. ومهمة شيخ الكار أساسية في تنظيم العمل، فهو يجمع المسحّرين ويلقنهم أصول الصنعة، وضرورة التسحير في الوقت (الترم) المحدد. كما يقوم بإجراء فحص للمبتدئين من المسحّرين.

وكذلك يستطلع على مطافات المسحّرين تحسباً للخلافات التي قد تقع فيما بينهم، لأن العرف عند أهل دمشق أن المسحّر لا يتغير بسرعة بسبب منزلته المرموقة لدى أهل الحي، وأن مجرد رؤية مسحّر غيره يثير المشاكل بين أهل الحي، وبين المسحّر الأصلي من جهة وبين المسحّر الجديد من جهة أخرى.

كذلك فإن شيخ الكار يجمع مسحّري المدينة عنده قبيل انتهاء النصف الأول من شعبان للبحث في تنظيم التسحير للمدينة والإفادة من أخطاء الموسم الماضي جهة وللبحث في مشاكل (المطافات) المناطق ، من ضمان وبيع وشراء بين المسحّرين من جهة ثانية.

وبالتالي فإنه يقر اتفاقات التنازلات عن المطافات التي تتم بين العائلات التي تركت التسحير وبين المسحّرين الجدد الذين تطوعوا للعمل في تلك المطافات، لقاء مبالغ محدودة من المال تتراوح بين 40 ـ 50 ليرة سورية عن كل تنازل تنالها العائلة التي تركت التسحير في تلك السنة، فيكون شيخ الكار شاهداً عدلاً على ذلك، إذ كثيراً ما يغتصب المستأجرون حق التسحير فلا يدفعون الضمان للأسرة الأصيلة المالكة.

كما حدث في منطقة (مطاف) القنوات التي كانت من حق أبي أحمد خيرو، فاستأجرها الشيخ حمندي واغتصبها مع الزمن بالإضافة إلى زقاق الحطاب وقصر الحجاج في حي باب السريجة. كما أن الشيخ يؤمن تسحير المطافات عندما يضطر أحد المسحّرين أو بعضهم للتغيب بسبب المرض أو الضرورة المسببة للانقطاع عن العمل، وبالتالي يحصل من الجدد جانبا من الدخل كحق لأصحاب المطافات الأصليين.

ومقابل كل هذا يقدم كل مسحّر للشيخ ليرة سورية كل رمضان تسمى عرق أخضر كما يدفعون له ليرة أخرى لمناسبة إحياء ليلة السابع والعشرين من رمضان وذلك لقاء إعداد أكلة بياض (رز بالحليب أو هيطلية) يولم عليها للمسحّرين بقسم من المبلغ ويوفر الباقي له.

ويعتبر النقيب نائباً عن شيخ الكار وممثلاً. ويقوم أيضا بمهمة التفتيش، إذ يطوف على المناطق ليتأكد من انتظام قيام كل مسحّر بعمله على أكمل وجه. فيسأل الحارس وأهل الحي عن المسحّر ليتأكد من ذلك وعن رأي الحي في المسحّر. وذلك إضافة إلى قيامه بمهمة التسحير في مطافه الخاص كباقي المسحّرين.

وإذا صدف وسمع أن واحداً من المسحّرين قد قصر بواجبه فإنه يبلغ عنه شيخ الكار الذي يفرض عليه غرامة مادية يولم بها لبقية المسحّرين وقد يكون بقطع قسم من مطافه عنه أو أخذ الطعام منه.

والشاويش هو مساعد شيخ الحرفة بالاسم، وفي الواقع هو يقوم بتنفيذ كل عمل يسنده إليه الشيخ، كإخبار المسحّرين عن يوم الجمع الاجتماع للاستعداد لرمضان، كما أنه باعتباره مسحّراً ممتازاً، كثيراً ما يحل المشاكل الصغيرة التي تقع بين المسحّرين، ولا سيما ما يتعلق منها بمناطق ( مطافات ) التسحير.

ولقاء ذلك يتقاضى من كل مسحّر نصف ليرة سورية عن كل شهر رمضان أو اقل.

* مناسبات خروج المسحّر

أصاب التطور الاجتماعي والفكري والعمراني البلاد العربية والإسلامية ولكن ذلك التطور تباين بتباين تفاعل الإنسان مع البيئة ومدى تمثله للحضارة الإنسانية في العالم بوجه عام.

ودمشق كمدينة من أمهات المدن العربية وحاضرة إسلامية كبرى لها شأنها في التاريخ العربي، أصابها من التطور، ما قلب نظام الحياة وأسسها في جميع مظاهرها. وكتحصيل حاصل تطورت مهمة المسحّر فلم تبق على الشكل الذي حدثنا عنه ابن جبير في الديار المقدسة.

ولم تعد دمشق تتسحر على طبل واحد كما حدثنا السلف، وقد عرف القاسمي، وهو من أئمة دمشق، عرف المسحّر في كتابه قاموس الصناعات الشامية بقوله: «من يوقظ الناس لتناول السحور في شهر رمضان، يدور على البيوت قبل الفجر بساعتين وبيده طبلة يضرب عليها بجلدة، ويتغنى بأقوال مختلفة فينبه أصحاب البيوت».

وكل محلة بدمشق لها مسحّر مخصوص بها حين دخول وقت السحور فينبه أصحابها. ويدور عند الغروب على أصحاب تلك الدور فيعطونه من فضلات طعامهم حتى إذا انتهى شهر رمضان، واقبل العيد يدور عليهم ويطرق أبوابهم، وكل شخص يعطيه على قدره من الدراهم مع إطعامه من حلاوة العيد.

وبالإضافة إلى ذلك فقد كان المسحّر يدور على البيوت ليلة البدر من شعبان يأخذ ممن سيسحرهم في رمضان مباركة نصف شعبان وتكون مالاً أو طعاماً يراكمه المسحّر في سلته وصحونه بأشكاله وأنواعه المختلفة حتى قيل في ذلك «مثل سلة المسحّر» كذلك فإن كل مسحّر يطوف في مطافه عقب صلاة عيد الأضحى المبارك يعيّد على المواطنين ويأخذ العيدية.

دمشق ـ تيسير أحمد