في ظاهرة تتكرر في مثل هذا الوقت من كل عام تم رصد عدد من الأطباق الطائرة في أحياء رأس الخيمة، خاصة التي تكتظ بالمواطنين والجاليات العربية والإسلامية، وذلك قبيل ساعات من موعد وجبة الإفطار في شهر رمضان الفضيل.
وقد كشفت مصادر مطلعة أن تلك الأطباق، هي أطباق من نوع خاص جداً، تحتوي على أكلات شعبية مميزة أو تراثية وحلويات من المحببة للنفس والتي تزدهر وتقفز لتؤكد مكانتها من جديد على موائدنا الرمضانية، ويتبادلها الجيران والأصدقاء، وتحمل بين طياتها مشاعر وأحاسيس يملؤها الحب والتكافل وتقدير حق الجار.
أطباق الهريس والعيش واللقيمات والقطايف والكنافة وغيرها مما يتم تبادلها بين أهل الفريج والجيران والأصدقاء، تلك الأطباق المتبادلة لها مذاق خاص فجرته مشاعر التراحم والمودة في أيام وليالي شهر رمضان، منذ اليوم الأول وحتى آخر يوم.
حيث تمتلئ الطرقات بالأولاد والنساء والرجال الكل يحمل ما لذ وطاب في السيارات أو تمتلئ الأيادي بالأطباق أو المغلفات،كأحد عادات وطقوس الشهر الكريم.
وقد التقينا عدداً من الأسر التي تحرص على تبادل أطباقها المتميزة مع أحبائهم في رمضان من جانبها بادرت ناجية المصلي بالقول شهر رمضان شهر خير وبركة وقد توارثنا عادة تبادل الأطباق المملوءة بأشهى الأكلات بين الأصدقاء والجيران في هذا الشهر المبارك.
حيث تتفنن كل ربة بيت في عمل أطباق شهية تحب أن تتذوقها أسرتها في رمضان، وتعطى لونا خاصا لهذا الشهر، وتحتوي على باقة متنوعة من أطباق أساسية وشوربة وحلويات.
وتضيف: أحيانا يذهب ابني عبد الله أو حمد مع الشغالة إلى بيوت الجيران لتوزيع الأطباق كل يوم قبل الإفطار بحوالي ساعة، وأنا أرسله مع الشغالة لأنها لا تعرف الجيران ولن تتمكن من تعريفهم بأن الأطباق من بيت فلان، وهذا ما يقوم به الأولاد ويشعرون فيه بسعادة غامرة لأن معظم هذه البيوت لأصحابهم في المدرسة.
وتشير موزة الطنيجي إلى أن رمضان هو شهر العبادة والطاعة، وليس شهر ملء البطون وتخمة الموائد بشتى الأنواع من الطعام والحلويات، وتقول إن تبادل الأكلات بين الجيران يتم من خلال أحلى وجبات موجودة في البيت مثل (الهريس) الأكلة الرمضانية المشهورة.
والتي تتطلب جهداً ووقتاً أو البرياني واللقيمات وأنواع الحلويات المختلفة، والسائق يقوم بتوزيع الأطباق على الأهل والأصدقاء والجيران من المواطنين واسر الأخوة الوافدين من المقربين لأنها تكون كثيرة وتذهب كذلك إلى أناس كثيرين.
وأضافت: نحن لا نترك حالياً الشغالات لأداء هذه المهمة وتوصيل الأطباق للجيران لأنهن جدد في البلد ولا يعرفن الطريق جيداً ليذهبن إلى البيت المقصود، ونحن كذلك نتلقى يومياً أطباقاً شهية من الجيران يحضرها أبناؤهم أو شغالاتهم، وطبعاً لازم يأخدوا أطباقاً أخرى من عندنا وهم ذاهبون ويتم تبادل الأكلات بين الجميع.
أما موزة سيف أم معاذ إبراهيم فتقول: تتسارع الأمهات للانتهاء من عمل الإفطار قبل إطلاق المدفع وانطلاق الأذان كأنهن يسابقن الزمن، ليتسنى لهن توزيع بعض أو اغلب ما أعدوا من طعام خصوصاً المأكولات الشعبية التي يشتهروا بها خلال هذا الشهر الفضيل.
ولابد أن تخرج هذه الأطباق بمظهر لائق لأنها تعتبر مرآة للبيت القادمة منه، وكل ربة بيت لها طرق خاصة بها لإعداد هذه الأطباق وتحضيرها وتقديمها في أحسن صورة.
وتؤكد أم معاذ أن الأطباق المتبادلة تكون سبباً في التعارف بين العائلات، وقد حدث معها أن أرسلت أطباقاً رمضانية لإحدى الأسر التي سكنت بجانبها حديثاً، فما كان منهم إلا أن بادروا بالاتصال هاتفياً ليشكرونا على ما أرسلناه لهم، وهكذا تم التعارف بيننا وأصبحنا نصلي التراويح معاً في المسجد، ونتزاور وصارت علاقتنا جيدة.
* ترابط وتراحم
وقالت موزة المسافري: الأطباق المتبادلة في رمضان أصبحت من عاداتنا في الشهر الكريم ومن تقاليدنا المتوارثة عبر الأجيال، فالبعض يعتبرها واجباً من واجبات رمضان وآخرون يستحون رد الأطباق خالية وقد يتباهون بما صنعوا من طعام، وفي الوقت نفسه تعتبر كصدقة وإحسان على الفقراء والمساكين.
وتضيف: شعور جميل بالترابط والتراحم والالفة والمودة بين الناس، يسألون عن بعض ويتشاركون في بعض الأطباق المجهزة على الإفطار بإرسالها هنا وهناك، وفي الوقت نفسه يتقبلون أكلات الأهل والجيران، حركة دائبة قبل الأذان يتسابق فيها الكبير والصغير يحملون الخبيص والبرياني واللقيمات وتشكيلة المعجنات.
وعن طرق توصيل الأطباق للجيران تقول: الشغالة تقوم بهذا الدور، ونحن لا نخاف عليها من الخروج لأن كل المنطقة حولنا من الأهل وشغالاتهم معروفات لدينا.
وإذا كانت ستضطر إلى الذهاب إلى أحد المعارف التي تبعد مساكنهم قليلاً عنا نسمح لها بعشر دقائق فقط للذهاب والعودة حتى لا يكون لديها فرصة للوقوف أو الكلام مع الشغالات الأخريات، وفي حالة إذا كانت الشغالة مشغولة مع الوالدة في المطبخ يقوم أي واحد من إخواني الصغار بتوصيل تلك الأطباق.
وتؤكد نجاح محمود «أم وائل»: رمضان شهر الخير والبركات وقد يكون السبب الذي يدعو الناس لتبادل الأطباق هو تعميق الشعور بالمودة والرحمة والتواصل كما أمرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، ان رمضان هو شهر الفضيلة والكرم، ولقد ولدنا ووجدنا أجدادنا وآباؤنا يعملون ذلك، فتربينا نحن على هذه العادات.
والتي تؤكد أهمية ألا نمنع عن جيراننا كل ما نستمتع نحن به من أكلات، فهي تعتبر من العادات القديمة المتوارثة، ونحن نحرص عليها في أي مكان وجدنا فيه، كما يكون للمحتاجين نصيب منه لأن الله سبحانه وتعالى ورسوله أوصيانا خيراً بالفقراء والمساكين.
ومن المواقف الطريفة التي مرت بنا خلال شهر رمضان انني قد أرسلت ابني بأحد الأطباق الشهية للجيران ولكنه لم يصلهم لأنه انقلب منه في الطريق، وجاء حزيناً خائفاً من العقاب، ولكني عالجت الموقف بحكمة ولم أنهره حتى يوافق على توصيل الأطباق للأصدقاء في المرات المقبلة.
* نعم وخيرات
خيرية نافع «أم معتز» لقد أنعم علينا الله سبحانه وتعالى بنعم وخيرات نشكره عليها، فربة البيت تبادل جاراتها بما تتقنه من مأكولات صنعتها بيديها تعكس نفسها الطيب في الطبخ، وكل بيت يشتهر بطبق معين أو مميز يعرف به ويستلذ به الجيران والأصدقاء، وعملية تبادل الأطباق تتم طوال أيام السنة وليس في رمضان فقط، لكنها تزداد كعادة يومية في هذا الشهر الكريم.
وقالت: المنطقة التي نسكن فيها كل أهلها من الجالية نفسها تقريباً من فلسطين الحبيبة ويسود بيننا الحب والتفاهم، ونحن نتبادل فيما بيننا المحاشي بصفة عامة والكبسة والفطائر والبرياني والمقلوبة والمقبلات وغيرها. ومن الطرائف التي حدثت خلال تبادل الأطباق مع الجيران قالت «أم معتز» إنه في بعض المرات جاءنا أولادهم بأكلات شهية لكنها مسكوبة فوق ملابسهم.
ومنهم من ينكسر الطبق عندما ينزلق من يديه، إنها مواقف عادية تحدث قبل موعد الإفطار خلال أيام شهر رمضان. نادية محمود: أحب في البداية أن أهنئ الأمة الإسلامية بقدوم شهر رمضان المبارك أعاده الله علينا بالخير والبركات، في الشهر الكريم تزداد روابط الالفة بين الجيران والأصدقاء، ويغمر خير كثير.
وأحياناً من كثرة الأطباق التي أتلقاها من أحبائنا وجيراننا لا أجد مكاناً للأكلات التي أطبخها لأسرتي، فقد قللت من وجباتي حتى أتمكن من القيام بالواجب مع الجيران، وأحياناً عندما تزيد تلك الأطباق عن حاجتي أقوم بتوزيعها بالتالي على بعض الأصدقاء أو الفقراء والمساكين.
وتقول إنها تجد سعادة غامرة وهي تقوم بإعادة تلك الأطباق لأصحابها مملوءة بما لذ وطاب من الأكلات الشعبية المصرية المعروفة مثل المكرونة بالبشاميل والمسقعة والكشري والتي يفضلها ويحبها الكثيرون من الناس.
وتضيف ان معظم الناس الآن يستخدمون أطباقاً من الورق المقوى أو المعدني أو المغلفات التي تستخدم مرة واحدة، بدلاً من مثيلاتها من الصيني والبلاستيك حيث يضطرون لوضع علامات معينة أو حروفاً من أسمائهم أسفلها لمعرفتها من بين الأطباق الكثيرة المتبادلة من هنا وهناك.
بعيداً عن السائقين والخدم والأولاد يشارك بعض الأزواج زوجاتهم في عملية تبادل الأطباق، فهي تعد الطعام في المنزل وهو يقوم بتوصيله للأهل والأصدقاء ومع بعض النماذج من هؤلاء الأزواج المتعاونون يقول علي محمد:
أشعر بسعادة غامرة وأنا أقوم بهذا العمل الجليل، الذي يعمق صلة الرحم ويؤكد المودة بين الأصدقاء والكرم العربي الموجود فينا من آلاف السنين ويبرز بشكل أكبر خاصة في هذا الشهر الفضيل.
وحقيقة فهذه العادة تذكرني بأيام الشباب حيث كنت أتولى بنفسي توزيع الأطباق المختلفة التي تحمل ما لذ وطاب على الجيران والأهل في الفريج، وكنت وما زلت والحمد لله أجد متعة في هذا العمل الذي احتسبه لوجه الله تعالى.
نجلاء سعد الدين