هو أبو الفداء إسماعيل بن الخطيب شهاب الدين أبو حفص عمر بن كثير عماد الدين القرشي الشافعي.ولد في (الجندل) سنة 701 هجرية، وهي قرية من أعمال مدينة بصرى شرق دمشق سنة احدى وسبعمئة وكان أبوه خطيبا، ومات أبوه وهو في الرابعة من عمره، فرباه أخوه الشيخ عبدالوهاب، وبه تفقه في مبدأ أمره.

ثم انتقل إلى دمشق سنة 706 في الخامسة من عمره، وتفقه بالشيخ برهان الدين إبراهيم بن عبدالرحمن الفزاري الشهير بابن الفركاح المتوفى سنة 729، وسمع بدمشق من عيسى بن المطعم، ومن أحمد بن أبي طالب المعمر أكثر من مئة سنة الشهير بابن الشحنة، والحجار المتوفى سنة 730، ومن القاسم ابن عساكر، وابن الشيرازي.

واسحق ابن الآموي، ومحمد بن زراد، ولازم الشيخ جمال يوسف ابن الزكي المزي صاحب تهذيب الكمال واطراف الكتب الستة، المتوفى سنة 742، وبه انتفع وتخرج، وتزوج بابنته، وقرأ على شيخ الاسلام تقي الدين بن تيمية المتوفى سنة 728 كثيرا، ولازمه وأحبه وانتفع بعلومه.

وعلى الشيخ الحافظ المؤرخ شمس الدين الذهبي محمد بن أحمد بن قايماز المتوفى سنة 748، وأجاز له بمصر أبو موسى القرافي، والحسيني، وأبو الفتح الدبوس، وعلي ابن عمر الواني، ويوسف الختني، وغير واحد.

وقال الحافظ شمس الدين الذهبي في المعجم المختص: «الامام المفتى المحدث البارع، فقيه متفنن ومفسر نقال، وله تصانيف مفيدة».

وقال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة: «اشتغل بالحديث مطالعة في متونه ورجاله وكان كثير الاستحضار، حسن المفاكهة، سارت تصانيفه في حياته، وانتفع الناس بها في حياته وبعد وفاته، ولم يكن على طريق المحدثين في تحصيل العوالي وتمييز العالي من النازل، ونحو ذلك من فنونهم، وإنما هو من محدثي الفقهاء»!

وعلق السيوطي على قول ابن حجر فقال: «العمدة في علم الحديث على معرفة صحيح الحديث وسقيمه وعلله واختلاف طرقه ورجاله جرحا وتعديلاً، وأما العالي والنازل ونحو ذلك: فهو من الفضلات لا من الأصول المهمة».

وقال المؤرخ الشهير أبو المحاسن جمال الدين يوسف بن سيف الدين المعروف بابن تغري بردى الحنفي في كتابه المنهل الصاغ والمستوفى بعد الوافى: «الشيخ الامام العلامة عماد الدين أبو الفداء.. لازم الاشتغال، ودأب وحصل وكتب، وبرع في الفقه والتفسير والحديث، وجمع وصنف، ودرس وحدث وألف.

وكان له اطلاع عظيم في الحديث والتفسير والفقه والعربية وغير ذلك، وأفتى ودرس إلى ان توفى»!واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رياسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير، وهو القائل:

تمر بنا الأيام تترى، وإنما

نساق الى الآجال، والعين تنظر

فلا عائد ذاك الشباب الذي مضى

ولا زائل هذا المشيب المكرر

وتلاميذه كثر: منهم، ابن حجي، وقال فيه: «أحفظ من ادركناه لمتون لأحاديث، وأعرفهم بجرحها ورجالها وصحيحها وسقيمها، وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك، وما اعرف اني اجتمعت به، على كثرة ترددي إليه، إلا واستفدت منه».

وقال ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب: الحافظ الكبير عماد الدين، حفظ التنبيه وعمره 18 سنة، وحفظ مختصر ابن الحاجب، وكان كثير الاستحضار، قليل النسيان، جيد الفهم، يشارك في العربية، وينظم نظما وسطا، قال فيه ابن حبيب: «سمع وجمع وصنف، وأطرب الاسماع بالفتوى وشنف، وحدث وأفاد، وطارت أوراق فتاويه إلى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير».

* من مؤلفاته

1ـ تفسير القرآن العظيم: وهو من أفيد كتب التفسير بالرواية، يفسر القرآن بالقرآن، ثم بالأحاديث المشهورة في دواوين المحدثين بأسانيدها، ويتكلم على أسانيدها جرحاً وتعديلا، فيبين ما فيها من غرابة أو نكارة أو، شذوذ غالبا، ثم يذكر آثار الصحابة والتابعين، قال السيوطي فيه: «لم يؤلف على نمطه مثله».

2ـ والتاريخ المسمى «بالبداية والنهاية» ذكر فيه قصص الأنبياء والأمم الماضية على ما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة ويبين الغرائب والمناكير والاسرائيليات، ثم يحقق السيرة النبوية والتاريخ الاسلامي إلى زمنه، ثم ينتقل الى الفتن واشراط الساعة والملاحم وأحوال الآخرة، قال ابن تغرى بردى: وهو في غاية الجودة.. وعليه يعول البدر العينى في تاريخه.

3ـ وكتاب (التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل) جمع فيه كتابي شيخيه المزي والذهبي، وهما (تهذيب الكمال في أسماء الرجال) و(ميزان الاعتدال في فقد الرجال)، مع زيادات مفيدة في الجرح والتعديل.

4ـ وكتاب (الهدى والسنن في أحاديث المسانيد والسنن) وهو المعروف بجامع المسانيد جمع فيه بين مسند الامام احمد والبزار وابي يعلى وابن ابي شيبة مع الكتب الستة: الصحيحين والسنن الأربعة. ورتبه على الأبواب.

5ـ (طبقات الشافعية) مجلد وسط، ومعه مناقب الشافعي.

6ـ وخرج أحاديث أدلة التنبيه في فقه الشافعية.

7ـ وخرج أحاديث أدلة التنبيه في فقه الشافعية.

8ـ وشرع في شرح البخاري ولم يكمله.

9ـ وشرع في كتاب كبير في الاحكام ـ وصل فيه إلى الحج.

10ـ واختصر كتاب ابن الصلاح في علوم الحديث ـ سماه (الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث) والذي قال فيه الحافظ ابن حجر: وله فيه فوائد.

11ـ ومسند الشيخين ـ يعني أبا بكر وعمر.

12، 13 ـ السيرة النبوية، مطولة ومختصرة، وقد أشار إلى ذلك في تفسيره لسورة الأحزاب عند بيانه لقصة غزوة الأحزاب، اما السيرة الصغيرة فمفقودة وفيما يتعلق بالسيرة الطويلة فانه يبدو وأن المؤلف ادمجها في كتابه «البداية والنهاية» بعد ان كتبها أولا في صورة مستقلة وقد سجل المحققون .

ـ ومنهم الدكتور مصطفى عبدالواحد ـ ملاحظات على هذه السيرة منها:

1ـ انه ـ أي الحافظ ابن كثير ـ لا يبالي برواية كثير من الاخبار الواهية ـ خاصة اخبار الجاهلية وقصص الجان وما إلى ذلك.. وكان يبريء نفسه:

أ ـ بذكر السند في كل خبر فيلقي بذلك التبعة على غيره.

ب ـ انه كان يعلق على الاخبار ـ بحكم انه حافظ متقن خبير بالاسانيد والرجال، بمثل قوله (غريب جدا) أو (لم يخرجوه) أو (منكر) أو (شديد النكارة) أو (شديد الغرابة) أو (ضعيف) أو (شديد الضعف) أو (تفرد به فلان وهو مجهول).. الخ

وقد ضم الكتاب كذلك، كثيراً من الاشعار التي يغلب عليها الصنعة والتكلف مع كثير من الاخبار الأسطورية التي لا تتناسب مع ما وصلت إليه البشرية من تقدم، كما كان يكرر أحيانا الخبر الواحد، أو الرواية في أكثر من موضع لتعدد المناسبة أو لتعدد طرقه.!

14ـ رسالة في الجهاد ـ مطبوعة..

15ـ قصص الأنبياء، وهو جانب من جوانب البداية والنهاية، جعل مصدره الأول فيه القرآن، ورفض روايات أهل الكتاب ومخالفاتهم للقرآن واصفا إياها بالكذب والبهتان، ويحقق الأحاديث والسنن المروية في شأن الأنبياء، وهكذا يعتبر كتاب قصص الأنبياء هو أسلم الكتب من حيث صحة المصادر.

ونعود إلى تفسيره الذي يقول فيه الدكتور أبو شهبة: (وتفسيره من أجل التفاسير ان لم يكن أجلها وأعظمها، جمع فيه بين التفسير والتأويل والرواية والدراية مع العناية التامة بذكر الأسانيد.

وبيان صحيحها، من ضعيفها من موضوعها ونقد الرجال والجرح والتعديل واستيفاء الآيات في الموضع الأول وتفسير القرآن بالقرآن، مع حسن البيان وعدم التعقيد، وعدم التشعيب في المسائل، والاستطراد الكثير، ومن خصائص هذا التفسير العظيم: انه يعتبر نسيج وحده في التنبيه على الاسرائيليات والموضوعات في التفسير، تارة يذكرها، ويعقب عليها بأنها:

دخيلة على الرواية الاسلامية، ويبين انها من الاسرائيليات الباطلة المكذوبة، وتارة لا يذكرها بل يشير إليها، ويبين رأيه فيها، وقد تأثر في هذا بشيخه ابن تيمية، وزاد على ما ذكره كثيرا، وكل من جاء بعد ابن كثير من المفسرين ممن تنبه إلى الاسرائيليات والموضوعات، وحذر منها، هم عالة عليه في ذلك، ومدينون له بهذا الفضل:

كالامام الألوسي، والأستاذ الامام محمد عبده، والسيد محمد رشيد رضا، ـ رحمهم الله تعالى ـ ولهذا الكتاب فضل كبير علي ـ أي الدكتور أبو شهبة ـ في تنبيهي إلى الاسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير وهو معتمدي، ومرجعي الأول، في هذا الباب، وللإمام ابن كثير حاسية دقيقة.

وملكة راسخة في نقد المرويات والتنبيه إلى منشئها ومصدرها، وكيف تدسست إلى الرواية الاسلامية، وقد تعقب ابن جرير ـ على جلالته وتقدمه ـ في بعض الاسرائيليات والموضوعات التي ذكرها في تفسيره.

ولا عجب في هذا، فهو من مدرسة عرفت بحفظ الحديث، والعلم به رواية ودراية وأصالة النقد، والجمع بين المعقول والمنقول، وهي مدرسة شيخ الاسلام ابن تيميه وتلاميذه: ابن القيم والذهبي وابن كثير وأمثالهم).

وتوفى الحافظ ابن كثير يوم الخميس السادس والعشرين من شعبان سنة 774 عن أربع وسبعين سنة، رحمه الله رحمة واسعة وجزاه الله عن الاسلام والقرآن خير الجزاء.

علي عيد