إذا كانت العلاقة بين كبار المفكرين والكتاب الليبراليين في مصر، وبين ثورة 1952 وبعض زعمائها وأفكارها، قد ظلت على الدوام مبهمة ومحملة بألف التباس، فإن في الصورة التالية التي يرسمها كاتبنا العربي المصري الكبير نجيب محفوظ لعلاقته بالسياسة، ومن ثم لبعض ماجرى له مع «ثورة يوليو» شيئاً من استعراض هذه العلاقة من مصدر أساسي فيها.

«من أجل الأدب ـ يقول نجيب محفوظ في حديث ذكرياته، كما رواه للناقد المعروف رجاء النقاش، وكذلك لصديقه جمال الغيطاني، وكما يتحدث به في مجالسه ـ ابتعدت عن العمل السياسي، فلم انضم إلى حزب أو تنظيم سياسي لا قبل الثورة ولا بعدها. لقد كنت من أنصار حزب الوفد، بل من عشاقه، ولا يقل ولائي عنه عن ولاء أي زعيم من زعمائه.

كما لم تجر أي انتخابات برلمانية إلا واشتركت فيها بصوتي لصالح الوفد، كما لم تقم مظاهرة مؤيدة له وأتيحت لي الفرصة للمشاركة فيها وأنا شاب إلا فعلت ذلك، ومع هذا كله لم أنضم إلى لجنة من لجان الحزب.

ولم تكن هناك أي صلة رسمية تربطني به، وحتى الدكتور محمد مندور وعزيز فهمي، وهما من كبار كتاب الوفد، فقد عرفتهما عن طريق الأدب لا عن طريق السياسة».

ويستدرك محفوظ قائلا أن «وفديته» لم تكن نابعة من تأثره بأسرته فقط بل كان مصدرها الرئيسي هو الشارع. فقد «تفتحت مداركي على مظاهرات ثورة 1919.

وكنت وقتذاك في سن السابعة تقريبا، ورأيت شبابا يسقطون برصاص الانجليز، وهم يهتفون لزعيم الأمة سعد زغلول»، ولقد أشعر ذلك كاتبنا منذ ذلك الحين بتعاطف شديد مع هؤلاء الشباب وأهدافهم بحيث أنه، شيئا فشيئاً، أصبح من أشد المؤمنين بالوفد ومبادئه وزعمائه «بل لم أكن أرى أن الحياة تستقيم في مصر بدون الوفد».

ولكن رغم عشق محفوظ لسعد زغلول فإنه لم يره رأي العين أبدا. أما الفرصة الوحيدة التي واتته لرؤيته فكانت عندما خرج، فتيا، في مظاهرة حاشدة لتأييده عندما كان سعد زغلول ذاهبا للقاء الملك فؤاد من أجل تقديم استقالته في أوائل سنة 1924، بسبب خلافه الشهير مع الملك.

وكان سعد في ذلك الحين رئيسا للوزراء ووزيراً للداخلية وعرفت الجموع أنه ذاهب للقاء الملك في قصر عابدين. وخرج محفوظ مع الآلاف إلى ميدان عابدين ينتظرون قدوم سيارته ويهتفون «سعد أو الثورة».

وبمجرد أن لمحت الجماهير سيارة سعد زغلول اندفعت إليه كالطوفان. أما محفوظ فلم يتمكن من الاقتراب منه «كما حدث الشيء نفسه عند خروجه من القصر بعد انتهاء المقابلة، وهكذا ضاعت الفرصة الوحيدة لمقابلته».

لاحقا، حين بلغ محفوظ مرحلة الشباب، ظلت السياسة تشغل باله، وظل النقد وسيلته في هذا العمل السياسي، وهو يتحدث عن هذا قائلاً «عندما تزوجت في العام 1945، بعد أن ظللت سنوات عازفاً عن الزواج بسبب تفرغي للأدب، توقع العديد من أصدقائي أن تتراجع جرأتي في تناول قضايا المجتمع، وتقل شجاعتي في نقد الخطاء والسلبيات، خوفاً على أسرتي. كما توقعوا من مسؤولياتي العائلية... ».

ثم ان انتقاداتي دائماً موضوعية، ولا تحيط بي أية شبهات، كما أنني ليس لدي أي شعور بالإثم». وهذا الحديث يوصل محفوظ إلى الحديث عن موقفه من ثورة 1952 وزعيمها فيقول:

«لم تكن انتقاداتي لثورة يوليو في أي من كتاباتي موجهة ضد النظام، بل كنت انتقد غياب الديمقراطية في هذا النظام. ولم تكن الديمقراطية من المحرمات، بل هي المبدأ السادس من مبادئ الثورة، والتي أعلنت الثورة أنها ستسعى إلى تحقيقها».

وهنا يذكر محفوظ أن ثروت أباظة ربما كان الكاتب الوحيد الذي كتب رواية يهاجم فيها النظام بشكل مباشر، ففي روايته «شيء من الخوف»، أظهر أباظة بوضوح موقفه من الثورة وأعلن بما لا يدع مجالا للشك أن النظام القائم غير شرعي». لكن هذا لا يعني أن محفوظ كان يغض الطرف عن مساوئ النظام بعيدا عن المخاطر والمتاعب.. ذلك أنه «في مرات عديدة كنت على حافة الهاوية».

و«أولى هذه المرات» حسب رواية محفوظ كانت بسبب قصة قصيرة له نشرتها «الأهرام» بعنوان «سائق القطار»®.ولنصغي إلى محفوظ يحكي الحكاية «بعد النشر، سرى همس في أوساط المثقفين بأنني أقصد جمال عبد الناصر، في هذه القصة التي تدور حول سائق قطار يفقد صوابه.

ويتسبب في حادث تصادم مروع. وكان التفسير السائد هو أنني أشير إلى أن عبد الناصر يقود مصر إلى كارثة». وللمرء أن يتصور ما نتيجة هذا التفسير!

«يومها من خلال مكالمات الأصدقاء التلفونية عرفت مدى خطورة القصة وتأثيرها على الناس، وتوقع البعض اعتقالي.. حتى أن صديقي محمد عفيفي اتصل بي على غير عادته بدون مناسبة في ساعة متأخرة من الليل لكي يطمئن فقط أنني ما زلت موجوداً في منزلي وسط أسرتي.

وكل هذا ما جعلني أتوقع شراً محدقاً. ولكن أنقذني من تلك الورطة محمد فريد أبو حديد، رئيس تحرير مجلة «الثقافة» في ذلك الوقت، إذ كتب مقالا في افتتاحية المجلة.

- ولم يكن بيننا سابق معرفة- عن قصة «سائق القطار» توصل فيه إلى ان كاتب القصة يرمز للصراع بين الشرق والغرب، وهو الصراع الذي كان مستمرا في ذلك الوقت- حوالي العام 1965ـ وكيف أن هذا الصراع قد يتسبب في تدمير الكرة الأرضية التي أرمز إليها بالقطار».

وحمد نجيب محفوظ الله لأن فريد أبو حديد توصل إلى هذا التفسير «وشعرت بالراحة وبأن المقال أزاح عن صدري هما ثقيلا، لدرجة أنني ـ بشيء من الحماقة ـ اتصلت بفريد أبو حديد لكي أشكره، ولم أتنبه إلى أنني بهذا الاتصال التلفوني أؤكد التهمة».

الأزمة -أو الورقة- الثانية التي يتحدث عنها محفوظ في هذا المجال، تتعلق برواية «ثرثرة فوق النيل» التي «بعد نشرها ثار المشير عبد الحكيم عامر، وتوعد بإنزال العقاب بي، بسبب نقد الرواية العنيف للسلبيات القائمة في المجتمع وسمعه البعض يقول «نجيب زودها قوي، ويجب تأديبه ووقفه عند حده».

ولقد دارت نقاشات وسجالات يومها عرف محفوظ بعضها.. لكن البعض الآخر سوف يرويه ثروت عكاشة وكان حينها وزيرا للثقافة.. فهو، وبعد سنوات طويلة زار محفوظ يهنئه بفوزه بجائزة نوبل، فكانت مناسبة «حكى فيها تفاصيل ما دار في كواليس السلطة عن أزمة تلك الرواية».

في ذلك الحين، كان عكاشة يستعد للسفر إلى روما في رحلة عمل واستدعاه عبد الناصر ليسأله عما إذا كان قرأ طلب منه الرئيس أن يفعل ذلك وأن يبدي رأيه بعد عودته من إيطاليا. قرأ الدكتور عكاشة الرواية، ثم في أول لقاء له مع عبد الناصر بعد عودته دافع عنها ومنذ اتهامات المهاجمين لها.

و«أكد للرئيس، كما يقول محفوظ، أنني أنبه إلى أخطاء موجودة وليس لدي سوء نية في مهاجمة نظام الحكم. ثم قال له: إن من الضروري أن يتوافر للأدب قدر من الحرية لينقل صورة واقعية حقيقية عن المجتمع.

وإذا لم يجد الأدب هذا القدر من الحرية مات واضمحل تأثيره.. وهنا اقتنع عبد الناصر وقال «اعتبر المسألة منتهية..» وهكذا تراجع عبد الحكيم عامر عن تهديده بعقابي.