تزدان ليالي رمضان في المغرب بالفن الروحاني الأصيل المتشبع بالمعاني الدينية، وتتألق خلالها الإيقاعات والابتهالات التي تؤديها المجموعات المنشدة في جو من الرهبة والخشوع.
وفي الفضاءات التي صممت على الطريقة المغربية، يجلس الجمهور بشكل دائري على زرابي ووسائد تقليدية الصنع حول نافورة، يتذوقون الموسيقى الروحانية والأذكار المتيمنة بالله ورسوله والأولياء الصالحين، ونفوسهم ترتقي إلى قمة النشوة الروحية.
وتشتهر بين هذه المجموعات «فرقة الحضرة» النسوية التي ترأسها السيدة رحوم البقالي المختصة بفن المديح والسماع، وهي تتكون من 17 صوتاً نسائياً تجيد الأمداح والتراتيل القرآنية والقصائد الدينية.
وفي هذا الحوار تتحدث السيدة رحوم رئيسة الفرقة وأستاذة مادة الموسيقى الأندلسية بالمعهد الموسيقي بمدينة شفشاون عن فن المديح والسماع، وعن أسباب تشكيل فرقتها وعن الدور الذي تتوخى أن تلعبه مستقبل هذا الفن المتوارث عبر الأجيال.
* لماذا فرقة نسوية للمديح والسماع؟
ـ جاءت فكرة تكوين فرقة للمديح والسماع خاصة بالنساء، قبل ثلاث سنوات تقريبا، بهدف المحافظة على هذا التراث الأصيل المهدد بالاندثار.
وضمان استمراريته عن طريق تلقينه لهؤلاء الفتيات اللواتي سينقلنه بدورهن إلى الأجيال الصاعدة، فهن يخضعن لتكوين نظري وآخر تطبيقي لضبط الإيقاع والطبقات الصوتية وتلقين الشعر والقصائد الدينية لمدة ست ساعات في الأسبوع، ما يجعلهن بالتالي قادرات على صيانة موروث هذا الفن الأصيل من الضياع.
الغناء التراثي إذا لم ننتبه إليه سيضيع منا كما ضاعت عدة أشياء فرطنا في قيمتها وأهميتها، خصوصا تلك التي لم نعمل على توثيقها، كونها تعتمد أساساً على التوارث، والنقل الشفهي.
والإشكال المطروح راهناً حول هذا الفن هو أنه في طريقه نحو الانقراض، لذا علينا أن ننبه إلى ضرورة المحافظة عليه، وذلك عن طريق البحث والتنقيب والتوثيق.
ولا يتحقق ذلك إلا بتشجيع وتحفيز المشتغلين فيه، وهذا ما انتبهت إليه وزارة الثقافة المغربية حينما عملت على دعم فرقتنا، بعدما حققت الحضور الفعلي عبر مشاركتها في المهرجانات الفنية التي أقيمت في المغرب كمهرجان فاس للموسيقى الروحية.
* من أين تستمد هذه المجموعة مصادرها؟
ـ هذا النوع الغنائي مصادره التراث، فهي تعتمد عليه سواء من حيث الإيقاعات أم النصوص، فالأشعار المغناة مأخوذة من قصائد غير متداولة ويتم تناقلها شفهياً، أو من مرجعية أصلها غير معروف، ولكنها مشهورة ومتداولة.
ومواضيعها تكون في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم أو في الأذكار والسماع الصوفي، وإضافة إلى ذلك فكل عرض فني لهذه المجموعة يكون من الأغاني الأساسية المختارة أشعار من البردة والهمزية للإمام البوصيري، وديوان مولاي علي شقور، وديوان سيدي محمد الحراق، والمستعملات للششتري، وابن الفارض الملقب بسلطان العاشقين.
وبالنسبة لما هو محلي، فهناك مستعملات محلية، وهي القصائد الحلبية للشيخ الإمام الحلبي وهي بالفصحى ومضمون قصائده عن المولد النبوي، كما توجد قصائد بالعامية المغربية، وهي عبارة عن أزجال.
* وما هي الآلات التي تعتمدها الفرقة؟
ـ الآلات الموسيقية المستعملة في تقديم هذا النوع الغنائي ذي الطبيعة الصوفية تتمثل في الدف والطعريجة (الدربوكة) والطبل والطر (الدف)، الشيء الذي يضفي على الإنشاد مسحة روحانية، تشد إليها المستمعين المتلذذين بأعذب المقامات النورانية كتلك التي تشبه من يدخل مكاناً روحياً أو مقدساً.
ويتميز إيقاع فن المديح والسماع عن الإيقاعات الموسيقية المعروفة، وهو قريب نوعاً ما من ميزان الدرج المستعمل في محيط الموسيقى الأندلسية. وبذلك نجد أن أغلب الألحان المستعملة عندنا مستمدة من الموسيقى الأندلسية، وهناك بعض الألحان التي تنتمي لبعض الأطباع الضائعة أو تلك التي نسميها صنائع يتيمة.
* هل استطاع فن الحضرة أن يحقق لنفسه تفرداً؟
ـ من بين المبادئ الأساسية التي وضعتها نصب أعينها الفرقة احتضان مجموعة من الطاقات الواعدة في مجال الغناء، وتكوين مجموعة نسوية تعنى بهذا الفن الأصيل، والحفاظ على التراث لحضاري النسوي، ففن الحضرة يحمل سماته داخل منظومة الموروث الثقافي والحضاري والفني المغربي.
