اعتادت أن تكون بين جمهور نساء الإمارات في مساجدهن ومراكزهن الإسلامية وجامعاتهن في نهار رمضان وبعد صلاة التراويح في سهراتهن الرمضانية وأمسياتهن الدينية من دبي إلى أبوظبي والفجيرة وعجمان وغيرها فتجوب الإمارات السبع طوال الشهر المبارك في صحبة عدد من الداعيات المتمرسات في جامعة الأزهر لتأكيد التواصل والأخوة بين شعبي مصر والإمارات.

ولنشر المفاهيم الإسلامية الوسيطة بين نساء وفتيات الإمارات الشقيقات في شهر تتسامى فيه كل معاني الود والتراحم والطاعة والعبادة حيث انه شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، مع الدكتورة الداعية والعميدة المتمرسة الدكتورة عبلة الكحلاوي كان هذا الحوار.

* كيف ترى الدكتورة عبلة مستقبل علاقة العالم الإسلامي بالغرب؟

ـ أعتقد أنه لابد من إقامة الحوار المتبادل مع الغرب وإقامة الجسور المشتركة من اجل التعامل مع الغرب من منطلق الندية وان نفهم الغرب ذلك اننا انداد ولسنا تابعين له، ونطرد الشعور بالدونية من عقولنا وقلوبنا إلى الأبد لأننا كما خاطبنا القرآن «خير أمة» إذا تمسكنا بديننا وعقيدتنا كما في قوله تعالى:

«كنتم خير أمة اخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله» وان نقوم بتعمير الارض كما كلفنا ربنا في قوله تعالى: «هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها» هذا من جانب، ومن جانب آخر علينا ان نتجه إلى بيتنا لإعادة ترتيبه من داخله واصلاح شأنه قدر استطاعتنا من خلال تقوية بناء الأسرة وتفاهمها داخل مجتمعاتنا العربية والا نفرط فيها لانها نواة المجتمع والتي إذا انهارت الأسرة فحتما سينهار المجتمع.

بالإضافة إلى تضافر جميع جهود المؤسسات الدينية والثقافية ووسائل الإعلام وضرورة اتحاد الدول الإسلامية مع بعضها البعض من أجل التصدي لجميع المحاولات التي تنطلق من الغرب لمحو وتذويب الهوية الإسلامية وحتى يكون مستقبل علاقتنا بالغرب قائم على الندية وليس على التبعية.

* إذا كنا مطالبين بالتحاور مع الآخر غير المسلم، فما واجبنا تجاه أبنائنا وبناتنا من المتشددين دينياً؟

ـ الحوار ثم الحوار ثم الحوار هو الحل الإلهي الذي له تأثير السحر في حل المشاكل الفكرية والسياسية والاقتصادية والدينية، فالله سبحانه لما عصاه ابليس اقام معه حواراً ليراجعه ويدعوه لعدم العصيان وليعلمنا انه لابد من الحوار حتى نتوصل إلى حلول لمشاكلنا فهؤلاء الشباب المتشدد يحتاج إلى من يتحاور معه ويناقشه.

ويحترم تفكيره مثلما فعل الامام علي بن ابي طالب - كرم الله وجهه- عندما خاطب الخوارج وجلس اليهم فما كان الا ان عاد اكثر من ثلثي هؤلاء الخوارج، فالحوار هو احد الحلول الواقعية للقضاء على التطرف الفكري والتشدد لأن هؤلاء الشباب يحتاجون إلى لون آخر من الحلول غير التعذيب والاعتقال.

وهذا الحل هو الحوار معهم والتحدث إليهم وإدانة العنف بالحجج والدليل والإقناع، وضرورة التأكيد على التفريق بين الجهاد المشروع وبين الإرهاب المحرم شرعاً حتى لا تقوم هذه الجماعات المتشددة بالخلط بين الاثنين معتمدين على خطاب ديني غير مفهوم ومشوش.

والحل لا يمكن ان يكون الا بالحوار مع الشعوب كلها وأصحاب الفكر والشخصيات التي لها نوع من التأثير والقيادة وضرورة الإسراع في الإصلاح السياسي والاقتصادي في الدول العربية والإسلامية لأنه سيتيح علاقة متوازنة مع الغرب وسيتيح إعادة توزيع الثروات والقضاء على الفقر والبطالة وغيرها من المشكلات المجتمعية وعلى رأسها التشدد والتطرف، وان تقوم العلاقة بين الحكام والشعوب على التراضي .

وان يكون المرجع في النزاعات الداخلية مبني الحوار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطار الضوابط الشرعية حتى لا يترتب على إنكار المنكر ضررا اشد من المنكر ذاته، فضلا عن انه من المهام الاساسية المنوطة بأولي الامر تتمثل في حراسة الدين وسياسة الدنيا وعدم الاستهانة بالدين لأن ذلك يولد لدى الافراد مواجهة هذه الاستهانة بأعمال مضادة قد تكون عنيفة.

* في ظل موجة الانحلال التي تطال البلاد الإسلامية قادمة من الغرب عبر الفضائيات والشبكة العنكبوتية، كيف نحصن فتياتنا وشبابنا منها؟

ـ لقد أعددت دراسة وافية حول هذه القضية بعنوان «أثر القيم الإسلامية في نهضة المرأة المسلمة» ركزت فيها على تكريم المرأة بهذا الدين العظيم، ثم تعرضت لبيان حال المرأة عبر الحضارات والديانات السابقة، وذكرت ما آلت إليه المرأة في ظل دين الإسلام والمنزلة الكريمة التي حظيت بها، وبينت خطورة الدعوة لتحرير المرأة بعيدا عن الاسلام ودعوتها إلى التحرر بزعم محاربة الانغلاق .

والتعسف ضدها والذي تفرضه تعاليم الإسلام - حسب زعم اصحاب دعوة التحرير- واتهام الإسلام بأنه ضد المرأة وأنه حرمها الكثير من حقوقها.. وخلصت فيه إلى أن المرأة المسلمة الواعية لا ترى الحرية في تكشُّف الجسد وابتذاله، وإنما الحرية في القوامة على النفس وإدراك قيمة التبصر الواعي لما لها وما عليها.

* ما هي المنطلقات التي يجب ان يقوم عليها الخطاب الإسلامي ليكون مواكباً للتطورات؟

ـ لاشك أن الخطاب الإسلامي لكي يواكب التطورات الحالية في علاقة متوازنة مع الآخر لابد ان يتخلص أولاً من يعض سلبياته التي يعاني منها كالتقوقع والانغلاق والإطلاق والتبعية والانسياق والافتخار بالمناقب والأعراق والرفض والعنف وتحديد المنطلقات الأساسية لخطاب إسلامي مرتبط بالأصل .

ومتصل بالعصر يبلى بلاء حسنا في الدعوة إلى الله وإخراج الناس من ظلمات الجهالة والمعصية إلى نور الإسلام، والمعرفة كشأن كثير من أوجه العمل الإسلامي، لكنه يعاني من سلبيات، مع التأكيد على أهمية انطلاق الخطاب الإسلامي من ركائز جامعة تشتمل على ربانية المصدر والغاية .

وشمول الفكرة وعالمية الوجهة وإنسانية المنطلق ووسطية المنهج وايجابية البناء لتحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية وعدم إغفال المشاكل البيئية وصولا لتطبيق الدين مع واقع الناس مستفيدين من ماضي المسلمين وبعملية تراعي اختلاف المكان والزمان، تجمع الأصالة والمعاصرة بحكمة بلا تهور ويسر بلا عسر.

* ما هو دور الأسرة في حماية أبنائها في ظل تراجع تدريس التربية الدينية في المدارس واستبدالها بمادة الأخلاق؟

ـ لاشك أن الأسرة مسؤولة عن سلوكيات أبنائها إذ يقول الله تعالى:

«يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون»، كما قال صلى الله عليه وسلم: «الزموا أولادكم وأحسنوا أدبهم»، والمناهج الدينية لا تتناسب مع الدور المطلوب منها، فنحن بحاجة إلى مناهج دينية مدروسة ترسخ العقيدة فيسهل التزام الشباب السلوكيات والعادات الإسلامية.

كما ان تربية النشء على المنهج الإسلامي منذ أول لحظة تدب قدماه على الأرض ضرورة، بل قبل أن تدب باختيار المحضن الصالح والبيئة السوية للتنشئة السليمة من أبوين كلاهما حريص على الدين والخلق يستمد سلوكه من مبادئ الإسلام حيث الحرص على تطبيق المنهج الإسلامي في التربية؛ وهذا ينتج أيضاً من إيمانهم بأنه المنهج الأقوم.

بل إن هناك قصوراً في تدريس المناهج الشرعية من ناحية التربية الدينية والأخلاقية ويجب متابعة تدريس المناهج الشرعية والعناية بها والتوسع فيها من التعليم الابتدائي إلى الجامعي.

كما يجب أن نبتعد عن المناهج الأجنبية التي تشمل عادات بعيدة عن الإسلام وتحارب فضيلة العفة، ولابد أن يكون التعليم الديني عملياً وتهذيبياً، ففي الإسلام الكثير من القيم والمبادئ التي يمكن بثها عن طريق القصص الدينية والاقتداء بالصحابة والصحابيات.

* تثار من آن لآخر قضية الفصل بن النساء والرجال في المساجد على عكس ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، فما رأيكم؟

ـ لابد من التأكيد أن تعامل الإسلام مع المرأة تحكمه قواعد أساسية وعلى رأس هذه القواعد قاعدة التكريم «ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ»، قاعدة المساواة «إنما النساء شقائق الرجال»، قاعدة الاحترام والتقدير «لا يُكرمهن إلا كريم» هذا ناهيك إذا تعلق الأمر بالمرأة وهي تؤدي أشرف وظيفة خُلقت من أجلها .

وهي وظيفة العبادة «ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ»، وإذا تعلق الأمر ثانيا بأشرف بقاع العبادة وهي بيوت الرحمن، وإذا تعلق الأمر ثالثا بفريضة الصلاة، هذا كيف يمكن الحديث بعد هذا عن وضع غير لائق بالمرأة؟

فبالنسبة لهذه الأماكن المخصصة الآن للنساء هي على قسمين: قسم راجع إلى هندسة المساجد وهندسة المساجد هذه هي أيضا نتاج لثقافات وأعراف اجتماعية غير سليمة لا صلة لمقاصد الشرع بها، وقسم آخر هو من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو القضايا التنظيمية الإجرائية والآداب العامة الخاصة بالمساجد، وبصفة عامة المراعى في هذا الجانب هي قاعدة التيسير ورفع الحرج عن المرأة.

ومراعاة الآداب العامة للمجتمع مما يدل على أن الأمور تنظيمية ومراعاة للآداب الخاصة بالمساجد، ولا علاقة لها بإثارة الحساسية بين الرجال والنساء، وهذه الحواجز من الأمور المستحدثة من الأمور الاجتهادية الخاصة ببعض المجتمعات العربية وأن هذه الحواجز لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

فضلا عن أن المرأة تحتاج إلى المسجد كما يحتاج الرجل سواء بسواء، فهي تحتاج إلى الأمن والسكينة والاطمئنان، وتحتاج أن تجلس في هذا المصلى وقتاً تستمع إلى درس أو أكثر بل أُثر أنها دخلت المسجد أكثر..

لأكثر من 12 سببا منها الصلاة سواء كانت فريضة أو نافلة أو صلاة جنازة أو كسوف أو إلى آخره، وكذلك الاحتفالات العامة، وأيضاً سماع دروس الدين إلى آخر الأسباب، بل أُثر أن المرأة صلت أكثر من سبعة عشر ألف صلاة أو 18 ألف صلاة في مسجد حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، بينما ما تم بعد ذلك من فصل فمرجعه إلى استخدام قاعدة «سد الذرائع» للأسف التي اسيء استخدامها.

وخاصة أنه أحاط المرأة بجملة من الاحتياطات حتى أُودعت في سجن الأحوط بعد ذلك، ولكن هذا لا يمنع أن هناك مساجد بالفعل تعي مسؤوليتها تجاه المرأة وواجبها، ودورها أيضاً في تثقيف العقول، وخاصة أن المرأة نصف المجتمع ولا يمكن مطلقاً أن ينكر هذا الأمر.

* يتهم المستشرقون الإسلام بالوحشية والعنف ضد المرأة لما جاء في «آية الضرب» وللأسف بعض المسلمين يثيرون هذه الزوبعة من آن لآخر، ما رأيك في ذلك؟

ـ في الحقيقة أنا أعجب اشد العجب من وقوف البعض امام عبارة من اية ويتجاهلون كل ما جاء في القرآن يعلي ويكرم وينصف المرأة بما فيه تلك العبارة التي فهموها بشكل خاطئ وفسروها بشكل مغلوط على أهوائهم.

فقد جعل الاسلام للمرأة مكانتها الطبيعية عندما يقول الحق «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة» وقال: «وعاشروهن بالمعروف»، «ولهن مثل الذي عليهم بالمعروف».

القاهرة ـ مجاهد المليجي