على رغم اشتهاره بكونه محافظاً من الناحية السياسية، كان الفرنسي البير لوندر (1884ـ 1932) واحدا من اكبر الصحافيين الجوالين. كانت تحقيقاته تقرأ من قبل الملايين وكتبه تأتي أولى في لوائح الكتب الأكثر مبيعاً. كان سيدا في مجاله بدقة ملاحظاته وأسلوبه الفكه.

وهو اهتم خصوصا بالشرق الأدنى وتابع العديد من أحداثه والتطورات فيه. وها هو هنا يصف لنا، بطرافته المعهودة، رحلة قام بها مع رفاق له من بيروت إلى القدس في العام 1920.

آمل حقا ان في إمكان كل شخص ان يستخدم حقه في ان تكون له مسيرته من باريس إلى القدس. وآمل ان ليس ثمة ما يقف حائلا دون ان يستخدم المرء حقه في ان يقصّر مسيرته... وعلى هذا النحو قررنا ان من حقنا، وبكل تهذيب، ان نجعل مشوارنا من بيروت إلى القدس.

كنا أربعة، كان هناك ملازم متخصص في فك شفرات اللاسلكي، ومصور بالأسود ومصور بالألوان وأنا، لكي اروي لكم الحكاية من أولها إلى آخرها. في البداية عبرنا صيدون التي صارت الآن تدعى صيدا. ثم وصلنا إلى صور التي هي نفسها «تير» في لغتنا اللاتينية. كانت الساعة الثالثة بعد الظهر. وفي وسعنا ان نقول ان مسيرتنا نحو القدس تبدأ هنا. بيد ان نقيبا فرنسيا اكتشف وجودنا عن بعد.

سألنا: هل انتم فرنسيون أيها السادة؟ أجابه الملازم الفرنسي رفيق سفرنا بأننا حقا فرنسيون. على الفور بدا على النقيب سرور كبير جراء تأكيدنا هذا وتلفظ بالعبارة المدهشة التالية «على هذا نكون قد صرنا واحدا وثلاثين». ثم سألنا ان نتبعه.

وما ان فعلنا ووصلنا إلى منزله حتى وضع بندقية بين يدي كل واحد منا. وراح يعد من جديد قائلا «نحن جميعا بين ضباط وجنود، سبعة وعشرون. وانتم الواصلون أربعة.. ومعنى هذا ان لدينا واحدا وثلاثين لهذه الليلة».

قلت له «عن إذنك الصغير مجرد مصور بالألوان. أما أنا فلست في الحقيقة أي شيء. ونحن جميعا لدينا أمور أخرى نفعلها أهم من أخذنا بنادقك لنصبح واحدا وثلاثين».

«خذ هذا واقرأه». مد إلي النقيب يده وفيها ورقة قرأت عليها «هذه الليلة سوف انزل عليكم كالوابل لأقتلك واقتل اهلك والذين مثلك». وفي الورقة خاتم يتبعه هذا اللقب «زعيم المقاومة في منطقة صور». قلنا «في مثل هذه الحال اذن...».

ثم استطرد النقيب «ليس لديكم ما تندمون عليه. فعلى أية حال كنتم سوف تمضون الليل هنا. لأن طريقكم بالسيارة ينتهي عند هذه النقطة... فطريق حيفا مقطوعة والبحر عال غطى الطريق». سألناه «كيف غطى البحر الطريق؟».

فشرح لنا انه يحدث في صور الآن ما يحدث في طول سوريا وعرضها حيث يتحرك رعايا الأمير فيصل بقوة. والحقيقة انه ما ان أنهى كلامه هذا حتى وصلنا البرهان الحي على ما يقول..

. اذ بدأ من الساعة الخامسة دخل صور جماعات مرتعبة من نساء ورجال وأطفال عراة الرؤوس يبكون ويصرخون. وعلمنا أنهم عائلات مسيحية من سكان الجبل يهربون من مجازر قالوا انها حصلت في قراهم حيث خلفوا وراءهم جثثا بالعشرات. وراحت الجموع تشكوا أمرها بصوت عال إلى الله والى جميع القديسين والى فرنسا، رافعين الأيدي نائحين.

اما مطران صور الذي كانت الجموع تلحقه فانه وقف أمامها صارخا غاضبا.. وكان هذا اللقاء أمام الدير الأرمني. وكان الكل يتحلقون من حول رجل الدين هذا... تماما مثلما يتحلق الناس شتاء حول موقد دافئ.

اما هو فكان يتكلم بصوت يقطع الأنفاس. وبالتأكيد لم نفهم من الكلام سوى اسم غورو يتردد مرات عدة. وفي كل مرة كان اسم غورو يذكر فيها كان الآخرون يصرخون بأمل. وفهمنا لاحقا ان المطران كان يقول انه سوف يتوجه إلى بيروت لمقابلة الجنرال غورو.

بيد ان اليوم الثالث كان انحس. ففيه هلك رئيس الحمير التي تجر عربتنا وقد أضنته الشيخوخة. وعلى الفور حدثت الأمور الآتية: أولاً تشاجرنا مع الحوزي، ذلك لأننا أعطينا قطعة من الخبز للحمار الثاني الذي بدا لنا جائعا ، فإذا بالحوزي يركض نحوه منتزعا منه قطعة الخبز آكلا إياها ثم استدار نحونا وهو يمضغ ويقول مهددا ان الله لا يرضى عن طعام يعطى إلى حيوان بينما ثمة أناس جياع.

وبعد ذلك، حين وصلنا قرب عكا في فلسطين صرخ بنا رجل عند مدخل سور المدينة «قفوا... هل انتم آتون من بيروت؟» قلنا نعم. قال «إذن اتبعوني من هنا» وقادنا إلى كوخ قال لنا ما ان وصلناه «تبعا للأنظمة الدولية سوف أوقفكم هنا» ثم شرح لنا ان السبب هو وجود الطاعون في بيروت. سألناه لكم من الزمن سوف نبقى؟ قال «خمسة أيام». قلنا له ان لدينا شهادات تثبت سلامتنا ثم أخرجنا من جيبنا جنيها فإذا بنا قد شفينا بسرعة وسمح لنا بدخول المدينة.

أما اليوم الرابع فقد كانت بدايته مدفعية. وفي حيفا بالتحديد. بدا اليوم متأخرا حوالي الظهر حيث راحت مدفعية فرنسية راسية في البحر تطلق زخات مدفعيتها. وفي الوقت نفسه شاهدنا الجموع تركض نحو الماء. وانتظرنا فإذا بكاردينال ومطرانين وعدة اشاوسة آخرين ملتحين ينزلون من السفينة.

وكان الكاردينال كما تبين لنا بسرعة الكاردينال دوبوا مطران روان وصحبه، يرافقهم الاميرال مورميه. وتبين لنا ان هؤلاء الرجال من اكابر الكنيسة في طريقهم إلى القدس. واذ حييناهم ركبنا في قطارهم نفسه بين حيفا والقدس 110 كلم.

بيد ان هذا كله سرعان ما أصبح من الذكريات. ذلك اننا عند نحو العاشرة مساء، كنا قد بتنا على قاب قوسين او ادنى من هدفنا. وخلال الساعتين الأخيرتين اجتاز بنا القطار الجبال الصعبة المحيطة بالقدس. وبعد برهة وصلنا إلى بيطير: قفز سائق القطار عند رصيف المحطة واستقبلنا رجل بدا لنا انه رئيس المحطة.

تبادلا بعض الكلمات ثم توجه الرجلان إلى المغسلة يغسلون أيديهم ثم تبعا الرجل الآخر. ودخل الثلاثة المحطة. بعد ثلاثين دقيقة أدركنا أنهم لم يخرجوا بعد. ورحت أنا لأرى أين هم، فإذا بي أفاجأ بطاولة عليها 15 مدعوا وهم يحتفلون جميعا بعيد ما. وبينهم سائقانا وقد أحاط كل منهما عنقه بمنشفة... لا يهم . عند منتصف الليل وصلنا أخيرا، نحن ونيافة الكاردينال وصحبه إلى القدس.