مع نسمات شهر «رمضان» الكريم تدب حركة غير عادية في شارع «الغورية»®. ذلك الشارع الذي يعد من أهم معالم القاهرة الفاطمية، والذي يتصل فيه ليل رمضان بنهاره بفعل حركة دائبة لا تنقطع وروائح زمن جميل يستمد من البشر روعته.
«الغورية» شارع عتيق يمتد عمره لأكثر من ألف عام، كما أنه أشهر وأعرق الأسواق المصرية على مدار خمسمئة عام تقريبا، استطاع خلالها أن يرسم لوحة شديدة الإبداع والخصوصية في نفوس المصريين والسائحين أيضا أما ولأنه سوق رئيسي لتجارة العطارة فإن أرجاءه تمتزج وطعم ولون ورائحة الجذور والتاريخ.
أما سبب تسمية ـ شارع السلطان الغوري ـ فترجع إلى السلطان الأشرف قنصوة الغوري آخر سلاطين المماليك الجراكسة، الذي انتهى حكمه عام 1517 ميلادية عندما فتحت مصر على يد السلطان العثماني سليم الأول، واشتهر شارع الغورية بالصناعات والحرف المتخصصة مثل «النحاسين» .
و«الخيامية» و«الفحامين» وصناعات الخشب المطعم بالعاج كما اشتهر بتجارة الأقمشة والسجاد اليدوي والأعشاب والطرابيش وكان يضم تجارا من بلدان عديدة كالمغرب وسوريا وتركيا؟
وتميزت بضائع حي «الغورية» دائما بالجودة إلى جانب السعر المنخفض حيث إنه سوق معروف بين المصريين بتجارة الجملة، وقد ساهم هذا الشارع بالدور الأكبر في الحفاظ على صناعات مصر اليدوية من الانقراض. وجولة واحدة بأرجاء حي «الغورية» تكون بمثابة دعوة مفتوحة لزيارات عديدة تتكرر ومستقبلا فمن يزور الغورية يعشقها ويرتبط ارتباطا نفسيا بكل تفاصيلها.
والتي تبدأ مع الساعات الأولى للصباح، حيث تدب الحركة وتتزاحم أنفاس القادمين من كل شبر في القاهرة ـ بل ومصر ـ كلها لشراء الهدايا والأقمشة والسجاد والعطارة، ولا يخلو الحى من السائحين الباحثين عن الأصالة والجمال في شارع من أعرق وأهم معالم القاهرة الأثرية.
* باب زويلة
ويعد «باب زويلة» هو الباب الذي يستقبل كل القادمين إلى الغورية، عند عبوره نجد مسجد «المؤيد شيخ» ملاصقا له وتؤكد كتب التاريخ أن هذا المسجد كان في الأصل سجنا عرف بخزانة شمائل وكان المؤيد شيخ أحد سجنائه، وعندما أفرج عنه وعلا شأنه وأصبح والي مصر بنى مكانه مسجدا، وللمسجد مدخل شاهق الارتفاع وبه قبران..
واحد للمؤيدين والآخر لابنائه، وتغطى جدران المسجد ألواح الرخام الفاخرة الملونة بارتفاع المحراب تعلوها نوافذ من الزجاج المعشق رائع الألوان ويتوسط جدار القبلة محراب مكسور بالرخام الملون وعمودان لونهما أحمر ولهما تيجان عربية مذهبة والمحراب حافل بمختلف الألوان والزخارف.
وفي مواجهة المسجد توجد مجموعة معمارية متكاملة شيدتها السيدة «نفيسة البيضا» زوجة مراد بك آخر أمراء المماليك والمجموعة عبارة عن سبيل وكتاب ووكالة وحمام تم تشييدهما في العصر العثماني عام 1796 والسبيل على اليمين وهو مشيد على طراز اسطنبول ويعلوه كتاب لتعليم الأيتام.
وبعده يوجد باب الوكالة التي تحوى داخلها مجموعة من الدكاكين وعلى الواجهة من الخارج توجد مجموعة أخرى من الدكاكين، أما آخر هذه المجموعة فهو حمام شعبي للرجال وكان يوجد حمام آخر للنساء تمت إزالته، وفوق هذه المباني يوجد ما يمسي «بالربع» وهو عبارة عن غرف سكنية، متجاورة وهو نظام سكني قديم انتهى منذ زمن.
وعلى بعد خطوات من هذا المجمع الأثري الرائع يوجد سبيل آخر على يمين الشارع، هو سبيل محمد على الذي شيده محمد على باشا والي مصر ترحما على روح ابنه طوسون، وتغلب عليه الروح الأوروبية في البناء.
وبجوار هذا الأثر الفريد يوجد جامع «الفكهاني» على رأس حارة خشقدم، وقد شيد هذا المسجد الخلفية الفاطمي الظافر بنصر الله في القرن الثاني عشر وكان مسجدا معلقا يصعد إليه بدرج وفي أسفله محلات وعلى اليسار توجد ورشتان لصناعة «الطرابيش».
وهى صناعة منقرضة وقد لا يوجد غيرها بالقاهرة بعد أن ألغى ارتداء «الطربوش» كزي رسمي عقب ثورة 1952 فتراجع استخدامها بسرعة إلى أن انتهى تماما باستثناء بعض الحالات التي تتعامل معه على سبيل الذكرى أو الفاكهة أو استخدامه في تصوير بعض الأعمال الدرامية التاريخية.
* عطفة الشرم
في الغورية أيضا توجه آثار مملوكية كثيرة، منها مجموعة السلطان الغوري المكونة من المسجد والوكالة والسبيل عند مدخل الشارع من جهة الأزهر، وقاعة الدرديري وبعض الآثار العثمانية منها منزل جمال الدين الذهبي شاهبندر تجار مصر في ذلك العصر وهو من الآثار النادرة من العصر العثماني، توجد أيضا «وكالة السكرية» .
وكانت تحتكر السكر سنوات طويلة إلى جانب المكسرات وياميش رمضان وقد تحول نشاطها الآن لتصبح مصنعا للشمع ومن أشهر المنشآت هناك «عطفة الشرم» المسقوفة بالخشب والتي تعتبر مركزا مهما لتجارة الأقمشة بالجملة ومعظم المباني في هذه العطفة منها شبابيك من الأرابيسك.
* براعة العمارة المملوكية
ويعتبر باب زويلة الشهير هو «مدخل الغورية» وهو الذي تتخذه شعار محافظة القاهرة شعارا لها، وهو تحفة معمارية نادرة ويعود الفضل في إنشاء البوابة وبابها الخشبي الضخم إلى الوز بدري الدين الجمالي وزير الخليفة الفاطمي المستنصر بالله في القرن الخامس الهجري.
وقد سمى الباب بهذا الاسم نسبة إلى قبيلة «زويل» إحدى قبائل البربر التي جاءت مع جيش جوهر الصقلي قائد جيش الفاطميين الذي فتح مصر.
وهذا الباب يتكون من بوابة عظيمة بارتفاع 25 مترا وعرض كل ضلع منها 82,4 متر وعلى جانبيها برجان عظيمان مقوسان من عند القاعدة ويوجد أعلى البرجين حجرة تطل على مدخل البوابة للمراقبة وفي أعلى كل برج من البرجين يوجد ثلاث فتحات أغلب الظن أنها كانت تستخدم في الحروب.
وتوجد أعلى البرجين أيضا مئذنتا مسجد المؤيد وتظهر براعة العمارة في عصر المماليك الجراكسة في جامع «المؤيد شيخ» المبني عام 1419 م إذا استغل المعمار وجود باب زويلة واتخذ منه قاعدتين لمنارتي الجامع واتاح لهما بالتالي ارتفاعا شامخا جميلا وسط عمائر مصر الإسلامية وعلما من أعلامها الباقية حتى اليوم.
أما مسجد الغوري فيضم في رحابه وكالة وحماما ومنزلا ومقعدا وسبيلا وكتابا ومدرسة وقبة تقف كلها شامخة وشاهدة على أمجاد دولة المماليك بشطريها البحري والجركس.
وتوصف الصحوة المعمارية التي قام بها السلطان قنصوة الغوري بـ «صحوة الموت» نظرا لما قام به من نشاط مكثف في مجال المعمار الإسلامي انتهى برحيله وزوال دولة المماليك عقب شنق ابن شقيقه «طومان باي» هذا الحدث الذي أورده ابن اياس في كتابه الشهير «بدائع الزهور في وقائع الدهور.
حيث قال: «في نهر ربيع الأول عام 923 هجرية عندما انكسر عسكر طومان باي على يد عسكر بني عثمان ويقصد السلطان سليم الأول ـ في «فرطومان باى» باب إلى البحيرة .
ولكنه تعرض لخيانة تم على أثرها القبض عليه وكان ذلك يوم الاثنين ثاني وعشرين ربيع الأول من تلك السنة 923 هجرية، وهو اليوم الذي يعرف باسم «يوم الخماسية» يوم فطر النصاري وعيدهم الأكبر، فعدوا بالسلطان طومان باي من بر أمبابة إلى بولاق فطلعوا من هناك.
وهو راكب على الرئيس وهو في الحديد وعليه لبس العرب الهوارة فطلع من على سوق مرجوش وشق من القاهرة حتى وصل إلى باب زويلة وهو لا يدري ما يصنع به فلما أتي باب زويلة انزلوه من على الفرس وارخوا له الحبال ووقفت حوله العثمانية بالسيوف فلما وضعوا الخية في رقبته ورفعوا الحبل انقطع الحبل فسقط على عتبة باب زويلة .
وهو مكشوف الرأس وعلى جسده شاياه جوخ أحمر وفوقها ملوطة بيضاء بأكمام كبار وفي رجله باس جوخ أزرق فلما شنق وطلعت روحه صرخت عليه الناس صرخة عظيمة وكثر عليه الأسف والحزن فقد كان شابا حسن الشكل سِنّة نحو أربع وأربعين عاما وكان شجاعا بطلا تصدى لقتال عثمان.
والمعروف أن طومان باي هو ابن شقيق السلطان الغوري الذي سمى باسمه حى الغورية والغريب أن تشهد تلك البوابة العظيمة ومدخل حى الغورية مصرع آخر السلاطين المماليك الذي لم تزد مدة حكمه لمصر عن ثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما وظل جسده معلقا على باب زويلة ثلاثة أيام ودفن في حوش مدرسة السلطان الغوري.
هذه الدراما التاريخية الواقعية يكاد تحكيها آثار الغورية وتكاد لا تنفصل عن واقع الشارع الحالي إذ يمتزج الماضي بالحاضر في انسجام يلمسه كل من يدق باب زويلة.
القاهرة ـ محمد هشام
