في شمال لبنان وعلى ساحل البحر، تقع مدينة طرابلس الفيحاء الذي يعود تاريخها إلى الفتح الإسلامي في عهد الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه)، والمعتمرة أحياؤها بالمساجد الكثيفة، حيث لا تتجاوز المسافة بين الجامع والآخر ال50 متراً.

عندما اجتاح الفرنجة (الصليبيون) ساحل بلاد الشام، احتلوا مدينة طرابلس عام 1108م وقاموا بهدم الأكثرية الساحقة من المساجد، مُشيّدين مكانها كنائس وأديرة، فبقيت طرابلس محتلة لمدة 181عاماً إلى أن تمكن السلطان المملوكي المنصور قلاوون من تحريرها وإخراج الفرنجة منها. كانت المدينة القديمة تقوم على ساحل البحر، حيث تقع مدينة الميناء الآن، فأمر قلاوون بهدم كل ما عليها وإنشاء مدينة جديدة من الداخل بعيدة عن الساحل بنحو 3 كيلومترات، على أن تُبنى تحت سفح قلعة طرابلس.

ومنذ سنة تحرير المدينة (688ه/1289م)، استعادت المدينة حضورها الإسلامي بمبانيها وجوامعها ومساجدها ومدارسها وزواياها، حتى قال الرحالة عبدالغني النابلسي، حين زارها سنة1700م، «إن في المدينة يوجد 360 مسجداً ومدرسة».

*جامع سيدي عبد الواحد المكناسي

يروي الطرابلسيون القدماء أنه حين فتح السلطان قلاوون مدينة طرابلس وحررها من الفرنجة، كان الكثير من المغاربة قد شاركوا في جيشه متطوعين، انتقاماً من القوات الذين هجّروا المسلمين وطردوهم من إسبانيا (الأندلس)، فأرادوا أن يعوضوا خسارتهم في الأندلس وينتقموا من الصليبيين عن طريق الساحل، فانضموا إلى جيش قلاوون بأعداد كبيرة.

وشاركوا في تحريرها وفتحها، وكان سيدي عبد الواحد المكناسي منهم، وهو زاهدٌ مغربيّ، وقد كان ثرياًّ جداًّ إلا أن لباسه ومظهره لا يدلان على ذلك.

ويقول د. تدمري أنه بعد انتهاء عملية الفتح وبداية بناء المدينة الجديدة، أراد عبد الواحد المكناسي أن يبيت في أحد الخانات، فكان أن دخل في خان صاحبه نصرانياًّ ولما رآه بتلك الملابس المتسخة والممزقة، رفض أن يدخله إلى خانه، فشعر عبد الواحد أن مظهره كان سبباً في رفض الآخر لاستقباله.

فقال له أنه مستعد لدفع ما يريده من المال من أجل القبول به في الخان، إلا أن النصراني أصرّ على الرفض، فأتى ذلك المغربي بجماعة من الناس ليشهدوا على استعداده لملء وعاء من الذهب ثمناً لشراء هذا الخان، فلم يصدق صاحب الخان حتى رأى ذلك بعينه.

وتحقق الأمر أمام الناس حين أخرج المكناسي من جعبته كمية هائلة من الذهب ملأ بها وعاء نحاسياًّ وبالفعل تملك سيدي عبد الواحد الخان وحوّله فيما بعد إلى جامع سنة705ه/1305م، وأطلق اسمه عليه».

كانت تقام في المسجد أذكار على الطريقة المغربية (الصوفية المشّيشيّة)، وكان شيخها يدعى عبد السلام المشّيشي، وقد دفن في حجرة تقع عند مدخل الجامع، بينما كان سيدي عبد الواحد يطوف في البلاد، ولا يقيم في مدينة معينة باعتباره زاهداً.

وفي إحدى رحلاته التقى بالرحالة المشهور ابن بطوطة في صعيد مصر، وقيل أن المكناسي بنى جامعاً في هذه المنطقة ويحتمل أنه توفي هناك.لا يزال الجامع موجوداً، لكن الطرابلسيين أقدموا بعد فترة متأخرة على تغيير شكله الهندسي من الخارج.

* جامع البرطاسي

من أجمل جوامع طرابلس وأكثرها تميزاً بالعناصر المعمارية المختلفة، بناه موظف كبير كان يعمل في دواوين المدينة، ويدعى عيسى بن عمر البرطاسي الكردي، كان ثرياًّ يعمل في دمشق ثم أتى إلى طرابلس وبنى هذا الجامع الذي قُدّر بناؤه سنة710ه/1310م، ونسب إليه.

أكثر ما يمتاز به هذا الجامع هي المئذنة التي تنتصب بثقلها على العقد المفرّغ الذي يقع في أعلى البوابة الرئيسية للجامع، ومن المعروف أن العقد يأتي بشكل نصف دائري ومن الصعب أن يحمل هذا الوزن.

ولذلك يُدهش المهندسون لمنظر المئذنة وقد بنيت فوق القوس المفرغ ولم يتم سقفها حتى الآن وقد بلغ عمرها ال700 عاماً، ولا تزال قائمة رغم كل الزلازل والكوارث الطبيعية التي مرت على المدينة.

والطريف في ذلك، كما يقول د. تدمري، أنه يوجد على مدخل الجامع عدة قطع رخامية كُتب عليها، بطريقة هندسية متداخلة، كلمة «محمد» (الرسول صلى الله عليه وسلّم) و«علي» (الإمام علي رضي الله عنه). وقد قيل إن كتابة «علي» في العصر المملوكي يجدر التوقف عندها، لأنها كانت متداولة في العصر الفاطمي (ويعرف الفاطميون بأنهم شيعة).

وعليه فإن نقل المماليك هذه التسمية ووضعها على مساجدهم المملوكية السنية، يعني عدم معرفة البنّائين بالأمور الدينية والثقافية، فكانوا يأتون بأي قطعة ذات شكل فني ويضعونها في المسجد حتى ظهر الجامع البرطاسي متأثراً بالشكلين الفاطمي والبيزنطي.

في أعلى المئذنة وعند الجهة الجنوبية منها، يظهر الطراز المغربي الأندلسي البحت من ناحية شكل النوافذ والركائز والأعمدة الصغيرة، وعليه أصبح الجامع يشتمل على عدة عناصر هندسية فاطمية ـ بيزنطية ـ مغربية، والجامع في الوقت نفسه مملوكي.

تقع حول الجامع عدة حجرات، كانت تتخذ كمعهد ومدرسة للتعليم، حيث أراد عيسى بن عمر البرطاسي أن يكسب أجر الصلاة في الجامع من جهة، وأجر التعليم والتثقيف في المدارس من جهة أخرى.

عندما حصل فيضان نهر أبو علي سنة 1955، قامت الدولة باستحداث مشروع لتوسيع الطرق حول النهر، فهُدمت كل المنازل التي كانت تحيط من حول الجامع وأصبح وحده قائماً وسط باحة كبيرة، أقيمت بعد ذلك حدائق من حوله.

بيروت ـ ريمان عجينة