بين جبل النخل وجبل الحارة استقر قصر الحيل وحصنها المعروف وهناك نجد أطلال قرية سكنتها الحكايات العذبة وقصص البطولة وأساطير الجبال، وفي وادي الحيل انتشرت الخضرة المشرقة لأشجار النخيل والحمضيات فهنا كانت حياة أبناء القرية وملاعب صباهم.
توجهنا نحو قرية الحيل الحديثة التي تبعد عن مركز إمارة الفجيرة حوالي 13 كم ويعيش فيها أبناء المنطقة الذين انتقلوا إلى المساكن الشعبية ويبلغ عددهم حوالي ثلاثمئة شخص، وهم لا يبتعدون كثيراً عن القرية القديمة، فهناك مزارعهم وآثارهم الباقية، ومنها حصن الحيل الذي بناه المرحوم الشيخ عبد الله بن حمدان الشرقي قبل حوالي مئة عام، وتتم حالياً عملية ترميم المربعة والحصن والقصر القديم.
استقبلنا علي راشد الكندي أحد أبناء قرية الحيل في منزله ليكون دليلنا إلى بيوت القرية الأخرى ويعرفنا بماضيها خاصة أن مسقط رأسه كان في قصر الحيل لأن والده رحمه الله كان مسؤولاً عن القصر في الماضي، لذا نجد انتماءه إلى ذلك المكان يتميز بالحميمية فهو يقول «على الرغم من سكني في القرية الحديثة فإني أعود دائماً إلى القصر والقرية القديمة لأني أشعر أن جذوري الحقيقية في ذلك المكان، وقضيت طفولتي هناك، ومازلت أتابع الترميمات للقصر القديم فقد صرت أشعر أن الحياة تعود إليه من جديد».
وقبل أن يأخذنا دليلنا نحو القصر والقرية القديمة توجهنا نحو بيت الوالد عيسى بن عيسى الكندي، لنعرف منه تفاصيل المكان وأهله، والرجل الذي تجاوز الثمانين من عمره لا يزال يمتلك قوة رجال الماضي وذاكرته حاضرة لترفدنا بأخبار أبناء زمنه الجميل، فهو يرى في الماضي لذة لا تعود فيقول: أول «الأوادم» قلوبها عامرة بالخير.
وتساعد بعضها ولا يسود الحسد بينها لذا كان الوادي يجري بالمياه والأفلاج موجودة في كل مكان، وكانت عيشتنا على الزراعة فنزرع الغليون والحب والدخن والذرة والفندال والبصل، وكان تجار البحرين يأتون «ويشلون» الغليون، وكنا نجففه يوم يهب «الغربي» ونطحنه يوم تأتي رياح «الكوسى» ونعمل من الغليون حزماً نبيعها للتجار ومنهم أحمد بن يوسف وعبد بن هاشم .
ويعطوننا ثمنه وأحياناً نستدين على الموسم المقبل، وبسبب وجود الغليون كان معظم الناس يدوخون، وقد كنت «أدوخ» وأنا في بداية شبابي ولكني تركت التدخين عندما سرت إلى الحج أول مرة وقد ذهبت إلى بيت الله إحدى عشرة مرة.
ويشيد الحاج عيسى بن علي الكندي بعلاقات الناس في الماضي قائلاً: لم نكن نتملك أموالاً كثيرة في الماضي لكن علاقاتنا كانت متماسكة وقوية فقد كان كبار السن يحلون المشاكل بين الناس وإذا جاء الضيف تقدم له الضيافة من القهوة والتمر والخبز والعسل، وإذا «قيّل» معنا ذبحنا له ذبيحة وتغدينا معاً، وكنا نصنع الصخام ونبيعه في دبي في رحلة تستغرق سبعة أيام ذهاباً وإياباً ـ واليوم لا أحد يعرف كيف يصنع الصخام.
ـ وفي مواسم القيظ يأتي أهل شعم وبعض أهل زعاب ويقيظون عندنا فنبني لهم عرشان السعف ونتشارك معهم الحياة، وقد كنا نبني «الينز» من الحصا والسعف وكان قوياً جداً يحمي الطعام من المطر والسيل القوي، وكانت سوقنا التي نعرفها هي دبي ونحن نذهب إليها لشراء ما نحتاجه من قهوة وعيش وبهارات وطحين وملابس.
ويأتي الحديث عن رمضان فيستعيد الرجل ذكريات الشباب وكيف كان الناس يصومون الشهر الكريم فيقول: كان رجال القرية وخاصة من يكون حاد البصر منهم يصعد الجبل ليتحرى ظهور الهلال وإذا ما ثبتت رؤيته استبشر الناس بقدوم رمضان وباتوا ليلتهم على نية الصوم، وعندما يحين وقت الإفطار يحملون ما تيسر ويذهبون إلى مجلس راشد بن سيف الكندي ليفطروا مجتمعين، ولم يكن هناك مطوع.
ومن يعرف قراءة القرآن وأمور الدين يقوم بهذا الدور، فيصلون التراويح ويتعشون ثم يعودون إلى بيوتهم للراحة والنوم وقيام الليل ثم السحور الذي يكون بسيطاً ومما يتوفر عند الناس، أما الفطور فيعتمد على التمر بالأساس وكذلك «الكامي» والخبز واللحم أو الدجاج أو السمك الذي يأتي من كلباء، فقد كان بائع السمك يسمى «قمّاط» وهو يخرج أول الفجر على حمار من كلباء حتى يصل قرية الحيل ويشتري منه الناس.
ويقوم بعضهم بتجفيفه وآخرون يطبخونه في الحال، ولم يكن في ذلك الوقت أحد يأكل طعامه وحده، إذ لا بد أن يكون للأهل والجيران نصيب فيه حتى لو كان سمكة أو دجاجة واحدة، بينما تغيرت القلوب، فالجار يأكل ولا يذكر جاره، وقد لا يكون الناس محتاجين للطعام لكنهم بحاجة إلى التواصل والالفة والمحبة فهي الأهم لتنزل الرحمة عليهم.
وفي أيام رمضان الماضية كان الناس يتزاورون ويسألون عن الغائب ويعرفون أخبار بعضهم، وإذا ما جاء العيد خرجوا إلى الوادي وصلوا صلاة العيد واجتمعوا للتهنئة وقدمت أطعمة العيد مثل الهريس والخبيص والعرسية.
وإذا جاء الأطفال للسلام على الكبار لا بد أن يحصلوا على العيدية، وتكون اجتماعاتهم في الأيام الأخرى تحت شجرة «الأتب» قرب «الحابوط» أي حوض الماء فيجلس الناس تحت ظلال الشجرة يجهزون الدعون لبناء العرشان وكانوا يتعاونون في كل شيء وكأنهم عائلة واحدة.
خرجنا من مجلس الحاج عيسى بن علي الكندي لنمر ببيوت القرية التي اصطفت مواجهة لبستان كبير ارتفع عن مستوى الأرض المحيطة بها، وفي كل بيت تجد ضيافة القهوة والرطب موجودة ولا يجوز رفضها فهي دليل تقدير الضيف وقبولها يعني احترام تلك الضيافة لذا كانت محطتنا الثانية في مجلس سيف بن محمد بن سعيد الكندي الذي استقبلنا بالزي الإماراتي التراثي لتلك المنطقة.
وقد ارتدى الكندورة وتمنطق فوقها بحزام جلدي منقوش ذي حلقات فضية واضعاً خنجره تحت الحزام، وكانت سلاسل فضية سميكة فيها حلقات عدة تتدلى من «العصامة» الحمراء اسمها المداور، وقد كان هذا الزي الجميل يدل على قوة وأناقة الرجل واهتمامه بالتراث وتفاصيله المختلفة.
ويذكر سيف بن محمد الكندي أنه يرتدي هذا الزي في المناسبات والأعراس لذا حين تحدث عن العرس الإماراتي القديم عبر عن أسفه على الماضي الذي راح ولم يعد فيقول:
«أول الأعراس غير»، فقد كان الناس يجتمعون ليتعاونوا فيما بينهم، «واحد يقدم الطبيخ» وآخر يعد القهوة ومنهم من يذبح الذبائح، وكان الرجال يرزفون والنساء يغنين عند العروس، ومهر المرأة الذي نسميه نحن في المنطقة «كلامها» لا يتجاوز المئتي درهم، ويوم العرس يلبس «المعرس» كندورة مصبوغة «بحل وورس» فتكون صفراء اللون.
وكذلك تصبغ ملابس العروسة بألوان زاهية، ويضعون الدخون والعون ودهن الورد وعطر قديم كان يسمى «مضارب بنت السودان»، وكان العرس يقام بأفراح كبيرة «وزفة» وغناء و«طماشة» وإذا كانت العروس من منطقة بعيدة، يزينون لها بعيراً لتركبه وتزف عليه فيضعون الخرج الأحمر «والشداد» و«الساحة» الحمراء .
و«المطرح» تتلحف به العروس، وتبدأ الزفة بأن يبرك الجمل فيحمل العروس وعندما «يثور» يصعد المعرس أمامها وإذا كانت بدوية لا تخاف وإذا كانت «حضرية» تمسك عريسها خوفاً من السقوط، ويتم العرس وسط أفراح الأهل والأقارب وتهنئة القبائل المحيطة بالقرية.
ويتحدث سيف الكندي عن زراعة «الغليون» والتمر فيقول: في الماضي كنا نزرع الغليون والذرة والدخن والبر والشعير، وكنا «نخدم» الغليون أي نعمل في زراعته ستة شهور ثم نضع له الأسمدة الطبيعية وخاصة «القاشع» أي السمك، وحين يبلغ مداه نجففه ونعمل منه حزم يشتريها تجار البحرين، أما في موسم الرطب فنأخذ الناضج منه ونضعه «بالمسطاح».
ونكون «زافين دعون» لتكون فراشاً له تحميه من الأتربة، ونتركه في الشمس ليجف وبعدها نجمعه وننقيه من الحشق والوسخ ثم ندوسه بالأرجل ليكون ليناً فنضعه في «خصافه» نربطها بحبال ونجهز «المدبسة» في «الينز» أي المخزن فنعمل حفرة للمدبسة ونحضر «خرس» نضعه في الحفرة .
ونجهز مجرى للدبس يتجمع فيها ليؤخذ ويستخدم في الطعام وكانت الناس تجمع التمر في مخزن كبير يضعون عليه علامات لكل بيت لكي لا يختلط التمر فيأخذ كل شخص حصته عندما يريدها، وقد كان التمر هو الغذاء الأساسي عند الناس يعطيهم القوة لمواصلة أعمالهم الصعبة. كان حديث سيف الكندي.
وهو يتوسط أولاده وأحفاده ويعلمهم القيم التراثية الأصيلة مميزاً ويدل على اهتمام الرجل بالحفاظ على الماضي وإدراك قيمته الحقيقية. خرجنا من القرية الحديثة نحو حصن الحيل لنجد أعمال الترميم هناك كي تعيد الحياة إلى هذا الجزء الثري من ماضي المنطقة وعمارتها.
استطلاع: دلال جويد

