لا يمكن القول إن كتاب «الاعتبار» للأمير أسامة بن منقذ معروف لدى القراء العرب بقدر ما هو معروف لدى نخبة القراء الغربيين، فهؤلاء فتنهم طويلا هذا النص الذي كتبه في القرن الثاني عشر الميلادي، أمير سوري في التسعين من عمره يتأمل الحياة بحلوها ومرها، بلهوها وجدها، ثم يستخلص نتائج منها ما هو مفاجئ حين يتعلق بالنظرة إلى الأعداء.
تسامح وحيرة... أسئلة ومحاولات أجوبة...غضب إزاء الاحتلال ومحاولة في الوقت نفسه للتفهم وتساؤل حول «الآخر» وما يمكن العثور لديه عليه.. في لحظات التلاقي بين الحضارات.
. ولا نتحدث هنا عن كتاب وضع في العربية في أيامنا هذه، ردا على ما يحدث في عالمينا العربي والإسلامي، بل عن كتاب صار عمره الآن مئات السنين، وضع أيام الحروب الصليبية، ونظر إليه ـ إذ عرف في الغرب باكرا ـ بأفضل ما نظر إليه في العالمين الإسلامي والعربي.
إذ هناك فهم جوهره وروعيت ظروفه، وحكم على فعاليته بشكل ايجابي، ما نتكلم عنه هنا هو كتاب «الاعتبار» الذي وضعه الأمير الدمشقي أسامة بن منقذ وقد تجاوز الثمانين من عمره. وهو وضعه بعدما خاض المعارك ضد الصليبيين وعاش تجربة الصدمة والعلاقة الملتبسة مع الآخر وهذا ما جعل كتابه كتاب سيرة ذاتية وكتاب تعبير عن صدمة حضارية في الوقت نفسه.
في المقام الأول يروي الكتاب أحداثا تاريخية عاش مؤلفه الأمير بعضها وعايش من عاشوا بعضها الآخر.. لكن الكتاب تجاوز هذا الإطار الحدثي التاريخي ليطلع كذلك كتابا في التأمل الفلسفي ممزوجا بالسيرة الذاتية وأيضا كتابا يصور الحياة اليومية والعلاقة مع الطبيعة (من خلال فصول يصف فيها أسامة حياته كممارس للصيد والقنص والحب، هو الذي لم تمنعه الأحداث الكبيرة من ممارسة هذا كله)...
وإضافة إلى هذا كله، لدينا هنا عبر صفحات أسامة وتأملاته نص في التسامح وفي لغة التخاطب مع الآخر حتى ولو كان عدوا نتساجل معه بالسلاح في معمعة النزال. ولنقرأ أسامة هنا، في هذه الفقرة المدهشة، حيث يقول: «كنت إذا زرت بيت المقدس وهو تحت الاحتلال الصليبي، دخلت المسجد الأقصى.
وفي جانبه مسجد صغير قد جعله الإفرنج كنيسة. (إذا) كنت إذا دخلت المسجد الأقصى وفيه الراوية ـ فرسان الهيكل من الجنود الصليبيين ـ وهم أصدقائي يخلون لي ذلك المسجد الصغير أصلي فيه. فدخلته يوما وكبرت ووقفت في الصلاة، فهجم عليّ واحد من الإفرنج امسكني ورد وجهي إلى الشرق وقال:
«كذا صلّ!«فتبادر إليه قوم من الداوية أخذوه وأخرجوه عنها. وعدت أنا إلى الصلاة. فاعتقلهم وعاد وهجم عليّ(..)ورد وجهي إلى الشرق وقال:«كذا صلّ!«فعاد الداوية ودخلوا إليه وأخرجوه واعتذروا إلي وقالوا «هذا غريب وصل من بلاد الإفرنج هذه الأيام وما رأى من يصلي إلى غير الشرق». فقلت «حسبي من الصلاة!» وخرجت فكنت أعجب من ذلك الشيطان وتعبير وجهه ورعدته وما لحقه من نظر الصلاة إلى القبلة».
بهذه الروح الهادئة كتب أسامة بن منقذ كل صفحات كتاب الاعتبار هذا الذي وصفه بعد تجارب عايشها عشرات السنين في الحكم والقتال والحياة التي تهدأ حينا وتعصف حينا وعلى الأرجح فان هذا الكتاب يمكن اعتباره أول نص من نوعه يضعه مسؤول سياسي عسكري في ذلك الزمان .
ويحاول فيه قدر الإمكان أن يكون منصفا ولكن من دون ان يبدي أي انبهار بالآخر. فإذا كان المؤلف قد أطال في صفحات الكتاب من وصف حياة الفرنجة الصليبيين، مفضلا عاداتهم وطرق عيشهم ناظرا إليهم أولا على أنهم بشر لا مجرد أعداء فحسب.
وإذا كان لا يكف عن الاعتراف طوال فصول الكتاب بما وجد لديهم من «معارف وتقدم» فانه كان يدرك تماما أن «الإفرنج في القرن الثاني عشر الميلادي كانوا متأخرين عن العرب في جميع الميادين العلمية والتقنية..».
والملفت هنا أن أسامة كان لا يكف في الوقت نفسه عن استنكار هذا الجهل المعتم..وكذلك عن استنكار العديد من أخلاقهم وعاداتهم. وفي هذا الإطار يقول أمين معلوف في كتابه «الحروب الصليبية من وجهة نظر العرب» بقدر ما كانت معرفة أسامة بالغربيين تزداد، كانت تزداد فكرته عنهم سوءا.
فإذا به في نهاية الأمر لا يقدر فيهم سوى الصفات الحربية. ومهما يكن من الأمر علينا ان نذكر هنا ان أسامة بن منقذ إنما تعرف على الإفرنج بشكل أتاح له مقاربتهم عن كثب، وعن تجربة بعيدا عن الإحكام المسبقة ما يسجل سابقة فريدة من نوعها في ذلك الزمن. حيث كان دخوله طرفا في ذلك التعاون الذي قام بين دمشق المسلمة وإمارة القدس الصليبية. وكان ذلك في مرحلة هدأت فيها الحروب الصليبية بعض الشيء» قبل ان تنفجر من جديد.
. وهذه هي المرحلة التي يؤرخها كتاب أسامة الذي يكتب ـ كما هو واضح ـ في مناخ من الحنين إليها ذلك النص الذي كثيرا ما فتن المؤرخين والمفكرين الغربيين، من الذين تعاملوا معه كبرهان على موضوعية فكر عربي معين».
والحال أن ذلك الافتتان وصل إلى درجة دفعت مستعربا فرنسيا معاصرا لنا، هو اندريه ميكيل، إلى تحويل سيرة أسامة وحكاية كتابه لـ «الاعتبار» إلى رواية متميزة»، أعادت هذا البطل والمفكر العربي والمسلم إلى الفكر الغربي -وبالتالي إلى الفكر العربي!
ـ بعد غياب. مع العلم أن الغرب كان تعرف إلى أسامة من خلال كتاب اسبق كان صدر في الفرنسية بعنوان «حياة أسامة»، نشر خلال العشرية الأخيرة من القرن التاسع عشر، في وقت اهتم فيه المستشرقون اهتماما فائقا بجمع تراث هذا الأمير المتأمل.
من هنا يمكننا النظر إلى كتاب «الاعتبار» بوصفه واحدا من الأعمال الأدبية الجادة التي حاولت أن تتعاطى مع صورة الآخر بجدية وهدوء..في الوقت نفسه الذي كان فيه هذا «الآخر» يصدر عن الشرق وعن المسلمين(أي عن «آخره») كتبا حافلة بالتجني والأحكام المسبقة».
وفي هذا السياق يمكن القول ان أسامة بن منقذ قدم للجميع درسا طيبا ونادرا في الأمانة التاريخية والكتابة الموضوعية. وهنا تقتضي الموضوعية على أية حال القول إن هذا كله لم يكن غريبا على ذلك الأمير الذي ولد العام 1095 في شيزر شمالي حماه في سوريا..
وشيزر كانت مقر حكم آل منقذ وهم من الأمراء الحاميين. أما أسامة فكان في الرابعة عندما استولى الصليبيون على بيت القدس.. وسرعان ما شب عن الطوق وبدأ يخوض القتال ضد الفرنجة، يقاتلهم حينا ويصادقهم حينا آخر. وهو كان كأبيه محبا للعيد والقتال.
لكنه هوى الكتابة أيضا، وعرف كثائر وشاعر واذا كان قد أمضى ما لا يقل عن تسع سنوات من شبابه في جيش لتابك الموصل الزنكي فانه لم يتوقف عن الكتابة يوما. بيد انه حين توفي أبوه، اضطر لأسباب تتعلق بالإمارة إلى الابتعاد سنوات عديدة عن مركز إمارة أهله، فعاش في دمشق التي كان يحكمها آل بوري..
وكانت هذه الحقبة التي اتصل فيها بداوية بيت القدس وعقد معهم صداقات ومعاهدات. وهو في زمن لاحق انتقل إلى القاهرة الفاطمية، حيث صار جزءا من بلاطها وشارك في دسائس ذلك البلاط ومن هناك قاد حملات الصليبيين في فلسطين، ليغادر القاهرة بعدها الى دمشق التي عاش فيها بقية أيامه متأملا كاتبا مفكرا، ليموت أخيرا وقد أربى على التسعين من عمره، مخلفا كتابي «الاعتبار» وعدد من الكتب الأخرى ومنها «المنازل والديار» و«أخبار النساء» و«لباب الآداب».
